تحليل إقتصادي

سمسرة التأمين: من المسؤول عن انتشار هذه المهنة الدخيلة على القطاع؟

تم نشره في الأحد 22 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً

ماهر الحسين*  
عمان- لدى دراسة هيكلة أي سوق تأميني سواء كان في الدول المتقدمة أو الدول النامية على حد سواء، نجد أن قطاع التأمين عادة يضم مؤسسات وأفرادا يشكلون حلقة متكاملة تنتهي بتقديم خدمات تأمينية للمؤمن لهم والمواطنين.

 وتضم هذه الحلقة كلا من شركات التأمين، شركات إعادة التأمين، وكلاء التأمين، وسطاء التأمين ومسوي الخسائر والمعاينين.
 وبعد التمحيص والبحث تبين عدم وجود تسمية تدل على (سمسرة التأمين) بأي من الاسواق التأمينية بالمفهوم المعمول به في سوق التأمين الأردني، العربي او حتى العالمي.
وهذه المهنة تعد دخيلة؛ حيث ظهرت مؤخراً في السوق المحلية، وأدت إلى زعزعة ثقة المواطن بقطاع التأمين وشركات التأمين.
 في الوقت الذي يبذل فيه الاتحاد والشركات وهيئة التأمين جهودا كبيرة وجبارة للتعريف بدور شركات التأمين في بناء وحماية الاقتصاد المحلي، وتوفير التغطية التأمينية للمتضررين عند وقوع الضرر لا سمح الله من خلال وجود جهة مليئة مالياً تلتزم بدفع قيمة التعويضات للمتضرر وفقاً لشروط الوثيقة من خلال عقد العديد من الندوات والدورات والمؤتمرات ونشر العديد من المقالات لتوعية الجمهور بدور التأمين.
 لقد وصل للاتحاد وهيئة التأمين العديد من الشكاوى حول ممارسات سماسرة التأمين وبشكل خاص في مناطق ترخيص المركبات من خلال تواجدهم بأعداد كبيرة، والتجمهر حول أصحاب المركبات لاستيفاء مبالغ مالية أعلى من أقساط أو أسعار التأمين التي حددتها شركات التأمين أو حتى أسعار التأمين الاجباري (الالزامي) المحددة من قبل الدولة، ضاربين بعرض الحائط كل القوانين والأنظمة والتعليمات التي تحظر عليهم ممارسة هذه المهنة لحين تجذرت هذه المهنة بكل سيئاتها في مناطق الترخيص وعجزت الجهات الحكومية الرقابية عن الحد من ممارستهم أو ردعهم لأسباب يعلمها كل العاملين في القطاع.
ويقوم على هذه المهنة من يعملون بالاستقواء على أرزاق الناس، الأمر الذي دعا العديد من الكتاب إلى اجراء تحقيقات أو كتابة مقالات عن هذه الممارسة التي تؤرق جميع العاملين في مناطق الترخيص بسبب ما يحدث، ولكن للأسف من يدفع فاتورة هذا الأمر ويحصد السمعة السيئة هو قطاع التأمين، علماً بأن شركات التأمين ليس لها ناقة أو بعير من جراء هذه الممارسات، بل على العكس هي الضحية التي تدفع الثمن مضاعفاً مرة كتعويض مالي للمتضرر ومرة أخرى بخسارة ثقة المواطن بالقطاع وما يترتب عليه من عزوف عن التأمينات الأخرى غير الالزامية.
   إن العاملين في مهنة سمسرة التأمين يقومون على التوسط بين المواطن وجهة أخرى مرخصة من هيئة التأمين مثل وكيل التأمين أو وسيط التأمين، لإجراء التأمين لمركبات المواطنين بطرق غايتها جباية الأموال والأرباح لكل من وسيط التأمين أو وكيل التأمين وسمسار التأمين، من خلال بيع وثائق التأمين بأسعار أعلى بكثير من السعر المتفق عليه مع شركة التأمين أو السعر المحدد من الدولة والتعمد بعدم تسجيل القيمة التي يتم استيفاؤها من المواطن على نسخة الشركة أو نسخة الترخيص، أو ايهام مالك المركبة بأن المركبة مسجلٌ عليها حوادث وفي حال توجهه للمكتب الموحد سيدفع مبالغ اضافية، وذلك لضمان الايقاع بصاحب المركبة وتمتع سمسار التأمين ومن يتعامل معهم من وكلاء ووسطاء بالمبالغ الاضافية (over)، التي يتم أخذها من المواطنين في وقت يعاني فيه قطاع التامين أشد المعاناة في فرع التأمين الالزامي للمركبات، جراء تحديد الأسعار بشكل لا يتناسب فنيا وماليا مع حدود المسؤوليات المحددة من قبل الدولة، الأمر الذي أدى الى تسجيل القطاع خسائر تراكمية زادت على الـ160 مليون دينار أردني وما تلاه من خروج شركات تأمين من السوق وتعثر شركات أخرى وانسحاب ثلاث شركات طوعيا من تقديم خدمة تأمين المركبات بشقيه: الالزامي والشامل وتراكم الخطر لدى بقية الشركات.
ظهرت مهنة (سمسار التأمين) في نيسان العام 2004 عندما قامت هيئة التأمين بإلغاء نظام الدور الذي كان متبعاً في مكتب التأمين الالزامي الموحد التابع للاتحاد الأردني لشركات التأمين منذ العام 1987، وذلك بحجة منح المواطن حرية اختيار شركة التأمين التي يرغب بالتعامل معها، لم يكن لهذا القرار أي أثر إيجابي مباشر على أصحاب المركبات وبالعكس أدى إلى البدء بظهور مهنة سمسرة التأمين من قبل فئة تسعى للإيقاع بالمواطنين وإعطائهم معلومات غير صحيحة وتوجيههم للتأمين لدى شركات تأمين معينة، ليس لأنها الافضل في تقديم الخدمات عند حدوث الحادث أو لأن هذه الشركات لديها قدرات مالية كبيرة تستطيع دفع التزاماتها المالية عند حصول الحادث، بل السبب وراء ذلك هو جني المكاسب المادية والحصول على عمولات ومبالغ من اصحاب المركبات زيادة على القسط المحدد من الحكومة.
ومع أن هذه المهنة بدأت بالظهور في العام 2004 وبدأت بالتجذر لتفرض نفسها على المشهد التأميني مع علم جميع الأطراف ومنها الجهات الحكومية، وفي مقدمتها هيئة التأمين بعدم قانونية عملها وعدم كفاءة العاملين فيها وتدني تحصيلهم العلمي إن وجد، وما يشوب عملهم من ممارسات خاطئة، إلا أنه وللأسف لم يتم أخذ إجراءات فعالة لمحاربة هذه الظاهرة واجتثاثها، بل على العكس قامت هيئة التأمين في العام 2010 بإصدار تعليمات إصدار وثائق التأمين الالزامي للمركبات رقم (5) لسنة 2010، والتي سمحت بموجبها لشركات التأمين والوكلاء والوسطاء بإصدار وثائق التأمين الالزامي، إضافة الى المكتب الموحد، الأمر الذي أدى الى حدوث فوضى عارمة في مناطق الترخيص وتقوية مهنة سمسرة التأمين وهدم الإنجازات التي حققها قطاع التأمين الأردني منذ تأسيس المكتب الموحد في العام 1987 الذي أنجز عمله بكل حرفية ومهنية وشفافية ودقة متناهية لدرجة وصلت نسبة الخطأ في عمله وادائه إلى صفر % بعد الخبرة الطويلة والمتابعة والمراقبة من إدارات الاتحاد المتعاقبة والدوائر المتخصصة في الاتحاد لمراقبة عمل المكتب من النواحي الإدارية والمالية والفنية، وبما يضمن إيصال مستحقات الشركات بسرعة وبدقة وتسجيل بيانات ومعلومات أصحاب المركبات بدقة ومهنية والقدرة العالية على استرجاع المعلومات وتزويدها للمواطنين أو المحامين أو الجهات القضائية لإثبات التأمين، وعدم تسجيل حالة واحدة بدفع المواطنين أسعار أعلى من الأسعار المحددة والمعلنة من قبل الدولة.
 إننا نطالب الجهات الحكومية والرقابية وفي مقدمتها هيئة التأمين القيام بواجباتها والسير بأقصى سرعة لاجتثاث هذه المهنة، التي اصبحت تؤرق كل شخص يراجع ادارة ترخيص المركبات والسواقين وعلى أن يقتصر بيع وثائق التأمين على الجهات المرخصة من الهيئة، لضمان خضوعها للرقابة والمتابعة من كوادر الهيئة وضمان التزامها بالأسس الفنية للعمل التأميني وأدبيات واخلاقيات المهنة التي حددتها قواعد أسس ممارسة المهنة، علما بأن الجهات المرخصة هي شركات التأمين، وكلاء التأمين، وسطاء التأمين والمكتب الموحد للتأمين الإلزامي على المركبات بدلاً من قيام هيئة التأمين بالبحث عن مصوغات لتقنين هذه المهنة وتأطيرها ضمن إطار تشريعي قانوني، وهي تعلم يقين العلم بعدم وجود مثل هذه المهنة او الممارسة على مستوى العالم مع فسح المجال لتقديم خدمات تأمينية متميزة وبطريقة حضارية من قبل الجهات المرخصة والتدرج في تمكين وكلاء ووسطاء التأمين للقيام بالواجبات والمهام التي يمارسها نظراؤهم من الوكلاء والوسطاء حول العالم بعد إيجاد البيئة التشريعية والقانونية، وتكريس الوعي التأميني لديهم وصولاً إلى سوق متقدم ومتطور وعندها سنكون اول من يبحث فكرة إلغاء المكتب الموحد أو تقليص مهامه وتحويلها للوكلاء والوسطاء بعد ضمان الإجراءات والأطر التشريعية التي تضمن تقديم الخدمات التأمينية بحرفية ومهنية عالية بعد تحمل كل طرف لمسؤولياته وايجاد تشريعات تضمن محاسبتهم في حال كان هناك قصور في الاداء، وبما يضمن عدم وجود ممارسات خاطئة في مناطق الترخيص وصولاً الى كوادر وأطراف مدربة تقدم النصح والإرشاد للمؤمن لهم واصحاب المركبات تعكس مهنية عالية بعيداً عن اللهاث وراء المنافع الشخصية والعمولات بطرق غير قانونية.
 ونتمنى من الجهات الرقابية أن توقع هذه العقوبة على عدد من الأشخاص الذين يمارسون ذلك جهاراً نهاراً في مناطق الترخيص تحت سمع ونظر الجهات الرقابية، حتى يكونوا عبرة لغيرهم ورادعاً لمن يفكر في الاعتداء على أموال المواطنين في وقت يواجه فيها المواطن صعوبات كبيرة في العيش، والتكيف مع كل التغيرات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة العربية والمحلية على وجه الخصوص من ارتفاعات متتالية في الأسعار وتضخم؛ الأمر الذي أدى الى زيادة الضرر على المواطن.


*مدير الاتحاد الأردني لشركات التأمين

التعليق