ما الذي يريده بوتين ؟ خشية موسكو من الجهاديين تدفع السياسة الروسية تجاه سورية

تم نشره في الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً
  • مقاتل جهادي في منطقة شرق سورية - (أرشيفية)

أوفي كلوسمان - (دير شبيغل) 12/9/2013
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

من الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمتع بدوره كلاعب رئيسي في الصراع السوري. لكن موسكو تنطوي أيضاً على مكمن قلق واقعي جدا: إذا ساد التطرف الإسلامي في سورية، فإنها ربما تكون هناك تداعيات خطيرة على روسيا.
كلما يتقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باقتراح ما، يكون التحفظ والشكوك هي ردود الفعل الأولى التي تصدر عن الغرب. وقد وفرت الأسابيع الأخيرة أحدث الأمثلة على ذلك: فبالكاد أنهى بوتين طرح اقتراحه القاضي بوضع أسلحة سورية الكيميائية تحت السيطرة الدولية حتى كتبت الأسبوعية الألمانية "داي زيت" مقالاً عنوانه: "اللعبة الروسية الهزلية في الشرق الأوسط". ثم تساءلت الصحيفة اليومية الألمانية "سادويتشي زايتونغ" عما "إذا كانت (خطته) خدعة من موسكو". وفي مقالة له نشرت في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية مؤخراً، سعى بوتين إلى شرح موقفه أمام الجمهور العالمي.
كما أوضح بوتين، فإن روسيا مهتمة بالقضاء على مخزون سورية من الأسلحة الكيميائية لثلاثة أسباب: الأول هو أن من الممكن أن يفضي وجود هذه الأسلحة إلى تدخل أجنبي في سورية، وهو ما تعارضه موسكو. والثاني هو أن هناك خطراً من وقوع الغازات السامة في أيدي المتطرفين المتشددين. والثالث، هو أن الثوار السوريين المسلحين يمكن أن يستخدموا هذه الأسلحة ضد إسرائيل.
في مقالته التي نشرت في نيويورك تايمز، يُذكّر بوتين القراء بالتدخلات العسكرية الأميركية في الأعوام الاثني عشر الماضية -بما في ذلك أفغانستان والعراق وليبيا- مشيراً إلى أنه لم يتحقق نتيجة تلك التدخلات لا سلام ولا استقرار. كما أنه يرحب بالاستعداد الذي أبداه الرئيس الأميركي باراك أوباما للاستمرار في الحوار مع روسيا حول سورية.
وجاءت مقالة بوتين ثمرة لحسبة هادئة: إن الأغلبية العظمى من الأميركيين تعارض التدخل. وبالرغم من الدفع القوي من جهة المتشددين في لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، من بين جهات أخرى، لإقناع الكونغرس بدعم توجيه ضربة عسكرية، فإن هذا التدخل قد وضع على الرف في الوقت الراهن.
ممكن وضروري
في الأثناء، بدا أن أوباما ووزير الخارجية الأميركية، جون كيري، وأنهما مرتاحان الآن لأن الاقتراح من موسكو يوفر فرصة لتجنب خوض حرب -لم يكن أي منهما مقتنعاً بجدواها. وعلى الرغم من حنق واشنطن الأخير من العرض الروسي بمنح اللجوء السياسي لمسرب الأخبار في وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" إدوارد سنودن، فإن الحكومة الأميركية تعرف أن إقامة شراكة مع بوتين هي أمر ممكن وضروري.
أحد مسوغات ذلك هو حقيقة أن التطرف الإسلامي المسلح، الذي تتنامى قوته امتداداً من كابول وحتى دمشق، يشكل تهديداً أكثر لموسكو منه للولايات المتحدة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون اجتماع يوم التاسع من أيلول (سبتمبر) الحالي لمجلس الأمن الروسي برئاسة بوتين قد تركز على الوضع في المنطقة المسلمة في شمال القوقاز.
خلال الاجتماع، تحدث بوتين عن الوضع الدرامي في جنوب روسيا. وأشار إلى أن وجود "مستوى عال من الفساد وتفشي البطالة بمعدلات مرتفعة، ووجود معدلات ولادات كبيرة، كل ذلك يسهم في توفير أرض خصبة للمتطرفين". ويعي مسؤولو الأمن الروس أن مراكز الإسلاموية، مثل العربية السعودية وقطر، وكلاهما تدعمان الثوار السوريين، تقومان أيضاً بتقديم الدعم المادي للمتشددين السريين في القوقاز الروسية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المقاتلين الجهاديين في بلدان آسيا الوسطى المتحالفة مع روسيا -لموسكو قواعد عسكرية في قيرغزستان وطاجكستان- يشكلون تهديدا أيضاً. ويشكل خوف موسكو من الجهاد المسلح عاملاً رئيسياً في سياستها الخارجية. ولا يصب أي نصر يحققه الإسلاميون في سورية، والذي من شأنه تعزيز شوكة الجهاديين حول العالم، في مصالح روسيا ولا أميركا، ناهيك عن ذكر إسرائيل.
ذلك ما يفسر أن الحاجة تمس لأن تتخذ القوى العالمية، وفي مقدمتها أعضاء مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، إجراء ما. وسيعطي اتخاذ هذا الإجراء للروس شعوراً بالامتنان للتفاوض على مستوى مناظر للولايات المتحدة. وقد أصبحت موسكو، منذ تفكك الاتحاد، بالكاد قوة إقليمية.
بوتين يقول ما يظنه العديدون
في الحقيقة، غالباً ما شعرت روسيا بأن مصالحها الخاصة ليست موضع اهتمام للولايات المتحدة -مثل ما حدث عندما حاولت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إغواء جارتي روسيا، أوكرانيا وجورجيا، بالانضمام إلى حلف الناتو. لكن هذه الخطط لم تتابع تحت رئاسة أوباما.
ومع ذلك، يظل عدم الاتفاق قائماً بين موسكو وواشنطن، كما دلل على ذلك بوتين في مقاله الرئيسي في النيويورك تايمز. وبينما يتحدث بوتين عن "ثقة تنمو" بينه وبين أوباما، فإنه يستنكر مباشرة القضية التي أقامها أوباما عن الاستثنائية الأميركية في خطابه للأمة يوم العاشر من أيلول (سبتمبر) الحالي.
كان أوباما قد قال إن رغبة الولايات المتحدة في التصرف عندما يتم تحدي مثلها ومبادئها في الخارج هو "ما يجعلنا استثنائيين". ويصف بوتين، المسيحي الأرثوذوكسي، هذه الفكرة بأنها "خطيرة جداً" ويحذر الأميركيين من أنه "عندما نطلب بركات الآلهة، فإنه يجب علينا أن لا ننسى أن الله خلقنا متساوين".
إن ما تبدو للوهلة الأولى على أنها ملاحظة ساخرة، إنما يشير في الحقيقة إلى نقطة مهمة. فالنخبة الأميركية تتشبث بعناد بالاعتقاد بأن بإمكان بلدهم استخدام قواته العسكرية للقيام بدور قاضي الديمقراطية العالمية، حتى من دون تفويض من الأمم المتحدة. وذلك يقود بلد الله الخاص للنظر من الأعلى باستهزاء إلى "أوروبا القديمة" وبلدان أخرى.
 لكن وجهة النظر هذه تواجه معارضة متزايدة في العالم. لكن بوتين ببساطة، يقول بصراحة وعلى الملأ ما يقوله كثيرون آخرون في برلين وغيرها بهمس وعلى استحياء.


* نشر هذه التعليق تحت عنوان:
 What Putin Wants

التعليق