اقتصاد الحرب السورية: الرصاص وحسابات البنوك

تم نشره في الأربعاء 14 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 10/8/2013

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما تحولت انتفاضة العام 2011 ضد الرئيس بشار الأسد إلى حرب أهلية، انحدرت الأعمال التجارية في أكبر مدينتين في البلاد؛ دمشق وحلب، وحلقت معدلات التضخم. وفي وقت أبكر من هذا العام، عندما استولى الثوار على مدينة الرقة الشمالية -ومعها جزء كبير من نفط سورية وأراضيها الزراعية- انتقل مصدران رئيسيان للإيرادات الحكومية إلى أيدي الثوار. وفي ساحة المعركة، احتفظ النظام بمصادره الخاصة؛ أما عندما يتعلق الأمر بالتمويل والقتال، فإن الوضع يصبح أقل وضوحاً.
بعد أكثر من سنتين من الحرب، انتفخت معدلات البطالة في سورية لتصل إلى 60 %، وأصبحت خزائن الحكومة فارغة؛ وانخفض معدل إنتاج البترول إلى 20.000 برميل في اليوم، هابطاً من 380.000. وكلفت العقوبات النفطية والتخريب الحكومة ما لا يقل عن 13 مليار دولار، وفق تقديراتها الخاصة. وأصبحت الزراعة، والتجارة والتصنيع تسير بأقل من ثلث معدلاتها لما قبل الحرب. وهبطت قيمة الليرة السورية متراجعة من 47 للدولار عندما اندلع القتال، إلى حوالي 250 اليوم. ويقدر خبراء الأمم المتحدة في بيروت أن 19 % من السوريين أصبحوا يعيشون الآن تحت خط الفقر، مقارنة بأقل من 1 % قبل الحرب.
حتى الآن، تمكنت الحكومة من تدبر أمر المضي قدماً بصعوبة. وفي بعض المناطق، عملت الحرب فعلياً على تخفيف الضعوط المالية عليها. ويقول جهاد اليازجي، مؤسس النشرة الاقتصادية الصادرة في بيروت، والمسماة "تقرير سورية"، إنه رغم أن المزيد من الفقر يعني أن يحتاج السوريون إلى مزيد من الخدمات الحكومية، فإن إغلاقات المدارس والمستشفيات، بسبب القتال، خفضت الطلب على التمويل.
عن طريق تجميد الاستثمار، بما في ذلك إنشاء الطرق الجديدة، والتي كانت تمثل ما يقرب من نصف ميزانية ما قبل الحرب -إحدى أعلى النسب في العالم- قامت الحكومة السورية بتحرير الأموال لتدفع أجور مليونين من مستخدمي الحكومة، ولدعم الإنفاق الاستهلاكي. وفي يوم 22 حزيران (يونيو)، حاول النظام رفع المعنويات عن طريق زيادة أجور موظفي قطاع الخدمة المدنية. لكن القليلين احتفلوا بهذه الزيادة، بما أنها جاءت بعد يومين فقط من رفع أسعار الوقود.
الآن، تذهب الأمور في سورية إلى مزيد من السوء بثبات. ففي الرابع من آب (أغسطس)، حظر السيد الأسد استخدام العملة الأجنبية. ويطلب الجنود أحياناً رؤية فواتير الكهرباء الصادرة من شركة التوليد التابعة للحكومة عند حواجز التفتيش في العاصمة دمشق، ليتأكدوا من أنها دُفعت. كما زادت شركات الهواتف الخلوية أسعار المكالمات الدولية من أجل جمع الأموال.
في الحرب الدائرة في سورية، يحمل كلا الطرفين الأسلحة الاقتصادية. فعن طريق حرق حقول المحاصيل وقصف المناطق التي لا تخضع لسيطرته، يحاول النظام تعطيل دورة النظام الاقتصادي في المناطق التي يسيطر عليها الثوار. فيما قام الثوار من جهتهم بمهاجمة شبكات الكهرباء والصهاريج التي تجلب الوقود من لبنان، آملين تجويع النظام للإمدادات.
ولكن، هل تستطيع وطأة الأوضاع وضع نهاية للحرب؟ يأمل عضو سابق في الحكومة أن تتمكن الحرب الاقتصادية من إجبار النظام على القدوم إلى طاولة التفاوض. وبما أن الناتج الزراعي والنفطي قد تجمدا منذ سيطرة الثوار على الشرق، اضطرت سورية التي كانت مكتفية ذاتياً ذات مرة، إلى التقدم بعطاءات للاستيراد -وكذلك محاولة إيجاد العملة التي تدفع ثمن المستوردات. وفيما يقترب فصل الشتاء، سوف يرتفع الطلب على الوقود والغذاء. ويقول السيد اليازجي: "سوف يكون ذلك اختباراً حاسماً".
ومع ذلك، يرجح معظم المحللين عدم إمكانية إسقاط النظام بأداة الصعوبات الاقتصادية وحدها. وكان هبوط قيمة العملة السورية مؤلماً للحكومة، لكنه لم يكن قاتلاً. ومع أن الاحتياطات الأجنبية المقدرة بحوالي 18 مليار دولار قبل الحرب قد نضبت في أغلبها، فإن هناك ما يكفي منها لتغطية ثلاثة أشهر من الاستيراد، كما يقول اقتصادي سابق مطلع. وثمة عامل حاسم آخر، هو قدرة النظام على الاعتماد على حلفائه، وخصوصا إيران وروسيا، لمساعدته على تمويل الواردات ودفع كلفة القتال. وقد وافقت إيران مؤخراً على تقديم مبلغ 3.6 مليار دولار في شكل خطوط ائتمانية ونفط ودواء. وحتى من دون مثل هذه المساعدة، استطاع النظامان في زمبابوي والعراق تحمل مثل هذه الضغوط فيما كان مواطنوهما يناضلون لتغطية نفقاتهم.
في الأثناء، يصبح السوريون معتادين على اقتصاد الحرب. وعلى سبيل المثال، يقوم الزجاجون بعمل تجاري مزدهر في إصلاح النوافذ المنسوفة. كما أصدر السيد الأسد تراخيص للمؤسسات الأمنية الخاصة.
يقول السيد يزيد الصايغ، من مركز كارنيغي الشرق الأوسط، المؤسسة الفكرية التي مقرها بيروت، إن هناك نظاماً اقتصادياً جديداً يظهر، والذي يمكن أن يرسخ البؤس. ويقول إنه يتوقع "عودة إلى الاقتصادات المحلية واقتصاد الكفاف، وكذلك ظهرت طرق جديدة لجني النقود". وقد بدأ النظام بتفكيك أصوله، تاركاً للموالين الهيمنة على الصناعات، وللعصابات أن تمارس النهب. وفي المقابل، هناك بعض أمراء الحرب من الثوار، خصوصا أولئك الأكثر حرصاً على جني المال من حرصهم على القتال، ممن ينتهجون استراتيجية مماثلة.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Syria’s war economy: Bullets and bank accounts

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق