دور الإعلام في إقامة الحوار بين الأفكار

تم نشره في الثلاثاء 6 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً
  • لا يجدر بالصحافة التعتيم على الحقائق بانتهاج الانحياز - (أرشيفية)

إيكو مريادي – (كومون غرواند)
جاكرتا – يبدو أن العلاقات المتذبذبة غالباً بين العالمين المسلم والغرب أصبحت أكثر توتراً في الأوقات الراهنة، خاصة منذ الهجمات على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ومباشرة بعد تلك المأساة التي نجم عنها مقتل وجرح الآلاف، صدرت الإدانات من كافة أنحاء العالم. وفي أعقاب ذلك، شرع الإعلام الغربي بانتهاج ما يسمى "رأي الحرب"، الذي مال إلى إلقاء اللائمة على المسلمين في هذه الهجمات بلا تحفظ.
من خلال اقتباس الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بشكل واسع، أصبح الإعلام الغربي بؤرة لاستجماع للغضب تجاه الإسلام الذي تسنت مهاجمته لكونه عقيدة المهاجمين المفترضين. ورداً على ذلك، أطلق الإعلام في العديد من الدول الإسلامية هجمة مضادة من خلال تجنيد ردود الفعل السلبية تجاه أي قضية تخص العالم الغربي. وشرعت مشاعر الشك وعدم الثقة والغضب والحقد في النمو بسرعة بين هاتين الحضارتين.
بالإضافة إلى تقديم تغطية إخبارية متكررة حول الموضوع الرئيسي "الإسلام والعنف،" واستخدام كلمات مثل "الإرهابي الإسلامي" و"المتطرف" و"المتشدد" و"الأصولي" و"الإسلام المتطرف" و"الإسلام المسلّح"، أصبح الإعلام الغربي كذلك فاعلاً محورياً في الترويج لفكرة "الحرب العالمية على الإرهاب". وأثناء ذلك، شُنت حملات عسكرية مضادة ضخمة على دول إسلامية مثل أفغانستان والعراق. وقد انخرط الإعلام الغربي كذلك في هذا الجو من خلال إرسال العديد من الصحفيين لإعداد تقارير حيّة حول الكيفية التي تقوم بها العمليات العسكرية بتدمير شبكات الإرهاب. ومنذ ذلك الوقت، تبدو فكرة "الحرب المقدسة" السابقة للإسلام ضد المسيحية وأنها قد تراجعت لصالح "حرب الإعلام الغربي ضد الإرهابيين المسلمين".
باعتباره جزءاً من المجتمع الدولي، امتص الإعلام الإندونيسي كذلك التغطية الإخبارية الغربية التي نزعت باطراد إلى معاداة الإسلام. وقد ازداد الإجحاف والحقد اللذين جرى تبادلهما بين المسلمين والغربيين في إندونيسيا حدة، خاصة بعد تفجير بالي الأول في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2002. ورغم أن معظم الإعلام الإندونيسي حاول تقديم أخبار متزنة ومتعقلة،  حاول البعض إذكاء نار الغضب الإندونيسي على الغرب. كما قدمت هذه الأنواع من مصادر الإعلام مقالات تحليلية ناصرت المسلمين وانتقدت قادة الغرب، وقابلت شخصيات إندونيسية من الذين ساندوا حتى فكر شن هجمات "جهادية" مماثلة في المستقبل.
تبدو هذه الأيام وأنها الأصعب بالنسبة للإعلام في إندونيسيا، الذي يجد نفسه في نزاع مصالح فيما يتعلق بالإسلام والغرب. إن من الصعب على الإعلام أن يقدم أخباراً وآراءاً متوازنة حيادية، حيث أن الغالبية في إندونيسيا مسلمة. وتريد العديد من مصادر الإعلام كسب قرائها المسلمين، ولذلك تختار بعض وسائط الإعلام الإندونيسية عن قصد أن تصبح من أنصار الأصوات المسلمة.
عندما انفجرت النزاعات العرقية والدينية في امبون (1999) وبوسو (2000) وسامبيت (2001) واتشي (2005-1989)، أصبحت بعض وسائط الإعلام الإندونيسية بمثابة أدوات ستراتيجية للاتصالات الجماهيرية للمجموعات المسلحة. وبدلاً من التصرف كوسطاء ووكلاء لحل النزاع، انخرطت بعض وسائط الإعلام المكتوبة والإلكترونية في نشر الأفكار المثيرة واللغة الملتهبة. وحسب قول صحفي بوسني، فإن "الصحفي الذي يختبئ وراء الأقلام والميكروفونات لاقتراح الحرب هو بالفعل أكثر خسّة من الذين يقتلون بعضهم بعضاً". وكان هذا القول صحيحاً ومنطبقاً على إندونيسيا في تلك الحقبة.
من خلال الحفاظ على موقف مستقل بعيد عن التعصب الديني، يستطيع الإعلام فعلياً لعب دور مهم في تشجيع الحوار بين المسلمين والغرب. ومن خلال إيجاد فرص للحوار الشعبي المتوازن والتشارك في الأمور العامة وتوسيع ساحة التسامح من خلال تغطيته الإعلامية، يستطيع الإعلام جسر الهوة وتشجيع الحاجة المشتركة للعيش جنباً إلى جنب بسلام.
تماماً مثلما يحتاج الجمهور إلى جو من الحوار الراسخ العميق، يحتاج الإعلام إلى صحفيين ناضجين كذلك. ويتوجب على الإعلام وصحفييه اتباع ميثاق الشرف الصحفي والحفاظ على مصادر المعلومات بدقة، والبحث عن أشخاص ذوي كفاءة كمصادر، وكتابة التقارير باستخدام أساليب التغطية الإعلامية المهنية.
من المثير للاهتمام ملاحظة أن صحيفة إندونيسية سماها مؤخراً معهد بحوث، اعتبرت أكثر وسائط الإعلام المحلية شعبية بسبب أسلوبها أسلوب كتابتها المتعقل والمضاد للعنف. هذه الصحيفة، التي تكتب بالتأكيد عن نفس قضايا النزاع بين المسلمين والغرب في إندونيسيا، لا تقدم أي شكل من التغطية المساندة للغرب أو للمسلمين. وعندما سئل عن السبب في اختيار صحيفته لهذا النوع من الإعلام غير المنحاز، أجاب أحد كبار الصحفيين: "إننا نحاول فقط الكتابة بنزاهة، ونبعد رسالتنا عن الانحيازات. إننا نتعرض لمخاطرة إطلاق صفة الجبن علينا واتهامنا بعدم الانخراط، بل وحتى بكوننا أعداء للإسلام من قبل غالبية قرائنا لأننا لا نظهر المداهنة تجاههم. نحن فقط نطبق اعتقادنا بأن الإعلام يجب أن لا يكون طرفاً في أي نزاع".
قد يكون هذا هو ما يجب أن يكون عليه دور الإعلام في عصر "صدام الحضارات"، كقناة للرسائل البناءة التي تشجع الحلول بين المسلمين والغرب. وبالإضافة إلى ذلك، وبما أن العلاقات بين الطرفين ملتهبة سريعة الاشتعال، فإنه يتوجب على الإعلام أن يشكل منبر حوار صادق متساو شفاف للجمهور. ويجب أن لا يركز الإعلام على الحوار نفسه، وإنما على خلق الحوار واستخدام الأساليب اللاعنفية لحل النزاعات والتخفيف من حدة التوتر. من خلال ذلك، نأمل أن يلعب الإعلام دوراً هاماً في تشجيع الحوار بين المسلمين والغرب.

* صحفي مستقل لوسائط الإعلام العالمية، ومنسق لجنة الاستقطاب في اتحاد الصحفيين الإندونيسيين.

*خاص بـ الغد، بالتعاون مع خدمة "كومون غرواند" الإخبارية.

التعليق