فرصة أردوغان في الاحتجاجات التركية الأخيرة

تم نشره في الخميس 11 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان -(ارشيفية)

سنيهة آيسا كادايفشي أوريلانا* – (كومون غرواند)

واشنطن العاصمة – تصاعد ما بدأ احتجاجاً بيئياً صغيراً في متنزه "غازي" في إستانبول بسرعة ليصبح مظاهرات كبيرة ضد الحكومة، والتي جمعت معاً فنانين ونسويات ومشجعي كرة قدم وعلمانيين كماليين وأكرادا، بعد أن هاجمت قوات الشرطة المحتجّين. وقد لجأ المتظاهرون الذين لم تردعْهم ردود فعل الحكومة القاسية إلى العصيان المدني غير العنفي، مستخدمين الفكاهة والموسيقى والفن للاحتجاج ضد الحكومة.
كانت تركيا، الدولة العلمانية الديمقراطية التي يقودها حالياً حزب إسلامي، تلقى المديح باعتبارها تشكل نموذجاً للدول ذات الغالبية المسلمة، خاصة منذ ثورات الربيع العربي. وإذا اجتازت الحكومة التركية هذا الامتحان الحرج، فإنها ستخرج كديمقراطية أقوى، وتستمر بكونها مصدر إلهام في هذه المنطقة. وهكذا، تملك الحكومة التركية الآن فرصة لتضرب مثالاً حاسماً.
كما تؤكد أحداث تركيا، فإن تكتيكات القمع، مثل التهديدات والاعتقالات ونشر شرطة منع الشغب واستخدام قنابل الغاز والرصاص المطاطي وخراطيم المياه، هي تكتيكات حربية تعمل على تصعيد النزاع بدلاً من قهر المتظاهرين. ويظهر هذا التصعيد بازدياد من عدد الجماعات والأفراد الذين تم سحبهم إلى النزاع والتسبب بتشكل تحالفات جديدة بينهم. وتضمّ هذه التحالفات جماعات وأفراداً ذوي اهتمامات وأهداف وحوافز مختلفة، ربما تبدو حتى متناقضة. وينتقد القوميون، على سبيل المثال، انخراط الحكومة مع الجماعات الكردية، بينما يتحدثون مع الأكراد ضد وحشية الشرطة.
ويخشى العديد من الشباب بدورهم من تدخّل الحكومة المتنامي في حياتهم، بينما يخاف الكماليون العلمانيون من دور الدين في شؤون الدولة. ورداً على ذلك، قام أنصار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بتنظيم مظاهرات للإعراب عن تضامنهم مع الحكومة، منتقدين المتظاهرين لقيامهم بإفشال الاستقرار الاقتصادي والأمن.
وترتبط المخاوف والتظلّمات والاعتقاد بالظلم وانعدام العدالة بالحوافز، وتصبح في نهاية المطاف جزءاً لا يتجزأ من هوية المجموعة. ويُنظَر إلى التسوية والتنازلات على أنها تهديد للهوية، وتصبح غير مقبولة. وعلى سبيل المثال، تفسر الجماعات الكمالية العلمانية القوانين المتعلّقة بالمشروبات الكحولية على أنها مؤشرات إلى أن الحكومة ترغب بفرض السلوك الديني على الدولة، وأنها بالتالي تشكّل تهديداً لهويتها العلمانية. وتصبح الأطراف مستقطبة بشكل متزايد في معسكرات، مثل أنصار الحكومة ومعارضيها، وهي أدوات ترسيم حادة. وتزيد ديناميكيات كهذه مخاطر المزيد من النزاع.
تخفيض التوتر والانتقال نحو التسوية بعد هذه الأحداث عملية سوف تحتاج الوقت والصبر والتخطيط الحذِر. وفي هذه العملية، يلعب رد الدولة على المتظاهرين دوراً مهماً بشكل خاص بسبب ديناميكيات القوة غير المتناسبة. ومن النواحي المهمة لهذه العملية إعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتحويل العلاقات العدائية إلى علاقات تعاونية. وتنطوي الخطوة الأولى في هذه العملية على تجنّب الاستخدام غير المتكافئ للقوة. وتتطلب الخطوة الثانية التالية مباشرة فصل المتظاهرين غير العنفيين عن الجماعات العنفية، وتوفير الحصانة للمجموعة الأولى.
ومن الأمور ذات الأهمية المماثلة لإعادة بناء الثقة واستقرار الوضع، تحويل الرؤى والمواقف السلبية، مثل تلك التي تعتبِر الحكومة دكتاتورية أو النظر إلى المحتجين كمخربين. ومن الضروري السيطرة على الإشاعات والمعلومات المضللة، مثل حادثة لجوء المتظاهرين إلى أحد المساجد، حيث قيل إنهم تناولوا المشروبات الكحولية أثناء وجودهم هناك، أو أن نائب الوزير قدم استقالته. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إيجاد آليات للسيطرة على الإشاعات، مثل تشكيل مصادر مستقلة للتحقق من الإشاعات أو دحضها.
ويمكن لتجنب التصريحات العدوانية أو المثيرة، وتبنّي لغة تعكس الاحترام والتفاهم، بينما يتم التأكيد في الوقت نفسه على الهويات المشتركة، مثل الهوية الوطنية، أو الأهداف والاهتمامات المشتركة مثل الاستقرار الاقتصادي والأمن الإقليمي واحترام الحريات الشخصية، أن تساعد في تغيير المواقف السلبية.
سوف يشكّل وضع آليات للتواصل والحوار المباشر، مثل تشكيل لجنة حوار، استراتيجية مهمة أخرى لنزع فتيل التوتر. إلا أن ذلك يمكن أن يشكل تحدياً، خاصة في حالة الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة حيث تختلف الجماعات المختلفة ذات الاهتمامات والحوافز والأهداف المتنوعة. وقد تختلف بعض الجماعات أو ترفض المشاركة في عملية الحوار. ولذلك، فإن من الأهمية بمكان أن تتواصل الدولة مع الجماعات المختلفة بشكل منفصل، وأن تصغي إلى مطالبها ومخاوفها باحترام وتعاطف عميقين. ويعتبر الاعتراف بشرعية المظالم والشكاوى وفهم المصالح والاحتجاجات وراءها، وتطوير حلول مقبولة بشكل متبادل، أموراً مهمة في هذا السياق. ويمكن أيضاً للاعتراف بالأخطاء، وإظهار استعداد للعمل مع المحتجين لإصلاحها، وتطوير خريطة طريق بشكل مشترك لتطبيقها ضمن جدول زمني متفق عليه، أن تنزع فتيل التوتّرات وتساعد على استعادة الثقة.
سوف تستمر أحداث متنزه "غازي" باختبار الديمقراطية التركية في الأسابيع المقبلة، وسوف تحتاج عملية استعادة السلام والثقة إلى الوقت والصبر. وسوف يشكّل استعداد الحكومة للإصغاء إلى مكامن شكوى المتظاهرين واحتياجاتهم والعمل معهم لإيجاد حلول مقبولة لمشكلاتهم، والتزامها بالحفاظ على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثل الحق في الاحتجاجات السلمية وحرية التعبير والتجمع، عاملاً حاسماً في عملية استعادة الثقة.

* أستاذة مساعدة زائرة في برنامج الماجستير في حل النزاع بجامعة جورجتاون، ومؤلفة "الوقوف على المضيق: سرد الحرب والسلام الإسلامي في المناطق الفلسطينية".
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع خدمة "كومون غرواند" الإخبارية.

التعليق