مصر: العد التنازلي لاحتمال المواجهة

تم نشره في الخميس 27 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً

طارق رضوان -
(فورين بوليسي) 20/6/2013
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
فيما كان قد بدأ كمحاولة متواضعة لترجمة السخط في طول البلاد وعرضها على الطريقة التي يحكم فيها الرئيس محمد مرسي مصر، جندت حركة "تمرد" ملايين المصريين لتنظيم احتجاج سيكون ملحمياً في الذكرى السنوية لتنصيب مرسي رئيساً للبلد. وبالرغم من أن قوى المعارضة اقتصرت مبدئياً على حملة التواقيع التي تطالب بإزاحة مرسي من الرئاسة وإجراء انتخابات مبكرة، فإن كل اللاعبين المعنيين بالدراما الانتقاليّة في مصر يدركون مغزى الحملة وإمكانية التغيير. وتشير التحركات في داخل المعارضة السياسية، بما في ذلك اجتماعات التنسيق مع الحملة والمجموعات الشبابية لوضع خطة انتقالية لما بعد مرسي، إلى وجود اعتقاد أساسي بأن احتجاجات 30 حزيران (يونيو) يمكن أن تجسد هدف حركة "تمرد" باستبدال الرئيس.
من جهتهم، رد الإسلاميون الذين يدعمون حكومة مرسي، وبشكل رئيسي من الإخوان المسلمين، بتنظيم حملة جمع تواقيع خاصة بهم، تدعى "تجرد"، لتأكيد إيمانهم بالنظام السياسي وبالانتخابات التي جلبته إلى السلطة. كما دعت المجموعات السياسية الداعمة إلى تنظيم احتجاج ضد العنف. ومع ذلك، تبدو محاولة مواجهة الحملة لموازنة المقاييس وكأنها تؤشر على الانقسام المعمق في داخل البلد. وقد عمدت جماعة الإخوان المسلمين والداعمون المؤيدون لمرسي مراراً إلى التقليل من قدر حركة "تمرد"، وذهب البعض منهم إلى حد وسم أولئك الذين سيخرجون يوم 30 حزيران (يونيو) بأنهم خونة أو كفار. وأخذت الشخصيات التي تميل إلى الهدوء داخل الحركة الإسلامية موقفاً أكثر وسطية. وفي خطوة مدهشة، أظهر حزب النور السلفي المغالي في المحافظة واحدا من المواقف الأكثر اعتدالاً بقطعه تعهداً بالامتناع عن المشاركة في الاحتجاجات، لكنّه حث الإخوان المسلمين والحكومة على تقديم تنازلات لقوى المعارضة من أجل نزع فتيل الحالة المشتعلة. ووقف عبد المنعم أبو الفتوح من حزب مصر القوية إلى جانب الاحتجاجات السلمية، لكنه اتخذ موقفاً حازماً من الدعوات المنادية بانقلاب عسكري لاستبدال مرسي.
وذهبت الحمية الثورية والنقد اللاذع بين المجموعتين إلى ما وراء تبادل السهام من جانب المتحدثين في وسائل الإعلام المصرية. ورفعت من وتيرة التوتر عدد من الحوادث العنيفة، ليس أقلها ذلك الحادث الذي تضمن حريقاً متعمداً أقدم عليه مجهولون في أحد مكاتب "تمرد" في القاهرة يوم 7 حزيران (يونيو)، وساعات من الاشتباكات بين الإخوان المسلمين وأعضاء في "تمرد" في الاسكندرية يوم 12 حزيران (يونيو) بين الأيديولوجيات المتعارضة في الأيام التي تسبق التظاهرة الجماهيرية المخطط لها، وهو ما أقلق قوات الأمن الحكومية. ودفعت الاشتباكات التي اشتملت على هجمات على حركة "تمرد" بوزير الداخلية، محمد ابراهيم، إلى الإعلان عن خطط الوزارة الأمنية ليوم 30 حزيران (يونيو)، لكن ما يثير القلق هو وجود رسائل مرتبكة صدرت عن الوزارة. وأشارت بيانات أولية إلى انسحاب الشرطة من مناطق المظاهرة، لكن إبراهيم أعلن لاحقاً عن التزامه بحماية كل المواطنين يوم 30 حزيران (يونيو). ومن جهتهم، دعا الإسلاميون الغاضبون إلى تحميل الوزير إبراهيم المسؤولية عن رفضه الأوّلي حماية المقر الرئيسي للإخوان المسلمين والأملاك الخاصة.
وفي الأثناء، تشير أحاديث خافتة أخرى في داخل إدارة مرسي أيضاً إلى وجود بعض المخاوف داخل الحكومة من أن تفضي الاحتجاجات المقبلة إلى هزّ أركان النظام الراهن. ودعا مرسي جبهة الخلاص الوطني إلى إجراء جولة أخرى من الحوار الوطني، في جهد يرمي إلى تهدئة المد المتصاعد. لكن زعماء المعارضة امتنعوا عن المشاركة من دون ضمانات مناسبة لأن تفضي أي مفاوضات ستجري إلى اتخاذ قرارات ملزمة. وبدلاً من ذلك، اجتمع مرسي مع هيئة الحقوق والإصلاح الشرعية الإسلامية، وهي ائتلاف مستقل متعدد الأحزاب يضم علماء مسلمين بينهم علماء سلفيون ومسلمون، والذين هدد نائب رئيسهم المعارضة بإخراج حشود مضادة يوم 30 حزيران (يونيو). ومن ناحيتهم، اتخذ أعضاء حركة "تمرد" موقفاً متشدداً مماثلاً، مطالبين بما لا يقل عن تشكيل مجلس رئاسي وحكومة تكنوقراطية، مع النظر باتجاه إحلال رئيس المحكمة الدستورية العليا منار البحيري محل الرئيس مرسي.
في الأثناء، يبدو المسرح مهيأ لما يمكن أن يكون عرضاً مغيراً للعبة للغضبة الشعبية. ولدى الاستماع إلى حديث كلا جانبي الصدع السياسي عن يوم 30 حزيران (يونيو)، قد يعتقد المرء بأن ثمة "أرماجيدون" مصرية كامنة حول الزاوية، حيث يستعد الجانبان لتفجر العنف. ومن الواضح بشكل مميز -وحتى محتمل- أن تتفجر الاحتجاجات. وفي المواجهات السابقة، استغرق الأمر القليل لاستفزاز القوى السياسية المتنافسة للانخراط في معارك شوارع. واليوم، ليس المتشددون (مشجعو كرة القدم الذين يشتبكون مع الشرطة بين الفينة والأخرى) هم الذين يشكلون عاملاً، بل هناك أيضاً فوضويو "التكتل الأسود" يخططون للانضمام إلى الاحتجاجات، ممّا يضيف إلى خليط مشتعل أصلاً بالرغم من الوعود بتنظيم احتجاجات غير عنيفة. وتنطوي "اللجان الشعبية" التي شكلت لمنع العنف على نفس احتمال الاشتراك في التفجر. وحتى المواطنين العاديين الذين ملوا من الظروف الاقتصادية الصعبة ونوعية المعيشة الآخذة في التدهور، ربما أصبحوا ينطوون على القليل من الصبر مع الإسلاميين الذين قد يدفعونهم نحو إلقاء أول حجر. وقد اعترف حتى بعض المصريين الذين لا يرون مكاناً سياسياً أو قانونياً يستطيعون من خلاله نقل عدم موافقتهم، بالآمال باحتمال أن تفضي المواجهة إلى استدراج تدخل الجيش وجولة أخرى من التغيير الثوري. وفي هذا المناخ السياسي عالي الوتيرة من الشحن، فإن كل ما يلزم هو رد فعل غاضب لتأجيج البلد برمته.
لكن الآمال المعلقة على مثل هذه الصدامات لخلع مرسي تصطدم بنوع من التحديات الكأداء. واستطاعت حملة "تمرد" تجاوز هدفها بجمع 15 مليون توقيع تدعو لاستقالة مرسي وإلغاء الانتخابات. وقد أذكت نار اللهيب الثوري الذي أشعلته طاقة الشباب والأحزاب وأسر ألباب الأغلبية الصامتة في مصر، لكن ذلك يظل بحاجة إلى المكان القانوني لتحقيق تغير في القيادة. وراهناً، يسمح الدستور فقط لعدد قليل من الطرق بإزاحة الرئيس (المواد 150 إلى 152): إذا مرض الرئيس أو لم يستطع أداء مهامه؛ وإذا اتهم بالخيانة العظمى وتمت إدانته بالتقصير من جانب ثلثي أعضاء مجلس الشعب على الأقل؛ وإذا طرحت رئاسته على استفتاء شعبي؛ أو إذا استقال طوعاً. وقد يكون الناشطون المعادون للإسلاميين والذين يطرحون أن الدستور -بفضل عملية صياغته المعيبة إلى حد كبير- يفتقر للشرعية المؤهلة لوضع معايير مناسبة لمصر ما بعد الثورة، قد يكونون على حق، لكن أياً من المعارضة أو النظام القضائي ربما يتجاوزون الحدود القانونية الغامضة التي وجهت (أو ضللت) مصر خلال العملية الانتقالية. ولا تخفى على النبيهين المفارقة الكامنة في دعم حركة "تمرد" لرئيس المحكمة الدستورية العليا لقيادة البلد على نحو غير دستوري. ومن جهته يظل النظام القضائي، على وجه الخصوص، ملتزما الصمت حول الموضوع. ومع ذلك، وحكماً على قرار المحكمة الدستورية العليا للسماح لمجلس الشورى بالاستمرار في العمل حتى يتم انتخاب برلمان جديد، بالرغم من حكم المحكمة بسحب الصلاحية من المجلس، فإن ذلك يشير إلى عدم رغبته في إغراق القارب بمن فيه.
 مع كل الالتواءات والانعطافات الدرامية المصرية في العامين الماضيين، فإن أولئك الذين يزعمون معرفة ما سيجري يوم 30 حزيران (يونيو) سيجدون أنفسهم إما مخطئين أو محظوظين. ويبز عدد المتغيرات التي تشكل عاملاً في أي تطور قدرة التخيل في كل مرة. والحقيقة هي أن لا أحد يستطيع الادعاء بأي درجة من اليقين معرفة ماذا يمكن أن يتغير بعد 30 حزيران (يونيو)، لكن حركة "تمرد" كشفت بالتأكيد مدى عمق الاستقطاب الذي يؤثر على المجتمع المصري ككل ومدى تغلغله أكثر مما تم تخيله في السابق. فقد نفذت الحركة إلى داخل مواطنين ساخطين فقدوا الثقة في مرسي، أو أن الانتخابات تحت قيادته يمكن أن تكون حرة ونزيهة. كما جمعت دعم ملايين المصريين عبر تجنب سياسة الانحياز التي أصبح العديد من المواطنين يأنفون منها. وأخيراً، فقد دعت الجيش والنظام القضائي لتقديم المساعدة، وهما المؤسستان اللتان تحظيان بمعظم الدعم في مصر لقيادة البلد نحو بداية جديدة. وقد لا يشكل يوم 30 حزيران (يونيو) أكثر من مجرد احتجاج جماهيري، لكن مرسي سيتسم بالحكمة إذا هو أخذ بمشورة رفاقه الإسلاميين الداعية إلى التخلي عن موقف المواجهة مع مناوئيه، ومحاولة بناء الإجماع الذي تمس حاجة مصر إليه عاجلاً لا آجلاً. ويبدأ العد التنازلي.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Egypt’s countdown to June 30

التعليق