نهاية الحرب العظمى في سورية

تم نشره في الأربعاء 26 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً
  • امرأة سورية تجلس على ركام منزلها الذي دمرته الحرب شمالي حلب - (أرشيفية)

جاسوانت سينغ*
نيودلهي- في حين يستعد الغرب لاستقبال الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914، ينتفض الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق بسبب إرث تفكك الإمبراطورية العثمانية. وما علينا إلا أن ننظر إلى الحال في سورية، حيث يقترب جزء من هذا الإرث -اتفاقية سايكس-بيكو، التي قسمت بلاد الشام إلى مناطق نفوذ بريطانية وأخرى فرنسية في حين كانت رحى الحرب العظمى ما تزال دائرة على أشدها- من الوصول إلى نهاية وحشية عنيفة.
وعلى نحو مماثل، تُعَد الاضطرابات الحالية في تركيا، ولو جزئياً، إحدى عواقب الامتداد المفرط "للعثمانية الجديدة" على يد حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. ففي إطار سعيه إلى تأسيس ذلك النوع من النفوذ الإقليمي الذي لم يشهده الأتراك منذ أسس كمال أتاتورك الجمهورية التركية، سقط أردوغان فريسة لغطرسة النظام العثماني.
بطبيعة الحال، كانت بلاد الشام مسرحاً لصراعات لا حصر لها عبر القرون. وفي السيرة التي كتبها السير أرشيبالد وافل –وهو واحد من أعظم جنرالات الحرب العالمية الثانية من بريطانيا ونائب حاكم الهند قبل الأخير- عن المشير إدموند اللنبي من الحرب العالمية الأولى، والذي قاد قوات الحلفاء في بلاد الشام، يقول وافل: "إن أعظم المآثر البطولية في تاريخ سلاح الفرسان، وربما آخر نجاحاته على نطاق واسع، انتهت على مسافة قصيرة من ساحة معركة إيسوس، حيث عَلَّم الإسكندر الأكبر العالم كيف يكون الفوز بالمعارك".
لكن السلام ما يزال يراوغ بلاد الشام. وكما لاحظ مؤخراً محلل شؤون الشرق الأوسط مرتضى حسين، فإن "سورية والعراق، اللتين كانتا من قبل دولتين عربيتين موحدتين تشكلت كل منهما بعد هزيمة الحكام العثمانيين السابقين، لم يعد لهما وجود اليوم إلا بالاسم". وما سينشأ عنهما قد يكون منطقة مجزأة يسهل التلاعب بها واستغلالها.
لهذا السبب، تحولت الحرب الأهلية في سورية إلى معركة جيوسياسية على الهيمنة الإقليمية، في ظل تعمق صدوع متعددة على طول خطوط طائفية. وكما بات من الواضح الآن، فإنه يوجد بلد بريء حقاً من تهمة التدخل في سورية. وعلى الرغم من أن العراق ذا الأغلبية الشيعية حاول تصوير نفسه كبلد محايد، فإنه سمح لطائرات إيرانية باستخدام مجاله الجوي لحمل الأسلحة إلى نظام الرئيس بشار الأسد. كما استغلت إيران أيضاً لفترة طويلة تحالفها مع سورية في مواصلة مساعيها ومطاردة مصالحها في المشرق العربي، والتي تتضمن دعم حزب الله في لبنان. وعلى الأرض، يؤكد حزب الله، الذي يقاتل علناً الآن في سورية من أجل الإبقاء على الأسد في السلطة، أن "الحرب قادمة إلى حلب"، المدينة القديمة التي تشكل معقل التمرد ضد الأسد.
وفقاً للأخضر الإبراهيمي، الذي يعمل ممثلاً خاصاً مشتركاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية في الشأن السوري، فإن هناك ما يقدر بنحو 148 مجموعة، كبيرة وصغيرة، تقاتل في البلاد. ومن ناحية أخرى، تحاول المملكة العربية السعودية وقطر -اللتان أطلق عليهما المعلق على شؤون الشرق الأوسط سعيد نقفي وصف "المملكتين السُنّيتين الأكثر عُرضة للخطر"- تحويل اتجاه السخط الشعبي ليمتد على طول خطوط طائفية سُنّية-شيعية.
هذا الصدع القديم الذي كان قد أخفاه السير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو قبل 97 عاماً في اتفاقهما السري، هو الذي عاد ليبتلع سورية الآن، مع تصوير الأسد على أنه غول علوي. ويبدو أن العديد من الدبلوماسيين الغربيين يتسمون بنفس العقلية السطحية التي تميز بها سايكس وبيكو، فيتصورون أن سقوط الأسد من شأنه أن يخرج سورية من محور إيران وحزب الله وحماس.
ولكن، هل يحدث هذا حقاً؟ ومن هو الطرف الذي قد يحل محل الأسد؟ من المؤكد أنها ليست تلك المجموعات من الدهماء التي تحارب نظام الأسد، حتى ولو كانت الولايات المتحدة تمد بعضهم الآن بالسلاح، كما أعلنت إدارة الرئيس أوباما مؤخراً.
يشير التاريخ الحديث إلى مدى المرونة التي تتمتع بها العناصر المتورطة في سورية الآن. ولنتأمل تصرفات المملكة العربية السعودية هناك. فكما لاحظ مؤخراً بروس رايدل، المحلل السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وعضو مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة، فإن "من عجيب المفارقات أن رئيس الاستخبارات السعودية، الأمير بندر، لعب دوراً حاسماً في انتقال سورية من حكم حافظ الأسد إلى حكم بشار في العام 2000، وطمأن كبار الجنرالات العلويين الذين كانوا في النظام آنذاك، إلى أن بشار جدير بالمنصب ويحظى بالدعم من قِبَل المملكة العربية السعودية". والآن، يحاول نفس الأمير بندر "إيصال الأسلحة إلى المتمردين السُنّة للإطاحة ببشار".
كان غياب القدرة على التنبؤ على هذا النحو هو السبب الذي جعل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية السابق خافيير سولانا والأمين العام السابق لمنظمة حلف شمال الأطلسي ياب دي هوب شيفر، يؤكدان أن المحادثات في جنيف هي السبيل الوحيد الممكن للخروج من المستنقع السوري. وكان الاتفاق الذي تم في الشهر الماضي بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على إطلاق عملية سياسية جديدة من أجل سورية، وهي جنيف 2، فرصة تنطوي على إمكانية التحقق؛ ولكن الأمل يتضاءل حتى قبل أن تبدأ المحادثات.
كان أحد الأسباب وراء ذلك هو تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يوم افتتاح القمة الروسية الأميركية في ايكاترينبرج في الرابع من حزيران (يونيو) على أن بلاده سوف تحترم تعاقداتها مع سورية بتسليمها صوارخ "إس 300 أرض جو". وشدد بوتن على خيبة أمل روسيا من فشل الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على حظر الأسلحة المفروض على سورية، وبالتالي السماح لكل بلد عضو في الاتحاد الأوروبي بتسليح المتمردين السوريين.
الآن، بعد القرار الذي اتخذه أوباما بإرسال الأسلحة إلى ثوار سورية أيضا، فإن "الخط الأحمر" الذي حدده للتدخل في سورية -استخدام الأسلحة الكيميائية- قد يخلق إرثاً لا يقل تدميراً للمنطقة عن الخط الذي رسمه سايكس-بيكو. ذلك أن تسليح الجماعات المتمردة يعني، وربما بشكل حتمي، تسليح حلفاء هذه الجماعات من الإرهابيين والمرتزقة. وهذه ليست وصفة للاستقرار في الأمد البعيد بلا أدنى شك.


* شغل مناصب وزير المالية، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع في الهند سابقا، وهو مؤلف كتاب "جناح: الهند –التقسيم- الاستقلال".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت،" 2013.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نهاية الحرب في سوريا (على)

    الأربعاء 26 حزيران / يونيو 2013.
    هذه ماهي الا لبداية والاتي سيكون الاعنف