العتوم: الفيلسوف الألماني أدورنو لم يكن معاديا للعقل

تم نشره في السبت 22 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً
  • جانب من الندوة التي نظمتها الجمعية الفلسفية الأردنية بالتعاون مع رابطة الكتاب - (تصوير : اسامه الرفاعي)

عزيزة علي

عمان- قال الباحث أحمد العتوم "إن عقل التنوير الأوروبي استهدف في القرن الثامن عشر تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير، فرفع شعارات تمجد العقل، وتنادي بالحرية والتقدم، من أجل تحقيق سعادة الإنسان".
وأضاف العتوم في الندوة التي نظمتها الجمعية الفلسفية الأردنية، بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين، حول الفيلسوف الألماني "تيودور أدورنو"، وأدارها د. جورج الفار، "أن العقل أخذ يتقدم بالمعرفة ويبني الحضارة، وانحرف عن مساره وتحول عن أهدافه التي انطلق على أساسها، واتجه نحو الهيمنة والسيطرة، ومضى يكرس الإيديولوجيات السائدة".
وأشار العتوم الى أن العقل في البداية اتجه لمعرفة أسرار الطبيعة، ومعرفة قوانينها ونظامها، وترك مسافة بينه وبين الطبيعة، لكنها ليست المسافة النقدية التي تتأمل البعد المشترك بينه وبين الطبيعة، بل هي مسافة هدفها استقلال العقل عن الطبيعة، بحيث تم تجاوزها لصالح هيمنته عليها، وتحكّمه فيها، ما يعني إخضاع الطبيعة بالكامل، والسيطرة عليها "بما يشبه الشيء أو الأداة".
وتحدث العتوم عن نشأة عقلانية التنوير التي ظهرت في ظلال فكرة السيطرة وارتبطت بها إلى اليوم، كما يؤكد "أدورنو وشريكه هوركهايمر". وأكثر من ذلك يرى هوركهايمر أن المرض الذي أصاب العقل ليس وليد لحظة تاريخية معينة، وإنما "كان هذا المرض غير منفصل عن طبيعة العقل في الحضارة ... فالعقل نشأ من نزعة اندفاعية في الإنسان للسيطرة على الطبيعة".
وذكر العتوم أن أدورنو وهوركهايمر، قد أرجعا جذور العقلانية الأداتية إلى كل من فلسفة بيكون التجريبية، وفلسفة ديكارت العقلانية. لقد اعتنى بيكون (1521-1626) بأهمية "استجواب الطبيعة" استجواباً معرفياً ومنهجياً، فالمعرفة قوة يستثمرها الإنسان لتوجيه الطبيعة نحو خدمة الإنسان والسيطرة عليها، لافتا إلى أن أدورنو أوضح في كتابه "الجدل السلبي" أن "الذات الإنسانية"، كما لاحظها عند بيكون، اعتبرت نفسها خالقة لكل الأشياء، فجمعت بين بعدين أحدهما ميتافيزيقي والآخر إبستمولجي معرفي. غير أن هذه الذات، وهي تمارس السيطرة على الطبيعة أصبحت جزءاً مما اعتقدت فعلاً أنها تسيطر عليه، وبالتالي خضعت بدورها للموضوع.
وأشار المحاضر إلى ديكارت (1596-1650) الذي يُعد أباً للفلسفة الحديثة، فقد نحت الذات نحو الاستقلال بنفسها، والسيطرة على كل ما سواها من الأشياء والموضوعات. فالذات المفكرة عند ديكارت تعاملت مع الطبيعة كوسيلة أو أداة، تمكن الذات من تحقيق أغراضها وأهدافها.
ورأى العتوم أن العقلانية الأداتية مضت تحاصر الفرد، بسبب تمركز المفاهيم وتكوكبها، وأخذت النزعة الشمولية للعقل تحجب كافة الموجودات الجزئية والخاصة، "فعندما يغلف تصور عقلي عام الموضوع ويهيمن عليه، سيتلاشى ما يتسم به هذا الموضوع من تفرد عيني". أخذت الهيمنة تتأصل داخل الذات، عبر منحى لا تعي فيه الذات ذاتها وهي تتحول إلى موضوع في غمرة انتصاراتها المتوالية على الواقع الطبيعي والإنساني.
وأوضح العتوم أن أدورنو كان معارضا لتصورات العقل الشمولية والكلية، والتي تعززها الفلسفات الوضعية والبراغماتية، وتحول العقل إلى أداة تخدم الإنتاج الصناعي والقيم التبادلية بما يكفي لحجب قيم العدالة والتسامح، مشيرا إلى أنه ضد النزعة الشمولية والكلية للعقل، فـ "الكل هو اللاحقيقة"، فاتجهت سهام النقد نحو العقل المطلق الهيغلي الذي يحكم التاريخ، هكذا عقلانية ليست سوى عقلانية شمولية تنزع إلى الهيمنة والسيطرة على كل شيء.
واعتبر العتوم هذا العقل الأداتي، الذي أدانه أدورنو، وعمل على تقويضه، هو ذات العقل "الذي انتهى إلى إفراز النظم الشمولية، كالفاشية والستالينية والنازية، منوها إلى أن الصورة التي قدمها أدورنو تترجم ما مرت به المجتمعات الغربية من صراعات وحروب، ومن وأزمات على مختلف الصعد، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ووصف العتوم "أدورنو"، بأنه في حقيقة الأمر لم يكن معادياً للعقل برمته، كما ظن البعض، ولم يعتزم تجاوز دور العقل التصوري العلمي، بل كان عداؤه للعقل الأداتي تحديداً، مستهدفاً بلورة ما هو مشترك بين الطبيعة والإنسان، لكي يتم تجاوز الصناعة الثقافية، وتجاوز نظرة العقل الشمولية التي تطمس الوجود الفردي وتفرده الحميم، وتصحيح مسار العقلنة نحو التعددية المثمرة والتحرر، مبينا أنه أراد تصحيح دور العقل العلمي، وأخذه باتجاه يحترم معاناة الإنسان ومعنى وجوده.
وخلص العتوم إلى أن أدورنو اعتمد العقلنة المحاكاتية، من أجل ردم حفرة الانهدام بين العقل والطبيعة، لترميم تشوهات العقل وانتشاله من التشيؤ والاغتراب. وإذا كان ثمة من تواصل فهو بين العقل والطبيعة، ولكن خارج التشيؤ، وخارج مناخ الصناعة الثقافية. وهذا لا يتم إلا عبر النظرية الإستطيقية. لهذا يلزم الغوص في دقائق الأمور والشذرة، والجزئيات، لفتح المجال أمام الفن المحاكاتي للقيام بدوره.

[email protected]

التعليق