نتائج الانتخابات لن تغير وجه إيران

تم نشره في السبت 15 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً
  • إيرانيات يدلين بأصواتهن في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية أمس-(ا ف ب)

بوعز بسموت -اسرائيل هيوم
في أيار 1997 توجه مواطنو إيران للتصويت لرئيس جديد. وكانت نتائج الانتخابات واضحة جدا للجميع حتى إن الصحيفة الفرنسية المهمة "لاموند" نشرت في مقالتها التحريرية الاسباب التي أفضت إلى فوز رئيس المجلس (مجلس الشعب) آنذاك علي أكبر ناطق نوري المحافظ جدا، بالمنصب.
كانت هناك مشكلة واحدة فقط هي ان نتائج الانتخابات جاءت موازية تقريبا لطباعة صحيفة المساء ومعها البشرى المفاجئة وهي ان محمد خاتمي ممثل التيار الإصلاحي قد فاز وورث علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
لكن ذلك لم يكن خطأ الغرب الوحيد في محاولات حل ألغاز تلك الانتخابات. إن خاتمي وهو اصلاحي بسّام و"منفتح"، كان يُرى أنه قد يُقرب بين الغرب وإيران. بل إنهم في الغرب رأوا خاتمي طرازا من غورباتشوف جديد يفعل بإيران ما فعله ميخائيل غورباتشوف بالاتحاد السوفييتي. وبدأت صحف العالم تكتب تقارير عن "البريسترويكا" و"غلاسنوست" بترجمة فارسية. بيد أن ما حدث بالفعل هو ان الاسلوب فقط تغير لا الجوهر. فمن وراء الستار نجح السيد محمد خاتمي البسّام بواسطة رسالته المفهومة جدا وهي "التقريب بين الحضارات"، لاخفاء مشروع بلده في تخصيب اليورانيوم الذي بدأ يزداد زخما في عهده خاصة.
واليوم يُدعى مرة أخرى 50 مليون إيراني للتصويت. وقد بلغ ستة مرشحين خط النهاية بعد سلسلة إقصاءات دقيقة، ورفض وإبعاد واعتزال كما يلائم ديمقراطية إسلامية شيعية. إن المرشحين الستة يطمحون إلى وراثة محمود أحمدي نجاد الذي ينهي ولايتين لمنصبه، وكان يمكنه أن يكون أفضل عرض في المدينة لولا تصريحاته التي تثير الغثيان.
يحظر الدستور في إيران على الرئيس أن يتولى ثلاث ولايات متتابعة، لكن الدستور في واقع الأمر يُجنب أحمدي نجاد هذه المرة إحراجا في صناديق الاقتراع. فقد أصبح أحمدي نجاد، وهو الشخص الذي نحب كراهيته كثيرا (فقد كسب ذلك بصدق لأنه مُنكر للمحرقة)، أصبح في السنة الاخيرة حصانا ميتا بسبب صراعه الظاهر مع أقوى شخص في الدولة وهو الزعيم الروحي علي خامنئي.
وإذا تركنا سؤال من سيفوز، وجدنا أن مما يثير الاهتمام أن نرى ماذا سيحدث في اليوم التالي. هل سيُجدد "الاحتجاج الأخضر" أو "الموجة الخضراء" في حزيران 2009 اللذان سبقا ربيع الشعوب العربي؟ وهل ستثور الجموع مرة اخرى بشجاعة على سلطة آيات الله مع استعداد لبذل المهجات؟ واذا حدث هذا فهل سيحدث ذلك مرة اخرى بازاء آذان ادارة اوباما الصماء؟.
وقد يكون المحافظون خاصة بتوجيه من الزعيم الروحي علي خامنئي يخططون لحيلة اللحظة الاخيرة، التي سيفوز فيها في الانتخابات المرشح الوحيد عن التيار الاصلاحي الذي بقي في المنافسة، وهو رجل الدين حسن روحاني. ومن اجل المساعدة على ترشح روحاني اختار المرشح محمد عارف نائب خاتمي حينما كان رئيسا أن يعتزل المنافسة وحول تأييده إلى روحاني. إن فوز روحاني سيعبر ايضا عن شبه رسالة اعتدال من إيران إلى واشنطن. وهذه حيلة لامعة في العلاقات العامة. وفي الوقت الذي ستحاول فيه وزارة الخارجية الاميركية تفسير هذا الاجراء ودراسة الرئيس الجديد تستطيع آلات الطرد المركزي ان تحتفل وتدور دورات اخرى كثيرة وخطيرة. ونقول بالمناسبة إنه في حال فوز روحاني سيصبح عندنا في إيران حتى زعيم روحي ورئيس روحاني.
وبمناسبة ذكر خاتمي نقول ان روحاني أدار من اجله فريق مفاوضة الغرب في الشأن الذري. ولم نرَ آنذاك من هذا الشخص الذي يدعو إلى الاعتدال شق طريق أصيلا ما. أو بعبارة اخرى سيكون معه ما كان من قبل.
بيد ان المرشح ذا الاحتمالات الأفضل – برغم انه لا توجد استطلاعات للرأي في إيران – هو سعيد جليلي مرشح خامنئي. إن جليلي المسؤول عن التفاوض في الشأن الذري الإيراني مع القوى الكبرى هو ابن نفس مدينة خامنئي (مشهد). وقد درس الاثنان في المدارس الدينية نفسها وتوجه الاثنين قوى غير عقلانية فان "الامام الغائب" هو الذي يخط لهما طريقهما.
الحديث عن شخص ينتمي إلى التيار المحافظ ويعتبر الظهير الأكثر تطرفا والأقل مهادنة بين جميع المرشحين. وسيشارك جليلي في الجولة الثانية برغم عدم تجربته السياسية. ولا شك في ان فوز من يعمل أمين سر المجلس الإيراني الأعلى للامن القومي سيحث الغرب على ان يفهم مبلغ قلة الأمل من المحادثات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي جُددت في جنيف في تشرين الاول 2009.
وينبغي أن نضيف إلى المرشحين ذوي الاحتمال الأعلى، رئيس بلدية طهران وكان في الماضي من حرس الثورة وقمع اضطرابات كثيرة في بلده. إن محمد باقر كليباف يحلم بأن يرث مرة اخرى خصمه اللدود محمود احمدي نجاد. وهو غير معتدل لكنه يعرف كيف يدير البلدية بصورة أفضل من رئيس البلدية السابق. ويحلم وزير الخارجية السابق ايضا علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي الدبلوماسي، مع قائد حرس الثورة السابق محسن رضائي، وهو مرشح للمرة الثالثة، ووزير النفط السابق محمد جرزي، يحلمون بهذا المنصب لكن احتمالاتهم ضئيلة.
تصدير الثورة
من المهم أن نذكر في هذا السياق ان النظام الإيراني يقوم على مبدأ ان الزعيم الروحي يتلقى سلطته الدينية من السماء أو من "الإمام الغائب" إذا شئنا مزيد الدقة. وفي وقت غياب ذلك الامام الغائب ووجوده هو أساس العقيدة الشيعية، يكون الزعيم الروحي هو الذي يقود الشيعة لا في إيران فقط بل في العالم كله. ومن هنا جاءت رغبة آية الله الخميني والد الثورة الإيرانية في توسيع الثورة إلى كل صقع ممكن من أصقاع المعمورة ولا سيما كل مكان فيه شيعة.
ومع كل الاحترام للمرشحين الستة فان التصويت الذي يشارك فيه كثيرون في الانتخابات هو تعبير عن الثقة بالنظام. وفي مقابلة ذلك فان نسبة مشاركين منخفضة توحي بعكس ذلك بالضبط. ومن هنا تأتي نية معارضي النظام والمنضمين إلى الحركة الخضراء ان يقاطعوا الانتخابات. ولا يجوز ان ننسى ان إيران هي جمهورية إسلامية في الحقيقة لكنها جمهورية يفترض ان يصوت المواطنون فيها.
يتمتع نظام آيات الله منذ سنين بتأييد واسع برغم مشكلات إيران الصعبة. بيد أنه حدث في السنوات الاخيرة خفوت كبير للعلاقات بين الشعب والنظام. وكان يمكن ان نرى هذا في الاضطرابات الشديدة في سنتي 2000 و2003 وكانت ذروة ذلك بالطبع في 2009.
لا شك في ان النظام الإيراني تلقى ضربة. وأصبح اسم لعبة النظام الإيراني اليوم هو البقاء في الداخل والخارج. يفترض ان يحمي الحرس الثوري بقاء النظام في الداخل أما المشروع الذري فيحمي من التهديد الخارجي. وهذا هو السبب الذي لا يدع أحدا من المرشحين يتحدث ألبتة عن تخلي عن المشروع الذري فضلا عن وقف تخصيب اليورانيوم لأن ذلك يناقض منطق آيات الله.
إن خامنئي قلق من ذلك. كان يكفي في الماضي ان يأتي الزعيم الروحي إلى صندوق الاقتراع كي يجعل المواطن يدرك ان الحديث عن أمر من السماء وأنه يجب عليه ان يحضر. بيد أن هذا النموذج المحتذى لم يعد ناجحا اليوم كما كان ذات مرة. فليس عجبا ان خامنئي قلق.
"إن الانتخابات هي رمز تمثيل الأمة"، قال خامنئي في الآونة الاخيرة محاولا أن يستحث الناخبين. "إن الإسلام أخذ يصبح أكثر شعبية في العالم وستُهزم مؤامرات أعدائنا. إن حضوركم إلى صناديق الاقتراع يقوي الإسلام"، أضاف في خطبة تلفازية.
وإلى ذلك أُرسل للمعركة واحد من كبار آيات الله القدماء في النظام وهو محمد قشاني عضو مجلس الخبراء الإيراني الذي قال في خطبة له إنه "يجب ان يصوت الشعب كي يدرك العدو مبلغ عدم معنى عقوبات الغرب. إن الامتناع عن التصويت للثورة هو تصويت للعدو. ولهذا السبب فان الامتناع عن التصويت خطيئة". ويرى خامنئي ان الانتخابات هي استفتاء للشعب بقدر أكبر، فليس للفائز معنى لكن عدد المصوتين ذو معنى كبير.
ولمزيد الأمن يشتري النظام اصواتا ولا سيما من فئات السكان الفقيرة. في الـ15 من شباط هذا العام قالت الصحيفة المحلية "كرغار" ان الزعيم الروحي أمر بسبب الوضع الاقتصادي الصعب بمنح الشعب مبلغا من المال لمساعدته. وقد أيدت الطبقة الدنيا في إيران الثورة دائما. لكن الطبقة الوسطى هي مشكلة خامنئي، وهكذا يُضمن لخامنئي 15 مليون مصوت ينفق النظام عليهم وهذا غير كاف.
حتى لو حاول النظام ان يطمس على شدة الوضع الاقتصادي في الدولة فان الواقع يتحدث من تلقاء نفسه. فالتضخم المالي السنوي يبلغ 30 في المائة على الأقل وانخفضت عائدات النفط إلى النصف بسبب الحظر الذي فرضه الاتحاد الاوروبي على إيران في حزيران. والبنوك في إيران مقطوعة عن شبكة البنوك الدولية وهو شيء يضر بالتجارة في الدولة. أما قيمة العملة المحلية فتتهاوى. بل إنهم بدأوا في البازار حيث كانوا يؤيدون النظام تاريخيا، بدأوا يفقدون صبرهم: "أنا تاجر سجاد"، يُبين أمين لمراسلين اجانب جاءوا اليه، "ولم أبع منذ شهر في حانوتي حتى سجادة واحدة. إن العمل سيئ. لا يوجد دخل ولهذا ليست عندنا حتى قدرة على شراء شيء قليل من الكماليات كهاتف محمول كوري".
وتحدث أمين الذي أجرى التلفاز البلجيكي لقاء معه، كيف ارتفع حساب كهربائه في الحانوت من 3 آلاف ريال إلى 18 ألف ريال (أي بزيادة 600 في المائة). "نحن في إيران مرتبطون بالدولار ولما كان الدولار قد ارتفع ارتفع كل شيء"، يقول.
قيود على الصحافة
عقد أول من أمس في باريس مؤسس حركة "الموجة الخضراء" أمير حسين جنشاحي مؤتمرا صحفيا كشف فيه كما قال عن وثائق مصدرها محافظ البنك الإيراني تشهد على الوضع الكارثي للاقتصاد الإيراني.
"إن المرشحين يكذبون على الشعب ولا يقولون الحقيقة"، قال مُفسرا. "بل إن طهران تنوي مصادرة مدخرات الجمهور في البنوك، وسيفضي هذا إلى غضب شديد. إن النهج كله أصبح راكعا"، تحدث في المؤتمر الصحفي. "إن حكومة إيران مسؤولة عن وضع الشعب الإيراني هذا. والاقتصاد ينهار في وقت تنفق فيه الدولة على منظمة حزب الله، وتفعل فيه إيران كل شيء لاحراز قنبلة ذرية".
اجل إن سكانا من إيران يتحدثون عن مزاج عام شديد الانخفاض قُبيل الانتخابات. فلا يوجد هناك جو احتفال، ويقولون إنه لن تفاجئهم أن تكون نسبة المصوتين هي الدنيا منذ كانت الثورة. ويحاول مؤيدو المرشحين هنا وهناك تهييج الساحات العامة لكن بنجاح محدود جدا. واهتم النظام ايضا هذه المرة بتقييد الصحافة لمنع تغطية غير مشجعة للانتخابات.
يتوجه الإيرانيون اليوم للتصويت مُتذكرين بالطبع أحداث 2009 وكانت اسبوعي عنف شديد في شوارع طهران وكانت أقرب الاشياء إلى الثورة التي عرفتها الدولة منذ 1979. "كان الناس آنذاك شديدي الحماسة. واعتقدوا أنهم متجهون إلى تغيير الدولة ورأوا ان التصويت على احمدي نجاد هو تصويت على النظام وتصويت على خامنئي"، يقول لي قمران (اسم مختلق)، وهو صحفي إيراني عرفته حينما كنت أمكث في باريس.
ليس لهذه الانتخابات بالنسبة لإسرائيل معنى كبير لأنه ليس للرئيس المنتخب أي تأثير في سياسة بلاده الخارجية لأن الزعيم الروحي يُدبرها ويوجهها. وحتى لو وافق خامنئي على ان يهب لرئيسه الجديد صلاحيات فمن المؤكد أنه سيُبقي لنفسه المواضيع الحساسة وستشمل في جملة ما تشمل إسرائيل وسورية والموضوع الذري بالطبع.
وهكذا يمكن أن نقول اليوم انه سيكون لإيران رئيس جديد لكن النتيجة ستكون مشابهة. أو اذا شئتم سيكون رئيس جديد ولن يكون شيء جديد.

التعليق