امتلاك الأدوات المناسبة في السياسة الخارجية

تم نشره في الجمعة 14 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً
  • الرئيسان الأميركيان جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش الابن - (أرشيفية)

جوزيف س. ناي*
كمبريدج- يشكو بعض المنتقدين من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما خاض حملته الانتخابية مستعيناً بخطاب ملهم، من نوعية "تحويل مسار التاريخ" وما إلى ذلك. لكنه تبين، بمجرد توليه المنصب، أنه زعيم براغماتي معني في المقام الأول بعقد الصفقات. ورغم ذلك، فإن أوباما ليس زعيماً فريداً في هذا السياق.
إن العديد من الزعماء يغيرون أهدافهم وأساليبهم على مدار حياتهم المهنية. هناك "أوتو فون بسمارك"، أحد أعظم زعماء العالم الذين حولوا مسار التاريخ بالفعل، والذي أصبح إلى حد كبير متدرجاً في قراراته وميالاً إلى الحفاظ على الوضع الراهن بعد تحقيق هدف توحيد ألمانيا. وعلى نحو مماثل، كانت أهداف فرانكلين ديلانو روزفلت وأساليبه في السياسة الخارجية متواضعة وتدريجية في ولايته الرئاسية الأولى، لكنه أصبح زعيماً تحويلياً في العام 1938 عندما قرر أن أدولف هتلر يمثل تهديداً وجودياً.
يتسم الزعماء الذين لا يجدون غضاضة في عقد الصفقات بقدر أكبر من الفعالية في البيئة المستقرة التي يمكن التنبؤ بها، في حين من المرجح أن يظهر الأسلوب الملهم في فترات التغيير الاجتماعي والسياسي المتقطع. والواقع أن الأهداف التحويلية والأساليب الملهمة التي تبناها زعماء مثل المهاتما غاندي في الهند، أو نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، يمكن أن تؤثر بشكل كبير على النتائج في السياقات السياسية المائعة، وخصوصا في الدول النامية في ظل القيود المؤسسية ضعيفة البنية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تشكيل السياسة الخارجية الأميركية يظل مقيداً إلى حد كبير من قِبَل مؤسسات مثل الكونغرس، والمحاكم، والدستور. وبالتالي، يجعلنا هذا نتوقع احتمالات أقل لظهور الزعامات التحويلية.
ولكن، حتى الدستور الأميركي نفسه يظل ملتبساً وغير واضح في تحديد صلاحيات الكونغرس والرئيس في السياسة الخارجية. فهو يخلق، في أحسن الأحوال، ما أطلق عليه أحد الخبراء الدستوريين وصف "الدعوة إلى الصراع". وعلاوة على ذلك، فإن الكثير يعتمد على ظروف خارجية. ولم يسع وودرو ويلسون، وفرانكلين روزفلت، وهاري ترومان إلى تحديد أهداف تحويلية إلا في الرد على أحداث خارجية، حدثت بعد وصولهم إلى المنصب.
وقد تساعد ظروف الأزمة في تحرير الزعيم الموهوب من القيود المتراكمة التي يفرضها أصحاب المصالح الخاصة والجمود البيروقراطي، والتي تكبح القدرة على العمل عادة في النظام الأميركي. ويقال إن بيل كلينتون، الذي وقع في شرك الرضا عن الذات في تسعينيات القرن العشرين، كان يحسد فرانكلين روزفلت على ظروف الأزمة التي عايشها في ثلاثينيات القرن العشرين. ففي مثل هذه المواقف، يصبح العمل أكثر سيولة ومرونة. والزعيم الذي يضع نصب عينيه تحقيق أهداف تحويلية يواجه احتمالات أفضل، ويجد الأسلوب الملهم فرصة أعظم في حشد الأتباع وجعل دورهم أكثر أهمية. وعلى سبيل المثال، استغل جورج دبليو بوش ظروف الأزمة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2011 في خدمة تأكيد السلطة التنفيذية، فضلاً عن غزو العراق.
ولكن، وفي حين قد تمهد الأوقات العصيبة الساحة أمام الزعماء التحويليين، فإنها لا تعني بالضرورة أن الزعماء الذين يتسمون بالجرأة وحب المخاطرة هم الأنسب دوماً في التصدي للأزمات التي تتسم بها مثل هذه الفترات. كان الرئيس جورج بوش الأب، خلافاً لابنه، ميالاً إلى عقد الصفقات، ولكنه تبنى سياسة خارجية ناجحة للغاية.
سواء كانوا تدريجيين أو تحويليين في تحديد أهدافهم، فإن الزعماء يحتاجون إلى امتلاك مهارات معينة في إدارة القوة الصارمة والقوة الناعمة حتى يتسنى لهم العمل بشكل فعّال. ومن بين مهارات القوة الناعمة؛ الذكاء العاطفي (ضبط النفس والقدرة على استخدام الإشارات العاطفية لجذب الآخرين)؛ والرؤية (صورة جذابة للمستقبل توازن بين المثل والأهداف والقدرات)؛ والتواصل (القدرة على استخدام الكلمات والرموز لإقناع الدائرة الداخلية والجمهور الأوسع). أما فيما يتصل باستخدام موارد القوة الصارمة، فإن الأمر يحتاج إلى اثنتين من المهارات التي تشكل أهمية خاصة: القدرة التنظيمية والكفاءة الميكيافلية في الاستئساد على الآخرين، وشرائهم، والمساومة بهدف تشكيل تحالفات كاسبة.
وفي المقام الأول من الأهمية، تتطلب الزعامة الفعّالة الذكاء في التعامل مع مختلف الظروف المحيطة وامتلاك القدرة التشخيصية الحدسية التي تساعد الزعيم في فهم التغيير، وتحديدw الأهداف، وترتيب الاستراتيجيات والتكتيكات وفقاً لذلك. وكما أخبرني ذات يوم لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة، فإن الزعيم لا بد أن يكون سريع التعلم، وقادراً على اختبار الواقع، وعلى استعداد لتغيير رأيه بتغير الظروف، والعمل بهدوء في الأزمات.
ويعني الذكاء في التعامل مع الظروف المحيطة القدرة على تمييز الاتجاهات في التصدي للتعقيدات والقدرة على التكيف أثناء محاولة تشكيل الأحداث. وذات يوم، أشار بسمارك إلى هذه المهارة بوصفها القدرة على استشعار مقادير الرب في التاريخ، والتعلق بأهداب ثوبه في اكتساح الماضي. أو بعبارة أكثر بساطة، يمتلك الزعماء الذي يتمتعون بالذكاء في التعامل مع الظروف المحيطة قدرة راكبي الأمواج على تكوين الرأي بسرعة، والتكيف مع الموجات الجديدة وامتطائها بنجاح.
الزعماء من هذا الصنف لا يتمتعون بالقدرة على تكييف أساليبهم وفقاً لاختلاف المواقف واحتياجات أتباعهم فحسب؛ بل إنهم قادرون أيضاً على خلق تدفقات من المعلومات التي تساعدهم في "تثقيف حسهم الباطني". وهذا ينطوي على القدرة على إدارة السياسة الجمعية وفهم مواطن القوة لدى مختلف أصحاب المصلحة، من أجل اتخاذ القرار حول متى وكيف يمكن استخدام مهارات عقد الصفقات وإلهام الناس. وهذا هو الجزء العصامي من الحظ.
وتشكل هذه المهارة ضرورة حاسمة في المواقف غير النمطية، عندما يكون طرح الأسئلة المناسبة أكثر صعوبة من الحصول على الأجوبة الصحيحة. وعادة ما يكون الزعماء الذين يتسمون بالذكاء في التعامل مع الظروف المختلفة بارعين في تقديم المغزى أو خريطة الطريق من خلال تحديد وتعريف المشكلة التي تواجهها المجموعة. وهم يفهمون التوتر القائم بين القيم المختلفة التي قد تشتمل عليها أي قضية، ويعرفون كيف يوازنون بين المرغوب والممكن. ويتطلب الذكاء في التعامل مع الظروف المختلفة بشكل خاص القدرة على فهم الثقافات الجمعية؛ وتوزيع موارد القوة؛ واحتياجات الأتباع ومطالبهم؛ وتدفقات المعلومات؛ والتوقيت.
يشكل الذكاء في التعامل مع الظروف المختلفة أهمية خاصة في السياسة الخارجية، لأن الزعيم الفعّال لابد أن يفهم بنية الثقافة والقوة لدى المجتمعات الأخرى، وكيف تتفاعل كنظام دولي. وبفضل سنوات من الخبرة في الشؤون الخارجية، كان جورج بوش الأب يتمتع بذكاء بالغ في التعامل مع الظروف المختلفة. وبسبب انعدام الخبرة تقريباً في الشؤون الخارجية، فإن جورج دبليو بوش كان يفتقر تماماً إلى هذا النوع من الذكاء. وقد أكدت تلك الفجوة الفارق بين نجاح الأب وفشل الابن.


*أستاذ في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "الزعامة الرئاسية وتأسيس العصر الأميركي".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت" الإخبارية، 2013.

التعليق