الأزمة التركية .. صراع طبقي

تم نشره في الخميس 13 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً
  • علم يحمل صورة كمال أتاتورك يرفرف فوق المحتجين الأتراك في ميدان تقسيم مؤخراً - (أرشيفية)

إيان بوروما*
نيويورك- يذهب أحد التفسيرات للمظاهرات المناهضة للحكومة، والتي تقض مضاجع المدن التركية الآن، إلى اعتبار أنها احتجاجات ضخمة ضد الإسلام السياسي. فالأمر الذي بدأ كمسيرة احتجاجية ضد خطط رسمية لهدم حديقة صغيرة في وسط إسطنبول من أجل خلق المساحة اللازمة لإنشاء مركز تجاري، سرعان ما تطور إلى صراع بين قيم متعارضة.
على السطح، يبدو العِراك وكأنه يمثل رؤيتين مختلفتين لتركيا الحديثة: العلمانية في مقابل الدينية، والديمقراطية في مقابل الاستبدادية. وقد عقدت المقارنات مع حركة "احتلوا وول ستريت"، حتى أن بعض المراقبين أصبحوا يتحدثون عن "الربيع التركي".
من الواضح أن العديد من المواطنين الأتراك، وخصوصا في المدن الكبرى، قد سئموا النمط الاستبدادي متزايد الحدة الذي يكرسه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وقبضته الفولاذية على الصحافة، وذوقه المحبّ للمساجد الجديدة المهيبة المتسمة بالمبالغة، والقيود المفروضة على الكحول، واعتقال المعارضين السياسيين -والآن، رده العنيف في مواجهة المظاهرات. ويخشى الناس أن تحل الشريعة الإسلامية محل التشريعات العلمانية، وأن يفسد الإسلام السياسي ثمار جهود كمال أتاتورك لتحديث تركيا ما بعد العهد العثماني.
ثم هناك قضية العلويين، الأقلية الدينية المرتبطة بالتصوف والتشيع. ويشعر العلويون، الذين تمتعوا بحماية الدولة الكمالية العلمانية، بارتياب شديد في نوايا أردوغان الذي أقلقهم وكدرهم بخططه لإطلاق اسم أحد سلاطنة القرن السادس عشر، والذي ذبح أسلافهم، على جسر جديد فوق البوسفور.
قد يبدو الأمر إذن وكأن الدين يكمن في قلب المشكلة التركية، وأن معارضي الإسلام السياسي ينظرون إليه باعتباره معادياً للديمقراطية بطبيعته. لكن الأمور ليست بهذه البساطة. ذلك أن الدولة الكمالية العلمانية لم تكن أقل استبداداً من نظام أردوغان الإسلامي الشعبوي؛ بل إنها كانت أشد استبداداً في حقيقة الأمر. ومن المهم أيضاً أن نعلم أن أول الاحتجاجات في ساحة تقسيم في إسطنبول لم تكن تتعلق ببناء مسجد، وإنما ببناء مركز للتسوق. وبهذا، فإن الخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية لا يقل تأثيراً عن الغضب إزاء الابتذال الجشع لدى أصحاب المشاريع الذين تدعمهم حكومة أردوغان. أي أن الربيع التركي تحركه نزعة يسارية قوية.
وهكذا، وبدلاً من الخوض في مشاكل الإسلام السياسي المعاصر، والتي هي جديرة بالاعتبار بكل تأكيد، ربما يكون من المفيد بدرجة أكبر أن ننظر إلى صراعات تركيا من منظور آخر، وهو منظور لم يعد متماشياً مع روح العصر بكل وضوح: المنظور الطبقي. إن المتظاهرين سواء كانوا ليبراليين أو يساريين ينتمون في أغلبهم إلى النخبة الحضرية -من المستغربين، والمثقفين، والعلمانيين. ومن ناحية أخرى، فإن أردوغان ما يزال يتمتع بشعبية كبيرة في تركيا الريفية، في أوساط الأشخاص الأقل تعليماً والأكثر فقراً والمحافظين أكثر من الناحية الدينية.
ورغم النزعات الاستبدادية الشخصية لدى أردوغان، وهي واضحة تماماً، يظل من قبيل التضليل أن ننظر إلى الاحتجاجات الحالية باعتبارها مجرد صراع بين الديمقراطية والاستبداد. ذلك أن نجاح حزب العدالة والتنمية الشعبوي الذي ينتمي إليه أردوغان، فضلاً عن الانتشار المتزايد للرموز والعادات الدينية في الحياة العامة، كانت كلها نتيجة للمزيد من الديمقراطية في تركيا، وليس العكس.
والواقع أن العادات التي قمعتها الدولة العلمانية الكمالية؛ مثل استخدام النساء للحجاب في الأماكن العامة، عادت إلى الظهور لأن الأتراك الريفيين أصبحوا أكثر نفوذاً. والآن، أصبحنا نرى النساء الشابات المتدينات في الجامعات الحضرية. وأصبحت أصوات الأتراك المحافظين في الأقاليم مسموعة أكثر من السابق.
وعلى نحو مماثل، لا تنفرد تركيا بالتحالف بين رجال الأعمال والشعبوية الدينية. فالعديد من أصحاب المشاريع الجدد، مثلهم مثل النساء المحجبات، ينتمون إلى قرى الأناضول. ويشعر أبناء هذه الطبقة الريفية التي أصابت الثراء حديثاً بالامتعاض من النخبة القديمة في إسطنبول بقدر ما يكره رجال الأعمال من تكساس أو كانساس النخب في الساحل الشرقي من نيويورك وواشنطن.
أما أن نقول إن تركيا أصبحت أكثر ديمقراطية، فإن ذلك لا يعني أنها أصبحت أكثر ليبرالية. وهذه أيضاً واحدة من المشاكل التي كشف عنها الربيع العربي. إن إعطاء كل الناس صوتاً في الحكومة هو أمر ضروري لأي ديمقراطية. ولكن هذه الأصوات، وخصوصا في الأوقات الثورية، نادراً ما تكون معتدلة.
إن ما نراه في بلدان مثل مصر وتركيا -بل وحتى في سورية- هو ما وصفه الفيلسوف الليبرالي البريطاني العظيم، أشعيا برلين، بعدم التوافق بين سلع متساوية. ومن الخطأ أن نعتقد بأن كل الأمور الطيبة تأتي دائماً معاً. ففي بعض الأحيان، يقع الصدام بين الأشياء الطيبة بالقدر نفسه.
كذلك هو الحال في التحولات السياسية المؤلمة التي يشهدها الشرق الأوسط. فالديمقراطية أمر طيب، وكذلك الليبرالية والتسامح. وفي العالم المثالي تتلاقى مثل هذه الأمور وتتزامن. لكن ذلك التلاقي لا يحدث في وقتنا الحالي، وفي أغلب أنحاء الشرق الأوسط. إن المزيد من الديمقراطية قد يعني في واقع الأمر تناقص الليبرالية وزيادة التعصب.
قد يكون من السهل أن نتعاطف مع المتمردين ضد دكتاتورية بشار الأسد في سورية، على سبيل المثال. ولكن أبناء الطبقات العليا في دمشق، من النساء والرجال العلمانيين الذين يتذوقون الموسيقى الغربية ويستمتعون بأفلام الغرب، وبعضهم من المنتمين إلى الأقليات الدينية المسيحية والعلوية، سوف يجدون صعوبة شديدة في محاولة البقاء بمجرد رحيل الأسد. صحيح أن البعثيين كانوا مستبدين وقمعيين -وبوحشية غالبا- ولكنهم كانوا يحمون الأقليات والنخب العلمانية.
بيد أن الرغبة في كبح جماح الإسلاميين ليست سبباً لدعم الحكام المستبدين. ففي نهاية المطاف، كان عنف الإسلام السياسي نتاجاً لهذه الأنظمة القمعية إلى حد كبير. وكلما طال أمد بقاء هذه الأنظمة الاستبدادية في السلطة ازداد عنف الثورات الإسلامية.
وهذا أيضاً ليس سبباً لدعم أردوغان وبناة مركز التسوق ضد المحتجين في تركيا. فمن حق المتظاهرين أن يعارضوا تجاهله المتغطرس للرأي العام وخنقه للصحافة. ولكن أن ننظر إلى الصراع باعتباره نضالاً أخلاقياً ضد شكل من أشكال التعبير الديني فهو خطأ بالقدر نفسه.
إن بروز الإسلام بشكل أوضح كان نتيجة حتمية للمزيد من الديمقراطية في دول ذات أغلبية مسلمة. والسؤال الأكثر أهمية الذي يواجه شعوب الشرق الأوسط الآن هو كيف نمنع هذا من قتل الليبرالية. إن تركيا ما تزال دولة ديمقراطية. وإننا لنرجو أن تجعلها الاحتجاجات ضد أردوغان دولة أكثر ليبرالية أيضا.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد، ومؤلف كتاب "ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق