إسرائيل تعيش قصة يوسف

تم نشره في الثلاثاء 11 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً
  • ملصق دعائي يدعو إلى مقاطعة إسرائيل - (أرشيفية)

توماس فريدمان - (نيويورك تايمز) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بأي قدر قد يحب المرء أن يكون استراتيجياً إسرائيلياً في هذه الأوقات؟ الآن، تعيش، حتى تركيا نفسها، في حالة اضطراب، ويضغط شعبها مرة أخرى على زعيمهم الاستبدادي باطراد. أعني -إلى هناك، إلى الأزمات، يذهب الجوار. والخبر السار بالنسبة لإسرائيل في هذا هو أن جيرانها القريبين مستغرقون كثيراً في شؤونهم الداخلية حتى أنهم لا يستطيعون التفكير في تهديدها. أما على المدى الطويل، مع ذلك، فإن إسرائيل تواجه تحديين خطيرين، واللذين أسميهما: قصة ستيفن هوكينج، وقصة يوسف.
في حال فاتتك معرفة ذلك، فإن هوكينج، عالم الفيزياء والكونيات البريطاني، ومؤلف كتاب "تاريخ موجز للزمن"، ألغى زيارة كان مقرراً أن يقوم بها لإسرائيل هذا الشهر لحضور المؤتمر الرئاسي الإسرائيلي السنوي الخامس. وقالت جامعة كيمبردج، حيث يعمل هوكينج أستاذاً، إن هوكينج كان قد أخبر الإسرائيليين بأنه لن يحضر "بناء على نصيحة من الأكاديميين الفلسطينيين له بأن يحترم مقاطعة" إسرائيل بسبب احتلالها الضفة الغربية.
وفي تعليقه على ذلك، قال يغئال بالمور، من وزارة الخارجية الإسرائيلية: "لم يسبق أبداً لعالم بهذه المكانة أن قاطع إسرائيل". وأنا أختلف بشدة مع ما فعله هوكينج. ينبغي تحدي الإسرائيليين وليس مقاطعتهم. (فبعد كل شيء، الفلسطينيون مخطئون أيضاً). ومع ذلك، وجد عمل الأكاديمي صدى واسعاً. وقالت صحيفة "بوسطن غلوب" إن قرار هوكينج هو "وسيلة معقولة للتعبير عن وجهات نظر المرء السياسية. ولا يحتاج المراقبون إلى أن يتفقوا مع موقف هوكينج ليتفهموا -بل وحتى يحترموا اختياره. فالحركة التي انضم إليها تهدف إلى ممارسة الضغط على إسرائيل من خلال الوسائل السلمية".
كما تجدر الملاحظة، لم تكن هذه صحيفة الأهرام. كانت صحيفة بوسطن غلوب -في تذكير بأنه في هذا العصر المليء بالشبكات الاجتماعية، والثورات الشعبية، والأفراد فائقي التمكين، فإن "الرأي العام الدولي أصبح أكثر أهمية وليس أقل أهمية"، كما يلاحظ المنظر السياسي الإسرائيلي يارون إزراحي، مؤلف كتاب "ديمقراطيات متخيلة". وفي حالة إسرائيل، فإن سلوكها يخلق موجة قوية من الرأي العام الدولي، ولا سيما في أوروبا وفي حرم الجامعات، والتي تقوم على فكرة أن إسرائيل دولة منبوذة بسبب احتلالها الضفة الغربية. وليس هذا الاتجاه جيداً لإسرائيل. إنه يجعلها أكثر اعتمادية بكثير على أميركا وحدها في الحصول على الدعم.
ومع ذلك، يتزامن هذا الاتجاه العالمي مع انهيار كامل في البيئة الإقليمية التي توجد فيها إسرائيل. وتعيش إسرائيل اليوم نسخة من "قصة يوسف" الإنجيلية، حيث حبّب يوسف نفسه لفرعون حين فسّر له أحلامه على أنها تحذير من أن سبع سنوات سمان سوف تعقبها سبع سنوات عجاف، وأن هناك بالتالي حاجة لأن تقوم مصر بتخزين الحبوب. وفي حالة إسرائيل، فإنها استمتعت، نسبياً، بأربعين عاماً من السنوات السمان بوجود حكومات مستقرة من حولها. فعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، استولت فئة من القادة العرب على السلطة، وتمكنت من الجمع بين أموال النفط المباشرة أو غير المباشرة، وبين أجهزة الاستخبارات المتعددة، بدعم إما من أميركا أو روسيا، من أجل تثبيت أنفسها في السلطة لعقود متعددة. وقد استخدم كل هؤلاء القادة قبضاتهم الحديدية للإبقاء على صراعاتهم الطائفية -السنة مقابل الشيعة، والمسيحيون مقابل المسلمين، والأكراد واللاجئون الفلسطينيون مقابل الجميع- تحت السيطرة. كما أنهم أبقوا الإسلاميين لديهم تحت الأرض.
الآن، ومع تعرض هؤلاء القادة الحديديين للإطاحة بهم -صحيح أيضاً أنه ما يزال على ديمقراطيات متعددة الطوائف ذات حكومات فعالة أن تظهر في مكانهم بعد- فإن إسرائيل يحتمل أن تواجه عقوداً من الحكومات غير المستقرة أو اللاحكومات في جوارها. وليس هناك سوى الأردن فقط هو الذي يعرض لإسرائيل حدوداً عادية. أما في المناطق الأبعد منه، فإن إسرائيل تنظر إلى دول غير عاملة ومفككة، والتي إما أنها تنهار (مثل مصر، العراق، لبنان، البحرين وليبيا) أو تنفجر (مثل سورية).
لكن هناك ما هو أسوأ من ذلك: إن هؤلاء القادة الحديديين لم يقوموا بقمع مختلف القوى السياسية في مجتمعاتهم فحسب، وإنما تجاهلوا بشكل سيئ أيضاً أمر العناية بمدارسهم، وبيئاتهم، وبتمكين النساء وانفجارات السكان. واليوم، أصبحت كل هذه الفواتير مستحقة الدفع في وقت تبدو فيه حكوماتهم عند أقل قدر من القدرة على التعامل معها.
وهكذا، يجب أن يكون الموضوع الرئيسي للاستراتيجية الإسرائيلية في السنوات المقبلة هو "المرونة" - كيفية الحفاظ على بيئة آمنة نسبياً وإدامة اقتصاد مزدهر في منطقة تعاني من الانهيار. وفي رأيي، يجعل ذلك من مسألة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أكثر أهمية من أي وقت مضى، لثلاثة أسباب: 1) لعكس اتجاه نزع الشرعية الدولية الذي يطبق على إسرائيل؛ 2) لقطع صلة إسرائيل بأكبر قدر ممكن من الصراعات الإقليمية المستعرة من حولها؛ و، 3) لعرض نموذج.
ليس هناك نموذج ناجح للحكم الديمقراطي في العالم العربي في الوقت الحاضر -الإسلاميون مخيبون تماماً. لكن لدى إسرائيل -إذا كانت للتشارك مع القيادة الفلسطينية المعتدلة الحالية في الضفة الغربية- فرصة لخلق دولة حديثة، مزدهرة اقتصادياً، علمانية وديمقراطية، حيث المسيحيون والمسلمون يعيشون جنباً إلى جنب -بجانب اليهود. وسيكون من شأن ذلك أن يكون مثالاً قيماً للغاية، خصوصاً في الوقت الذي يفتقر فيه العالم العربي إلى أي شيء من هذا القبيل. ثم أن العالم في جزئه الأكبر لن يضن على إسرائيل بالإبقاء على قواتها عند نهر الأردن -كما سيكون ضرورياً نظراً لعدم الاستقرار السائد فيما وراءه- إذا ما تنازلت عن معظم الضفة الغربية والأحياء العربية من القدس الشرقية.
معاً، يمتلك الإسرائيليون والفلسطينيون القدرة فعلاً على خلق نموذج لما يمكن أن تبدو عليه دولة عربية لائقة، ما بعد سلطوية، ومتعددة الأديان. لا شيء سيعالج الاحتياجات الاستراتيجية بعيدة المدى للشعبين أفضل من ذلك. ومن السيئ للغاية أن قادتهما اليوم ليسوا بعيدي النظر مثل يوسف.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Israel Lives the Joseph Story

التعليق