معنى العلاقات بين المسلمين والغرب

تم نشره في الاثنين 13 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً
  • مسلمون يؤدون الصلاة في أحد مساجد ألمانيا - (أرشيفية)

مايكل يونغ *– (كومون غراوند) 3/5/2013
بيروت- الحقيقة أن مفهوم صِدام الحضارات الذي أثاره الأكاديمي الأميركي صموئيل هنتنغتون وجعله أكثر شعبية، ربما يصبح ذا صلة أكبر في أذهان العديد من الناس الآن أكثر من أي وقت مضى. ثمة منظور، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات بين المسلمين والغرب، بأن القيم المسلمة والغربية غير متكافئة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أطروحة هنتنغتون القائلة بأن الصراع بعد الحرب الباردة لن يتحدد بالأيديولوجيا أو الاقتصاد، وإنما بالفروقات الثقافية، كانت بالتأكيد ذات طابع نبوئي، حيث أصبحت الثقافة هي الأساس المبدئي للتفاضل، رغم أنه يُنظر إلى الثقافة نفسها أحياناً بأسلوب مفرط في الثبات والسكونية.
ولم يكن ردّ الفعل على النتيجة التي توصّل إليها هنتنغتون يتسم بالارتياح بشكل عام. فلو كان ما قاله صحيحاً، فإن مستقبل العالم يمكن أن يكون قاتماً إلى حدّ بعيد، وسوف تُعد الفروقات الثقافية عامل شر بدلاً من أن تكون أسساً لتنشيط التنوع. وقد بدا هنتنغتون بالنسبة للكثيرين وكأنه ينظر إلى نصف الكوب الفارغ، في الوقت الذي طرح فيه مفهوم التفاعل العالمي والعولمة بشكل عام قراءة أكثر تشجيعاً لواقع الحال.
والحقيقة أن لكل من الطرفين موقفا صحيحا. كان هنتنغتون صاحب بصيرة عندما أدرك أن سبب النزاع سوف يتحوّل بعيداً عن الخلاف العقائدي (رغم أن الحوار المتعلق بالاقتصاد كان أقل إقناعاً)، بالرغم من بقائه في مجال الأفكار. إلا أن من الصحيح كذلك أن العلاقات العالمية بدت في أطروحته وكأنها تعكس رؤية كارثية من الاختلاف الأبدي والعداء.
من حيث المبدأ، ليس هناك خطأ في بحث الفروقات بين القيم الغربية والقيم الإسلامية، ولكن إضفاء ميّزات لا تتغير للحوار على الجانبين إنما ينطوي على إغفال للطبيعة المتكيفة للثقافة، وقدرة بني البشر على تعديل ردود الفعل الثقافية في البيئات المتغيرة.
إذا أراد المرء مساءلة منظومة هنتنغتون، فيجب عليه القيام بذلك في مجال وجهات النظر. وبالنسبة للعديد من الناس في الغرب، كانت الثورات العربية منذ العام 2011 حالة تعبّر عن ذلك. فقد أخذ هؤلاء الناس يؤمنون بأن ما بدأ كرغبة في الديمقراطية والحرية، انتهى الأمر به وهو يمنح التفضيل للجماعات الإسلامية (جماعات تؤمن بأن هناك دورا للإسلام في السياسة)، وهي جماعات ليست ديمقراطية بشكل خاص ولا متسامحة مع الحرية، وسعت في العادة إلى إقرار تشريعات تحدّ من مشاركة النساء اللواتي يشكلن جزءاً كبيراً من شعوبها.
إلا أن الواقع يكمن في الفروقات الدقيقة. ففي مصر وتونس على سبيل المثال، استولت جماعة الإخوان المسلمين وحزب النهضة على المؤسسات الحكومية الرئيسية. ورغم أنها سمحت بسلوك لم يكن يُسمَع به في ظل الأنظمة السابقة، فإنها أصبحت كذلك عرضة للنقد بشكل متزايد بسبب احتفاظها بسلطات تسمح لها بكبح حريات معيّنة، مثل حرية التعبير، بينما تدوس بقوة على الهيئات التمثيلية.
الآن، يشكّل الاعتراف بالتيارات التحتية المعقدة للثورات العربية ضرورة مهمة حتى يتسنى فهم ما يجري. والمفهوم السائد بأن هناك ما لا يمكن تجسيره بين تطلعات المجتمعات العربية وتطلعات المجتمعات الغربية هو مفهوم مبسّط وخاطئ في أغلب الأحيان، تماماً مثلما هو ساذج أن نتوقع من المجتمعات العربية التي هي في غليان أن تعتنق بكامل إرادتها القيم الغربية، مثل العلمانية وأولوية الفرد على حساب المجموعة، وهكذا. وستكون المطالبة بمثل هذا الاعتناق، وهو أمر شبه مستحيلاً، هي إيمان بأن الثقافة تتعلق بالأمور المطلقة.
في السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة منذ هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أدت المعرفة الجديدة إلى تفهّم غربي أفضل لتعقيدات العالم المسلم، بينما عملت تغييرات بعيدة الأثر في العالم المسلم على إفشال المنظور الغربي القائم على فكرة الأسود والأبيض للمنطقة. وعندما ثار السوريون قبل سنتين، لم يترددوا في طلب المساعدة الغربية، تماماً مثلما تم استقبال عملية إسقاط الأنظمة الاستبدادية بشكل إيجابي في الولايات المتحدة وأوروبا.
إن السوري أو المصري ينظر إلى الحرية تماماً مثل الفرنسي أو الأميركي، حتى رغم أن العقد الاجتماعي الذي يفضّله كل منهما لحماية هذه الحريات مختلف. ربما سيطلب البعض المزيد من العلمانية، ويطلب آخرون المزيد من الدين. لكنه إذا انتهى الأمر إلى أن يفضي العقد الاجتماعي المفضّل إلى إفشال هذه الحريات نفسها، فإن ذلك يعني وجود الفرص لتمردات جديدة في مرحلة ما.
كان هنتنغتون على صواب عندما تطلّع إلى الثقافة بوصفها الحدود بين المجتمعات الغربية والشرقية. ولكن الحدود تتغير باستمرار، والقيم تتقاطع بين الثقافات عن طريق التثاقف. ويبقى افتراض أن الثقافات تتسم بالاكتفاء الذاتي والثبات خاطئاً بقدر ما هو افتراض أن السمات الثقافية يمكن حلها دون تمييز. إن الحقيقة حول الثقافة تكمن في الوسط، وتبقى القيم قابلة للنقل من مكان لآخر، وهذا هو السبب في أن الهوية تكون فاتنة عندما تكون مقيدة بالحد الأدنى  فقط.

* محرر رأي في صحيفة الديلي ستار اللبنانية.

التعليق