صدى لبناني في الحرب السورية

تم نشره في الاثنين 13 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 13 أيار / مايو 2013. 06:27 صباحاً

بول ار. بيلار *
(ذا ناشيونال انترست) 8/5/2013
تضمنت التعبيرات عن القلق والخوف والخشية على سورية العديد من الثيمات؛ إحداها القلق من "انتشار" محتمل للحرب الأهلية السورية إلى دول الجوار. وعادة ما يتم ذكر لبنان، لمسوغات حسية وأخرى متعلقة بالجغرافيا الإثنية، كمكان محتمل لهذا الانتشار.
لكن من المفيد بنفس أهمية التنبؤات حول ما قد تتسبب به الحرب الأهلية السورية في لبنان، أن نتأمل هنا كيف أن التطورات الراهنة في سورية تعيد أصدقاء حرب أهلية سابقة شهدها لبنان. لقد مررنا بكثير من هذا الذي يجري الآن في السابق -قبل 30 عاماً، عندما كان رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة.
المدمرة الأميركية "يو أس أس نيوجيرسي" وهي تطلق نيران مدافعها على المعاقل المعادية للحكومة اللبنانية يوم 9 كانون الثاني (يناير) 1984، وهو انخراط صادق عليه بيت رونالد ريغان الأبيض، والذي أقنع العديد من اللبنانيين المسلمين أن الولايات المتحدة قد اتخذت موقفاً منحازاً في الحرب الأهلية.
وبحلول أوائل الثمانينيات، كان لبنان يعاني للعديد من السنوات من القتال الدائر بين الميليشيات الطائفية، والذي كان يعكس اختلافاً على عدالة اتفاقيات تقاسم السلطة القديمة بين المجتمعات المذهبية. وكان أكبر تحريك لهذا الوعاء المضطرب قد جاء أصلاً في العام 1982 عندما قامت إسرائيل بغزو لبنان.
كانت الأهداف الإسرائيلية الرئيسية -الأهداف المعلنة، على الأقل- هي مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية المتواجدون على الأرض اللبنانية، وقد دخلت قوة صغيرة متعددة الجنسيات تضم أفراداً من القوات الأميركية والفرنسية والايطالية إلى لبنان في آب (اغسطس) من العام 1982، وأشرفت على اخراج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس قبل انسحابها هي نفسها إلى سفن في البحر الأبيض المتوسط.
ولم تكن الأهداف الإسرائيلية مقتصرة على طرد منظمة التحرير الفلسطينية الى خارج لبنان وحسب مع ذلك، وبقيت القوات الإسرائيلية عالقة في الاقتتال الطائفي، وتحاصر بيروت. وكانت لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، مناحيم بيغن، أفكار حول محاولة المحافظة على كيان تابع إلى الشمال (من إسرائيل) في شكل حكومة مسيحية موالية لإسرائيل بقيادة بشير الجميل الذي أصبح رئيساً حول الوقت الذي كانت فيه منظمة التحرير الفلسطينية تغادر لبنان.
وبعد ثلاثة أسابيع، تم اغتيال الجميل، وهو ما قدح زناد معظم سفك الدماء المرعب في الحرب اللبنانية الأهلية. وقد ذبح عدة مئات من المدنيين الفلسطينيين على الأقل في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، وتقدر بعض المصادر الخارجية الرقم بأنه قريب من 2000 ضحية.
وقد نفذت تلك المجزرة ميليشيات الكتائب المسيحية التي كانت متحالفة مع الإسرائيليين وتتلقى التموين منهم. وكان أن سهلت القوات الاسرائيلية ارتكاب المجزرة عن طريق الإبقاء على ممر حول منطقة المخيمين، وإطلاقها مصابيح إنارة مكنت الكتائبيين من الاستمرار في تنفيذ مجزرتهم خلال الليل.
وقد حفزت تلك المجزرة إدارة ريغان على تنظيم تشكيل قوة جديدة متعددة الجنسيات، والتي ضمت في نهاية المطاف 1800 جندي من قوات البحرية الأميركية "المارينز"، بالإضافة إلى قوات فرنسية وأخرى إيطالية.
وفي البداية، حققت تلك القوة بعض النجاح في العمل كقوة فصل بين العناصر المتقاتلة. لكن ذلك التدخل أصبح فيما بعد مثالاً منهجياً لشبه حتمية الانجرار إلى التزامات أكثر كلفة وجهداً في أي حالة تماثل فوضوية لبنان في حينه.
ولم يقتصر الانخراط العسكري الأميركي حينذاك على المارينز المتواجدة على الأرض فقط، وإنما القتال أيضاً بين الطائرات الأميركية المنطلقة من حاملات الطائرات ووالقوات السورية (التي كانت قد دخلت لبنان أصلاً كجزء من قوات حفظ السلام التابعة لجامعة الدول العربية، قوات الردع). وعند إحدى النقاط، تم إشراك حتى مدافع السفينة الحربية نيوجيرسي من عيار 16 إنشاً في الاشتباكات.
حينذاك، استخدم أولئك الذين ردوا الضربة للقوات الأجنبية التي زادت مشاعر السخط منها، طرقا كانت النفاثات الحربية والسفن الحربية عديمة الحيلة في التعامل معها. وفي نيسان (ابريل) من العام 1983، تم تفجير شاحنة محملة بالمتفجرات في السفارة الأميركية في بيروت، ما أفضى الى مقتل 63 شخصاً.
وبعد ستة أشهر، استخدمت سيارة شحن ملغمة أخرى ضد الثكنات التي كانت تؤوي قوات أميركية (سوية وعلى نحو متزامن مع هجوم شُن ضد القوات الفرنسية) -في أفدح هجوم إرهابي قاتل ضد مواطنين أميركيين حتى تفجيرات مانهاتن في 11/9. (ملاحظة للمحرر: بعض المؤرخين يتجادلون حول وصف تفجير بيروت بأنه "إرهابي" نظراً لحقيقة أن الأهداف كانوا جنوداً، وليس مدنيين، ولأن الولايات المتحدة كانت قد تدخلت عسكرياً أصلاً في الحرب الأهلية اللبنانية).
وفي الأثناء، ازداد ضغط الكونغرس على الادارة للانسحاب من لبنان. وغادرت آخر القوات الاميركية ذلك البلد في شهر شباط (فبراير) من العام 1984، واستمرت الحرب الأهلية اللبنانية لمزيد من الأعوام الأخرى العديدة حتى وصلت الأطراف حد الإنهاك لامحض، وتم التوصل الى اتفاق سياسي جديد توسطت فيه المملكة العربية السعودية وسورية، والذي جلب الصراع الى نهايته غير المرضية.
ثمة بعض التوازيات الواضحة بين تلك الخبرة والحالة الراهنة فيما يتعلق بسورية. هناك التعقد الكامل للصراع ووجود الأولاد السيئين في كل مكان. وهناك أيضاً إسرائيل التي تحاول استغلال الحرب الأهلية في الجارة سورية من أجل مواصلة تحقيق أهدافها، سواء كانت تلك التي تتعلق بسحق قوة فلسطينية ما، أو باعتراض خطوط إمداد حزب الله المؤسسة منذ وقت طويل، بغض النظر عن كم النار التي ستذكيها عملياتها، وتصعيد الحرب الجارية في سورية.
إذا كان كثير من الخطاب السياسي السائد في واشنطن عن سورية منذ الهجمات الاسرائيلية (المفترضة) في الأيام القليلة الماضية يصرح بشيء ما، فهو أن هناك مرة أخرى نمط العمليات الإسرائيلية التي تزيد من فرص انغماس الولايات المتحدة في داخل الفوضى العارمة.
دعونا نأمل بأن يعمد أولئك المتلهفون للدخول في أتون الفوضى إلى مزيد من التفكير مما فعله رجال الدولة في العام 1982 حول الكيفية التي سينتهي بها كل هذا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن على أولئك الذين يتحدثون عن الضرر الذي يلحق بسمعة الولايات المتحدة أو مصداقيتها أن يفكروا أيضاً في ذلك العنصر من التجربة في لبنان. لقد كان انسحاب القوات الاميركية من لبنان في العام 1984 -رغم أنه كان أقل الأشياء التي استطاعت ادارة ريغان فعلها في حينه سوءاً- هزيمة أميركية على يد حزب الله.
ليست هناك أي طريقة لتغليف تلك المحصلة بالسكر. فقد كانت مجرد ذلك الوقوع في كمين الأولاد الأشرار، والذي نسمع كثيراً جداً أننا نحتاج إلى تفاديه. وكان من الممكن تجنب الوقوع فيه في لبنان لو أن الولايات المتحدة لم تجد نفسها منخرطة في تلك الفوضى في المقام الأول، أو لو لم تجعل اسرائيل الفوضى أسوأ على الأقل -من خلال تحقيق الأمن المطلق لنفسها بغض النظر عن انعدام الأمن الذي تسببه للآخرين.

* ارتقى في سني خدمته الثماني والعشرين في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (السي آي إيه) ليكون واحداً من كبار محللي الوكالة. وهو راهنا أستاذ زائر في جامعة جورج تاون للدراسات الأمنية.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: A Lebanon Echo in Syrian War

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق