في غزة.. بلا كهرباء

تم نشره في الأربعاء 8 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً
  • طلبة فلسطينيون ينجزون فروضهم المدرسية على ضوء الشموع في غزة المحاصرة - (أرشيفية)

مات سينكيفيتش — (ذا ديلي بيست)
 ترجمة عبد الرحمن الحسيني
بالنسبة لمعظم باحثي الدكتوراه، يعتبر الافتقار إلى طاقة لإمداد بطارية جهاز الحاسوب المحمول (اللابتوب) مصدر ضيق ضئيل، يتم حله بحوار بحديث مع شخص غريب تعيق سترته كل مخارج الطاقة في دارة قهوة محلية. ولكن ليس في غزة. لأن محمد عمر، المواطن في رفح، والذي يوجه عيناً منتقدة للبث الفصائلي في حقبة حماس. وهناك، يشكل صوت التنبيه الذي يشير إلى "بطارية منخفضة" شيئاً أكثر أهمية بكثير: قرارات الحكومات القريبة والبعيدة. ففي كل يوم، ينقطع التيار الكهربائي في عموم رفح عند نقطة ما، مع استثناء مقلق إلى حد كبير: المشرحة. وعندما يبلغ اليأس منه مبلغه، يسحب عمر مقعداً إلى جوار جيرانه المتوفين حديثاً، ويقترض ما يكفي وحسب من إمداد مولدهم للطاقة من أجل استئناف العمل الذي يعتقد بأنه سيفيد مجتمعه في نهاية المطاف.
منذ العام 2007، وضعت إسرائيل قيوداً على ما يمكن أن يدخل إلى قطاع غزة، والتي تذهب في بعض النقاط إلى حد تعيين استيراد الغذاء الأساسي وفق احتساب عدد الكالوريات التي يتناولها المواطنون. وكانت قائمة المواد المسموح بدخولها إلى داخل القطاع تزداد بثبات منذ العام 2010، عندما تم إعلان وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه لإنهاء هجوم إسرائيل "عمود الدفاع" الذي أفضى إلى مزيد من تحرير السلع، على الورق على الأقل. وبالرغم من ذلك، تبقى أسعار المواد الأساسية متضخمة، كما أن الطاقة في أماكن مثل رفح ليست أقل ندرة من الغذاء. ووفق مصادر في رفح، فإن كثيراً من النفط القطري الذي كان من المفترض دخوله إلى غزة كجزء من الاتفاقية، يظل قابعا في منطقة "الليمبو" عند نقاط العبور المصرية الإسرائيلية. وفي عموم الأحوال، تبقى المواد والموارد الضرورية للحياة اليومية، ناهيك عن تعمير الفضاء الذي هدمته الحرب مؤخراً، نادرين.
 المغالطة الأساسية التي توجد في الكثير من التفكير حول غزة هو أن الحد من الموارد يضر بقوى الأوتوقراطية الحاكمة. لكن العكس هو الصحيح. ففي المستوى الأكثر وضوحاً، يقترن أي حرمان من أي مادة في هذا المنعطف لدى أغلبية الغزيين وبشكل حتمي بالتدمير الذي سببته القنابل الإسرائيلية لمنطقتهم، بالإضافة إلى فشل حكومة حماس. ومع ذلك، ثمة الكثير من المخاوف الأكثر منطقية. فمثلاً، يجب فهم أن محمد عمر، وليس وزير الإعلام في حماس، هو الذي يترتب عليه الانسلال إلى المشرحة من أجل إرسال رسالة بريد ألكتروني.
أنا أساعد في الإشراف على دراسة عمر، الصحفي في الثامنة والعشرين من العمر، في دراساته لنيل درجة الدكتوراة في جامعة روتردام. وهو يتوافر على تاريخ من توجيه عين ناقدة لكل الكيانات السياسية، بما فيها إسرائيل وفتح وحماس. وفي العام 2009، قرر وهو رهين سرير الشفاء في مستشفى هولندي للعلاج من جرح أصيب به عند نقطة تفتيش إسرائيلية، متابعة الدراسة العليا للحصول على درجة الدكتوراه. ولما كان غير قادر على صناعة مواد إعلامية من غزة، فقد اختار دراسة الإعلام وانتقاده. وهو موضوع مهم  ذي صلة تذهب إلى ما هو أبعد من غزة.
وقد قبلت بشغف دعوة للإشراف على رسالة عمر، معتقداً بأن بحثه يمكن أن يقدم لصانعي السياسة منظوراً مهماً عن الإعلام في غزة. وكان من المفترض أن تجري دراسته بتعاون جزئي من حماس. وقد يقلق البعض إزاء الانحياز، لكنني أرى فيه خطوة مهمة باتجاه تطبيع الاستقصاء العام الناقد لأعمال الفصيل الداخلية. والأكثر أهمية من كل شيء، هو أن العمل لا يتم لصالح جامعة غزة. ويوفر ذلك ميزة حاسمة  للكتابة بأمانة وشرف عن الحكومة. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى الانتماء المؤسساتي المحلي من شأنه أن يفاقم فقط من العوائق، مثل انقطاعات الكهرباء والنقص في إمدادات العمل الأساسية.
والحقيقة أن الاهتمام العالمي يتركز على غزة فقط خلال أوقات الأعمال الحربية المباشرة. وفيما بين دورات العنف، فإن النقاش نادراً ما يدور حول ما إذا كان الغزيون يتضورون جوعاً حتى الموت أم لا. ومن شأن تركيز حصري على هذه الأنواع من الصعوبات السماح  للحكومات الإسرائيلية والمصرية والغربية بالدفاع عن الأوضاع القائمة على الأرض من خلال الإشارة إلى كونها ليست نفس النوع من الأزمة الإنسانية الموجودة في  أجزاء أخرى فقيرة حقاً من الكرة الأرضية. وبطبيعة الحال، ليس هذا نوع المقاربة التي تنتهجها الولايات المتحدة وقوى أخرى مع باقي المنطقة. ففي تونس، تضع أميركا 20 مليون دولار لغاية بناء "مجتمع مدني". ولا أحد يعتبر أن تشجيع التونسيين يعني ببساطة إعالتهم.
يسود اعتقاد بأن المؤسسات التي تكرس النقاش والاستقصاء الناقد هي شأن مركزي بالنسبة لعملية بناء الديمقراطية لأمة ما. وفي غزة، يحد النظام القائم الوصول حتى إلى الآليات الأكثر أساسية في المجتمع المدني، ليس من خلال الرقابة الداخلية، ولكن من خلال الحدود والقيود المفروضة خارجياً على الموارد. وفي العديد من الأيام، يترتب على عمر الالتفات إلى السوق السوداء ودفع ما يصل إلى 15 دولاراً لا يستطيع توفيرها لشراء مصباح بغية الاستمرار في العمل حتى شروق الشمس ومن ثم مغيبها.
لن تغير أطروحة مفردة قتامة الوضع الراهن وحدها. والفكرة البديلة تكمن في مساعدة تكريس ثقافة تكون أكثر انفتاحاً على انتقاد الذات. إن وضعاً يحرم المواطنين المستقلين من الموارد فيما وراء أساسيات الحياة إنما يخدم فقط مصالح أولئك الذين في مواقع المسؤولية. وفي الأثناء، يستمر عمر في العمل مكافحاً ومستنفداً عينيه للمساعدة في توجيه الأمور في الاتجاه الصحيح. ليت أن العالم من حوله أظهر اهتماماً بالمساعدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Powerless In Gaza

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الكهرباء كل يوم قطع (الدهيني)

    الأحد 12 أيار / مايو 2013.
    الكهرباء كل يوم قطع في رفح فلسطين