إسرائيل تسير بصورة بهلوانية على حبل دقيق جدا

تم نشره في الاثنين 6 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً
  • مشهد عام لجبل قاسيون الذي تعرض لغارة جوية إسرائيلية أمس -(رويترز)

عاموس هرئيل -هارتس
كلما مر الوقت بعد الأنباء المنشورة عن الهجوم الاخير في سورية في فجر يوم الجمعة، بدا أنه قلّ خطر ان يفضي التوتر الحالي إلى صدام مباشر بين دمشق وحزب الله من جهة وإسرائيل من جهة اخرى. وتحاول إسرائيل الرسمية كعادتها هذه المرة (بنجاح جزئي فقط) ان تحافظ على شفتيها مغلقتين. ويقل ايضا عنفوان الردود التي تُسمع من سورية إلى الآن. في الهجوم السابق في كانون الثاني أعلنت سورية أنها لن تضبط نفسها في المرة القادمة بازاء "عدوان إسرائيلي". ودمشق الرسمية في هذه المرة لا تُصدق إلى الآن وقوع هجوم.
يبدو إلى الآن أن رئيس سورية بشار الأسد ومثله حلفاؤه في ايران ولبنان، غارقون غرقا عميقا جدا في مستنقع الحرب الأهلية السورية يمنعهم من فتح جبهة جديدة مع إسرائيل. ومع ذلك فان هذا التشخيص لا ينفي تماما إلى الآن احتمال انتقام سوري مُركز، من اطلاق نار على الحدود إلى محاولة عملية تفجيرية في الخارج كالعملية الانتحاريا في بلغاريا من تموز في العام الماضي حينما وقع رد حزب الله وايران على ما وصفاه بأنه سلسلة عمليات إسرائيلية لاغتيال علماء الذرة الايرانيين.
تسير إسرائيل هنا بصورة بهلوانية على حبل دقيق جدا: فهي تحاول الاصرار على الخطوط الحمراء التي رسمتها – وهي الاعتراض على نقل سلاح كيميائي ومنظومات سلاح متقدمة إلى حزب الله – من غير ان تجعل المعركة السورية الداخلية مواجهة عسكرية بينها وبين نظام الأسد. ويبدو إلى الآن ان الحذر النسبي نافع. كانت حكومة نتنياهو السابقة مع وزير دفاع آخر هو ايهود باراك هي التي أصدرت بحسب الأنباء التي نشرت في الخارج (والاشارات الخفية الثخينة من إسرائيل) التوجيه إلى سلاح الجو الإسرائيلي للهجوم على قافلة نقلت صواريخ مضادة للطائرات متقدمة من سورية إلى حزب الله في كانون الثاني. ويبدو ان السياسة بقيت على حالها حتى بعد تولي وزير الدفاع الجديد موشيه يعلون عمله. وستضطر إسرائيل إلى الاستمرار في تدبير أمورها في الشمال بحكمة كي لا تُجر إلى خضم الهرج والمرج السوريين.
رفض مسؤولون كبار في أحاديث مع صحفيين إسرائيليين أن يتناولوا الهجوم. لكن وكالة الأنباء "إي.بي" اقتبست في صباح أمس من كلام مصدر إسرائيلي رسمي بيّن أن ما تم الهجوم عليه في داخل سورية كان قافلة مُرسَلة اشتملت على صواريخ ارض – ارض دقيقة لمدى بعيد عُرفت بأنها سلاح يكسر التعادل. وأبلغت وكالة "رويترز" ان الهجوم سبقته جلسة خاصة للمجلس الوزاري المصغر في ليل يوم الخميس. في المرة الماضية قُصفت قافلة حينما كانت في وقوف ليلي في منشأة للصناعة الامنية السورية بقرب دمشق، ربما لخشية ان يصبح حل ألغاز طرق الاخفاء السورية أصعب بعد ذلك. وقد تكون نفس التقديرات استُعملت هذه المرة ايضا.
أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" أمس على ألسنة موظفي ادارة ان إسرائيل قصفت شحنة مُرسَلة من صواريخ "فتح 110" الايرانية حول مطار دمشق. ويحتاج هذا الهجوم إلى قدر عال جدا من المعلومات الاستخبارية الدقيقة. إن صواريخ "فتح 110" هي صواريخ يبلغ مداها نحوا من 250 كم وميزتها الرئيسة هي درجة دقتها العالية – يبلغ متوسط خطئها التدويري (سي.إي.بي) نحوا من 200 – 500 متر عن الهدف وهي أدق كثيرا من صواريخ سكاد. وقد تمت الافادة في الماضي ان حزب الله يملك هذه الصواريخ أو الصيغة السورية منها وهي (إم 600) في مخازن على الارض السورية. ولو وقع نقل السلاح إلى المنظمة لمكّن من اصابة دقيقة جدا لأهداف داخل إسرائيل. وهناك امكانية اخرى هي ان يكون الحديث عن شحنة مُرسلة من صواريخ سكاد.
ذكر متحدثون إسرائيليون في السنتين الأخيرتين أسماء منظومات سلاح اخرى لن تُمكّن إسرائيل من نقلها إلى حزب الله وهي: صواريخ مضادة للطائرات مثل "إس.إي 17" التي هوجمت في كانون الثاني، وصواريخ "ساحل – بحر" دقيقة من طراز "يحونط"، وسلاح كيميائي بالطبع. وقدّر رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع الجنرال (احتياط) عاموس جلعاد، أمس ان حزب الله لا يريد ألبتة الحصول على سلاح كيميائي. والأسد نفسه معني بأن يعطي جزءً على الأقل من السلاح المتقدم لحزب الله، مكافأة له على دعم المنظمة الشيعية النظام في حربه من اجل البقاء. إن نحوا من ألفي مقاتل لبناني يشاركون في المعارك في سورية، ويساعدون على حراسة مواقع استراتيجية للنظام وقد وقعت منهم عشرات الخسائر في القتال بحسب تقارير اخبارية مختلفة ايضا.
سبقت الهجوم أول من أمس تقارير اخبارية كثيرة عن طلعات لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء لبنان. وقد تكون تلك طلعات جوية لجمع معلومات استخبارية تمهيدا للهجوم، بل قد تكون اشارة إسرائيلية إلى الأطراف بأن نوايا التهريب معروفة وبأنه اذا لم تقف الخطة فستعمل إسرائيل على احباطها. ولا يجب أن يتم هذا الهجوم بالضرورة حينما تُحلق الطائرات في سماء سورية. بل يوجد في ظاهر الامر امكان تنفيذها بما يُسمى "ستاند أوف"، أي اطلاق القذائف في زاوية منحرفة من داخل لبنان وأن تضائل بذلك ايضا خطر اطلاق النار على الطائرات من منظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي تملكها سورية. وليس واضحا الموقع الدقيق للموقع الذي هوجم ما عدا تقدير أنه كان في منطقة دمشق.
وقع الهجوم في ذروة فترة شديدة التوتر في الشمال. إن إسرائيل شديدة الحساسية بكل حدث وراء الحدود، في حين يجري في الولايات المتحدة جدل عاصف في سؤال هل يُزاد التدخل الاميركي في جهود اسقاط نظام الأسد. وحشرت إسرائيل نفسها في هذا الخلاف في غير مصلحتها بعد اعلان شعبة الاستخبارات العسكرية في نهاية نيسان أن الموالين للنظام استعملوا سلاحا كيميائيا على الثوار. وأنكرت ادارة اوباما وتلوّت واضطرت في نهاية الامر إلى الاعتراف بغير رغبة بأن الاستخبارات الإسرائيلية كانت صادقة. والآن، اذا كان قد وقع حقا هجوم إسرائيلي في سورية فهو قد يخدم زعم مؤيدي التدخل من معارضي اوباما الذين يستطيعون ان يدعوا ان الرئيس يُظهر ضعفا واستكانة في وقت تتجرأ فيه دول أصغر على العمل في سورية.
جاء أول نبأ نُشر عن الهجوم في فجر يوم السبت من واشنطن في تقرير لمراسلة "سي.إن.إن" في وزارة الدفاع الاميركية. واعتمد التقرير على اجهزة استخبارية مجهولة بحيث قد يكون جاء من الادارة الحالية. واذا كان هذا ما حدث – وكان ذلك تسريبا للنبأ مُدبرا – فان السؤال هو: ألا يجب أن ننظر إلى النبأ المنشور وبين يديه التحول التدريجي الذي تلوح تباشيره لموقف الادارة الاميركية من سورية بعد ان كشفت إسرائيل عن استعمال الأسد للسلاح الكيميائي.
قال وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل في الايام الاخيرة فقط إن الولايات المتحدة ستزن بايجاب ان ترسل لأول مرة ايضا بعثات سلاح إلى الثوار، وأما الرئيس باراك اوباما فتحدث عن تحفظه من ارسال قوات برية إلى سورية. هل يرمي تسريب النبأ من واشنطن إلى تسويغ الانتقال إلى إظهار الصرامة مع الأسد حينما تضطر الولايات المتحدة ايضا إلى العمل في المستقبل؟ هذا سؤال سيتضح الجواب عنه بعد ذلك فقط.
وتستمر حيرة الادارة الاميركية على خلفية قتال قوي بين معسكرات الصقور في سورية نفسها. إن الجهد الرئيس لمنظمات المعارضة المختلفة والذي يلاحظ فيه مشاركة تزداد لفصائل موالية للقاعدة، ينحصر في محاولة عزل العاصمة دمشق وقطع الشارع الرئيس المفضي من هناك إلى الجيب العلوي الكبير في شمال غرب الدولة. ويحتاج الأسد في معركة الصد هذه إلى جميع الوسائل التي ما زالت في حوزته ومنها طائرات سلاحه الجوي مهما تكن قديمة ومصابة. وسيكون هذا كما يبدو سببا عنده للامتناع عن صدام مباشر مع إسرائيل قد يفقد فيه جزءً كبيرا آخر من قدرته العسكرية.

التعليق