حذار من سراب الأماني.. الأسد لن يذهب قريباً

تم نشره في الخميس 25 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً
  • الرئيس السوري بشار الأسد يحيي مؤيديه - (أرشيفية)

روبرت فيسك – (الإندبندنت) 18/4/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا شك أن السوريين الذين جلسوا للاستماع إلى خطاب بشار الأسد في يوم الجلاء مؤخراً أصيبوا بخيبة أمل مريرة. إنه لم يعرض الدم والعرق والدموع بالضبط، وإنما عرض المزيد من الحرب فقط، والتأكيد على أنه سيفوز. سوف يتم الإفراج عمن يصل عددهم إلى 7.000 سجين بمناسبة الاحتفال بذكرى تحرر سورية من الحكم الفرنسي قبل 67 عاماً -الأمر الذي يظهر كيف أن الكثير من السجناء ما يزالون يقبعون في سجون البلاد- لكن الأسد أراد التأكيد لشعبه على أن هذه كانت حرباً حقيقية، كما لو انهم لا يعرفون ذلك. ليست المسألة طائفية. وسائل الإعلام الأجنبية تروج كذبة: ان "الرئيس يتشبث بكرسيه ضد مجموعة من السكان الذين يريدون منه أن يذهب، لكن هذا ليس هو واقع الحال". ما تزال فرنسا تعتبر سورية كمستعمرة لها. الدول الغربية تريد من العرب أن يخضعوا لها. "لقد رأينا تدخلهم الإنساني في العراق، في ليبيا، والآن نراه في سورية".
لكنها كانت لدى الأسد وجهة نظر. إن لندن وباريس وواشنطن تحب المنفيين. وقد حاولنا في العراق، حقن المنفي الثري المروع أحمد الجلبي. ونحن نعرف جميعاً كم تبين أنه لا يمكن الاعتماد عليه. وتظاهرنا بأن مقاتلي الحرية في ليبيا كانوا محاربين هومريين، من باب المجاملة للضربات الجوية التي وجهها الناتو ضد القذافي، لكنهم أصبحوا يسيطرون الآن على إقطاعياتهم الإسلامية الصغيرة في بنغازي وطرابلس (بعد أن أنجزوا أمر التخلص من سفير الولايات المتحدة). ولو لم تكن الجزائر حليقاً موالياً لسورية أيضاً، لكان الأسد قد لفت إلى أن الفرنسيين سلموا مستعمرتهم للمنفيين الجزائريين الذين تجنبوا إلى حد كبير خوض حرب الاستقلال -والذين أنتجوا الدولة الاستبدادية الشرسة التي ذبحت أبناء شعبها في الصراع الإسلامي في حقبة التسعينيات، والتي ما تزال تشكل نظاماً فاسداً ومُفسداً إلى يومنا هذا.
ثم لدينا "المعارضة" السورية التي طالما ظلت موجودة، مع أطروحاتها الأخوية التي لا تنتهي، واقتتالها الداخلي الصبياني -ما الذي يظن الزعيم العزيز، معاذ الخطيب، أنه يفعله بحق السماء؟ هل استقال أم لم يستقل؟- وماذا عن تحالف هذه المعارضة مع نفس الجماعات المتفرعة من تنظيم القاعدة التي يفترض أنها مركز التيارات الجهادية في مالي؟ أتذكرون مالي؟ تلك كانت المركز لعودة الإرهاب العالمي في كانون الثاني (يناير). والآن، يفترض أن يكون مركز الإرهاب العالمي قد استقر في شمال سورية –وهو يقاتل إلى جانبـ(نا) ضد الأسد المكروه. ونحن الشجعان الغربيون قلقون، كما يفترض، من أن تسقط أسلحة بشار الكيميائية "في الأيدي الخطأ" –على افتراض أنها موجودة الآن في "اليد الصحيحة" (يد بشار الأسد)! ذلك يجعلنا نتساءل عمن هم الذين يكتبون خطابات الأسد. ألا يمكنهم فعل ما هو أفضل من تلك المقابلة العصبية المتوترة التي قدمها الأسد عشية يوم الاستقلال؟
لكننا ما نزال لا نفهم الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، سواء تلك التي نحب -قطر، المملكة العربية السعودية، والديمقراطيات المعروفة المحبة للحرية الأخرى الموالية للولايات المتحدة المُحبة- أو تلك التي نكرهها –مثل سورية وإيران، وربما عراق المستقبل (إذا لم يطيعوا أوامرنا)، ويحتمل أن تنضم مصر أيضاً (إلا إذا تولى الجيش مقاليد الأمور وأعاد البلاد إلى مثل ما كانت عليه أيام مبارك). لن أنسى أبداً اقتراح المعلق واسع المخيلة، دانيال بايبس، الذي قال إن ما كان يحتاجه العراق بعد صدام هو صعود "رجل قوي ديمقراطي التوجه". أليس هذا بالضبط هو من يمكن أن يدعي الأسد أنه يمثله؟
طوال الوقت، كنا راضين برؤية الدول العربية وهي تتحالف وتصطف ضد النظام السوري، وتدفع بالمزيد والمزيد من الأسلحة في الحرب -التي تصبح في الواقع، على عكس ما يقول الأسد، أكثر طائفية باطراد- حتى لو أن حركة النصرة الإسلامية أصبحت الآن الأقوى بما لا يُقاس من بقية فصائل المتمردين. ومع ذلك، فإننا نشعر بالغضب من احتمال أن تكون إيران وحزب الله اللبناني متورطين في نفس تلك الحرب -في حالة حزب الله، لا يوجد "ربما" حول هذا الموضوع. ويقال أن ما يصل إلى 40 من مقاتلي حزب الله لقوا حتفهم حتى الآن في الصراع السوري، ومعظمهم في القرى الشيعة اللبنانية على الجانب السوري من الحدود. وقد قتل خمسة على الأقل من مقاتلي حزب الله في منطقة القصير مؤخراً، ودفن أحدهم، أسعد علي أسعد، في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع -لدينا اسم هذه المرة، في حال اهتم شخص ما بإنكار القصة.
لكن تورط حزب الله يعتد به لأن إيران وحلفاءها هم أيضاً جزء من السبب في هذا النزاع. وتبقى الحقيقة، على الرغم من الأسد لم يذكرها -ولم يكن ليستطيع أن يذكرها- في خطابه يوم الاستقلال، هي أن إيران تمثل الهدف من الحرب السورية، وأن إسقاط الأسد هو جزء من خطتنا لتدمير حليفه الإيراني -تماماً مثلما كان جزءاً من خطة إسرائيل لتفكيك إيران من خلال قتال حزب الله في لبنان في العام 2006. وقد خسرت إسرائيل حربها. فهل سيخسر أعداء الأسد حربهم، أيضاً؟
إن لدينا، في لندن وباريس وواشنطن، عادة غريبة. إننا نعتقد بأن الطغاة الذين لا نحبهم سوف يذهبون فعلياً -"يتنحون"، "يسقطون"، يخسرون الحرب، وأيا كانت العبارة التي نرغب استخدامها- لمجرد أننا نريدهم أن يذهبوا. ألم يتم تدمير صدام؟ ألم تتم تصفية القذافي؟ ألم يذهب ميلوسيفيتش إلى لاهاي؟ كل ذلك صحيح. لكن ستالين عاش، ولو يبدو وضع كيم جونغ أون سيئاً كثيراً، أيضاً -ولو أن ذلك ربما نجم عن امتلاكه أسلحة نووية بالفعل، في مقابل إيران التي قد تكون -أو لا تكون- بصدد محاولة الحصول عليها، ولذلك تبقى على قائمة الأهداف الإسرائيلية-الأميركية. هاكم بعض الأخبار السيئة لخصوم الأسد.
في خطابه يوم الأربعاء، أتى الأسد على ذكر الجيش الحكومي السوري. لكن ما لم يشر إليه هو توسيع الجيش الأخير للمناطق التي يسيطر عليها. فقد استعاد جنوده الآن معظم داريا الثائرة، وهو يتقدم في داخل حرستا في ضواحي دمشق. كما قامت وحدات الأسد للتو بإعادة فتح الطريق السريع البالغ طوله 100 ميل، والمؤدي إلى طرطوس، وبالتالي اللاذقية -الذي كانت أغلقته المعارضة المسلحة منذ فترة طويلة. وللمرة الأولى منذ شهور، أصبح بوسع السوريين الآن الانتقال بالسيارة من دمشق إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. إن المتمردين الذين تعشقهم كثيراً دول حلف شمال الأطلسي يفقدون سيطرتهم في دمشق. نعم، قد يستطيعون استعادتها مرة أخرى. وربما يتم إغلاق الطريق المؤدية إلى اللاذقية مرة أخرى. حذار: إن هذه الحرب قد تستمر لعامين أو ثلاثة أو ربما أكثر. ولن يربح أحدا.
أما القوة التي ينبغي أن لا يستهان بها -إلا في حالة حدوث تمرد شامل ما- فهي الجيش السوري التابع لبشار الأسد. إنه متعب من الفساد. متعب من المحسوبية الحزبية. وقد أصبح شديد الغضب من أولئك الذين يلومونه على الحرب: ليس فقط تنظيم القاعدة، والنصرة، والمنشقين وحلف شمال الأطلسي، وإنما أيضاً أجهزة الاستخبارات التي أشعلت وحشيتها في درعا عود ثقاب الانتفاضة السورية. إنه يرد بالقتال في هذه اللحظة على أعداء الأسد. أما "رجال الدولة" الغربيون، والدبلوماسيون، و"المحللون" وجماعة المؤسسات الفكرية السخيفون الذين تعشقهم الشبكات كثيراً، فيحتمل كثيراً أن يضطروا الآن إلى شراء كرة كريستالية جديدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Robert Fisk: Beware wishful thinking. Assad isn’t going soon

[email protected]

التعليق