ردة فعل أميركا على تهديد كوريا الشمالية: سذاجة خطيرة

تم نشره في الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • عربة عسكرية كورية شمالية تحمل صاروخاً بالستياً متوسط المدى أثناء عرض عسكري - (أرشيفية)

جاي ليفكوفيتز*، وكرستيان وايتون*
– (الواشنطن بوست) 13/4/2013

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تكشف إدارة أوباما عن سذاجة خطيرة فيما يتعلق بالرد على سلوك كوريا الشمالية الاخير. ففي معرض ردهم على تهديد كوريا بمهاجمة الولايات المتحدة وحلفائها، وضع كبار مسؤولي الإدارة الخطوط العريضة لخطط بشأن "استجابة نوعية" محدودة. ومن الصعب تصور رسالة في غير محلها أكثر من ذلك ليتم إرسالها إلى بيونغ يانغ في هذه اللحظة التي يعوزها اليقين.
بالنسبة لنظام كوري شمالي يُعرف بسجله في تجاهل رفاه شعبه نفسه، فإن وعد الولايات المتحدة بالقيام بردة فعل محدودة على أي استفزاز عسكري إنما يرقى إلى تقديم دعوة لبيونغ يانغ لكي تضرب كوريا الجنوبية، واليابان، بل وحتى الولايات المتحدة نفسها -عندما تعرف أنها لن تواجه رد فعل انتقامي كبير، وإنما قد تواجه بدلاً من ذلك انتقاماً متواضعاً يمكن التعامل معه، وعلى قاعدة العين بالعين. وبما أن اقتصاد السوق الكوري الجنوبي الحيوي يعتمد بكثافة على التجارة الخارجية، فإن من الصعب تصور بيان سياسي يصدر عن واشنطن بحيث يكون أكثر إرباكاً لسول. هل هناك أي شك حيال أي من الدولتين، كوريا الشمالية أم الجنوبية، هي التي تستفيد أكثر من شن سلسلة من العمليات العسكرية المتكررة، وإنما منخفضة المستوى نسبياً: إطلاق صواريخ، إسقاط طائرة أو إغراق سفينة، بل وربما حتى القيام بتوغل صغير عبر المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين؟ وبدلاً من استخدام قوة الولايات المتحدة العسكرية في ردع كوريا الشمالية وثنيها عن اتخاذ أي من هذه الخطوات، سلم البيت الأبيض زمام المبادرة والتحكم في وتيرة التصعيد لبيونغ يانغ.
لعل التحدي الأول في فن الحكم هو الذي يتعلق باستيعاب منظور الدول كافة بالإضافة إلى المصالح ذات الصلة. وهنا، يكون التحدي الرئيس أمام استراتيجية الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية هو إدراك دور الصين. ويبدو الرئيس أوباما مغرماً بقول أن تهديدات كوريا الشمالية وغطرستها إنما "تعمق عزلتها فحسب". غير أنهما لا تفعلان شيئاً من ذلك. فعلى الرغم من التأكيدات على أن قيادة الصين تضيق ذرعاً بسلوك الدولة التابعة لها، تقول الحقائق قصة أخرى -قصة يمكن لكوريا الشمالية أن تستمر وفقها بالاعتماد على أكثر حلفائها أهمية. وفي نهاية اليوم، تفضل الصين وجود حاجز كوريا الشمالية، حتى لو كانت عائلة كيم مسؤولة فيها، على أي بديل آخر.
يزدهر النشاط الاقتصادي بين الدولتين باطراد. وقد نما الاستثمار الصيني في قطاع التعدين الكوري الشمالي باطراد: حيث تضاعفت الصادرات المعدنية إلى الصين أكثر من أربع مرات في الأعوام بين 2008 و2011. كما أن حجم التجارة بين البلدين تضاعف على الأقل خلال تلك الفترة، وربما وصل إلى 5 بليون دولار سنوياً. ويشكل ذلك هبة كبيرة لاقتصاد كوريا الشمالية، والتي تقدرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بما يتراوح بين 28 مليارا إلى 40 مليار دولار في المجموع. ويعتقد بعض الاقتصاديين بأن كوريا الشمالية تتمتع بفائض تجاري في العام 2011.
وقد استمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى بعد اختبار كوريا الشمالية النووي في شباط (فبراير) –وهو أمر يُفترض فيه أن يقلق بجين. ونقلت وسائل الإعلام الكورية الجنوبية الشهر الماضي أخباراً حول استثمار صيني كبير جديد في البنية التحتية في المنطقة الحدودية، والذي يهدف إلى تنشيط التجارة مع كوريا الشمالية. ويتضمن الاستثمار خططاً لبناء خمسة جسور جديدة إلى كوريا الشمالية.
الحقيقة أن بيونغ يانغ ليست معزولة عن الشريك الاقتصادي والأمني المخصوص الذي يهم أكثر ما يكون: الصين. وهي لم تدفع أي ثمن لقاء إغراق سفينة كورية جنوبية وقصف جزيرة كورية جنوبية في العام 2010. وبفضل أفكار البيت الأبيض الأخيرة، يستطيع نظام كيم استنتاج أن أي ردة فعل متحالفة على أي اعتداء ربما يفكر فيه سوف تكون محدودة. وبالإضافة إلى ذلك، ليس هناك أي دليل على أن كوريا الشمالية ستواجه اضطراباً اقتصادياً أو سياسياً -وهو الذي افترض خبراء واشنطن من كلا الحزبين أنه سيكون حتمياً بحيث يتجنبون الحاجة إلى وضع سياسة جدية للضغط على النظام من أجل تغيير سلوكه.
ينبغي على واشنطن وحلفائها إدراك حقيقة أن التهديدات النووية المستمرة من دول مثل كوريا الشمالية نادراً ما تستجيب للتصليحات السريعة أو الصفقات الكبرى. وبدلاً من ذلك، يجب على هؤلاء الحلفاء الجمع بين الردع العسكري والدفاع عن حقوق الإنسان كجزء من حل طويل المدى. ومن منظور عسكري، فإن إيضاح الولايات المتحدة -قبل إطلاق أي رصاصات- أنها سوف ترد بقدر متناسب، إنما يؤكد فقط على تردد الولايات المتحدة في منح حلفائنا في كوريا الشمالية واليابان الفائدة الكاملة من مظلتنا الأمنية.
لكن وضع قدر كاف من التركيز على الحقوق الإنسانية هو أمر ضروري أيضاً. وسوف تستفيد واشنطن وحلفاؤها جيداً من إعادة التأكيد الذي وضعوه على حقوق الإنسان وتفضيل التحول السياسي غير العنيف خلال العقد الأخير من الحرب الباردة. وبينما تشكل كوريا الشمالية بالكاد أرضاً خصبة لقيام حركة معارضة، يقول التاريخ إنه حتى في البيئات الخاضعة لمثل هذه السيطرة المحكمة، فإن البعض سوف يشكلون ذات يوم معارضة سياسية. لكنهم سوف يحتاجون إلى المساعدة.
سوف تقدم زيادة محدودة، وإنما ملموسة، في تأسيس وسائل الإعلام المستقلة التي تركز على كوريا الشمالية -وخاصة محطات إذاعية يديرها منشقون- مثل هذه الفرصة. وكان سيسلاف بيليكي، وهو منشق عن حقبة اضطهاد سابقة في بولندا الشوعية، قد كتب عن أهمية الإعلام الحر في كتابه الإرشادي، "المتآمر الصغير". وقال: "إن الصحف لا تقوم بنشر الأخبار فقط؛ إنها تشكل بالنسبة للعمل تحت الأرض أفضل مصدر للمعلومات والأموال والمواد. وتخدم الصحافة السرية كتدريب ميداني، حيث تدرب المبتدئين على تكنيكات" التنظيم، كما لاحظ. "إنها تعلمهم كيف يتأقلمون مع الخوف ويتغلبون عليه". وكانت أدوات الإعلام وأجهزة الانشقاق والمعارضة مختلفة حينذاك -وإنما ليس كثيراً إلى حد عدم إمكانية ترتيب جهد حديث بأدوات معتدلة.
هكذا فعلت بولندا تحت الحكم العسكري الشيوعي حتى تحررت في نهاية المطاف -خاصة مع الرياح الدافعة التي يوفرها الدعم السياسي شبه المتحد من العالم الحر، مصحوباً برادع عسكري مقنع. ويمكن أن يحدث الشيء نفسه في كوريا في زماننا هذا.

*جاي ليفكوفيتز: كان مبعوث الرئيس الرئيس جورج دبليو بوش الخاص في قضية حقوق الإنسان لكوريا الشمالية. كرستيان وايتون: كان نائب المبعوث، وهو مؤلف الكتاب القادم: "القوة الذكية: بين الدبلوماسية والحرب".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
U.S. response to North Korea is dangerously naïve

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق