الاقتصاد العالمي في غيبوبة ... وعلاجه عودة الأمل

تم نشره في الاثنين 22 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

بقلم: إبراهيم شكري دبدوب*
أردنا من خلال ندوة بنك الكويت الوطني السنوية هذا العام أن نقدم قراءة متكاملة حول الاقتصاد العالمي، من الولايات المتحدة الأميركية الى أوروبا فالصين، الى جانب أسواق الأسهم والسلع.
 فجاء اختيار الاسماء المشاركة على خمسة من الزملاء من اعضاء المجلس الاستشاري الدولي لبنك الكويت الوطني من ذوي المكانة العالمية المؤثرة، لكي يتحدث كل في اختصاصه: جوزيف اكرمان عن أوروبا، مارتن فيلدشتاين عن الولايات المتحدة الأميركية، بيل ردز عن الصين، محمد العريان عن الاسواق العالمية، وادوارد مورس عن اسواق النفط. اما الخلاصة الابرز التي خرجت بها الندوة فهي ان الاقتصاد العالمي منهك.
في الواقع، ان الاقتصاد العالمي هو أكثر من منهك، بل هو في غيبوبة، وما إجراءات البنوك المركزية حول العالم من برامج تيسيرية وضخ سيولة ضخمة إلا محاولات يائسة لإخراجه من هذه الحالة، مثلها مثل الجرعات الطبية الحادة التي يعطيها الاطباء لمريض في غيبوبة، فلا يظهر ردات فعل لها الا في بعض المؤشرات التي سرعان ما تعود وتخمد، من دون ان تنجح في إخراجه من غيبوبته.
 وبالنسبة للاقتصاد العالمي، تتمثل ردات الفعل هذه بالاسواق المالية التي تشهد ارتفاعات "غير محمودة"، كما وصفها محمد العريان، اذ انها ترتكز فقط على سيولة البنوك المركزية. اما المؤشرات الحيوية الاهم مثل معدلات النمو والبطالة، فتزداد مأساوية. وتكفي الاشارة الى ارتفاع معدلات البطالة لدى الشباب في أوروبا الى اكثر من 30 % لكي ندرك ان الامور لا تسير بالشكل الصحيح.
لكن ما الذي يمكن استنتاجه من هذا الواقع؟
اولاً، إن الأزمة مستمرة وممتدة: فالولايات المتحدة راكدة ومقيدة بحسابات سياسية بانتظار الانتخابات الرئاسية، وأوروبا تتخبط بغياب القرار الموحد لانقاذها. بالأمس انضمت قبرص الى قافلة الدول المفلسة، وغدا فرنسا قد ترفع الراية البيضاء، أما الصين، فتبقى أفضل حالاً نسبياً رغم ان تحدياتها، الداخلية قبل الخارجية، في تزايد.
وبالنتيجة، فإن معدلات البطالة ترتفع، والعجوزات المالية تتسع، التباينات بين التكتلات الاقتصادية المختلفة، وبين اعضاء التكتل الواحدة تتعمق.
ثانياً، ان الازمة قد تتجدد فصولاً: فالازمة لن تستمر بوتيرة واحدة، بل انها قد تتخذ اشكالاً لم نشهدها بعد، فبالاضافة الى الضغوطات الاجتماعية والسياسية والمتزايدة حول العالم نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وتشدد خطط التقشف الحكومية، هناك تخوف كبير من ارتفاع معدلات التضخم بوتيرة اسرع من المتوقع نتيجة السياسات النقدية التوسعية التي تتبناها البنوك المركزية والاجراءات التيسيرية التي تستمر باتخاذها (والتي لم يعد يصح وصفها بالاستثنائية لتكرارها).
 واذا ما بدأت الضغوط التضخمية بالظهور قبل ان يتعافى النمو الاقتصادي وتتراجع معدلات البطالة، وقبل ان تسيطر الحكومات على عجوزاتها المالية، فقد نشهد فصلاً جديداً من فصول الأزمة قد نتناوله ربما في ندوة بنك الكويت الوطني المقبلة في العام المقبل.
ثالثاً، والاهم في رأيي، هو تبدد الامل، ليس على مستوى المحللين وعموم المواطنين فحسب، بل على مستوى صناع القرار والقادة السياسيين ايضاً، اذ بعد نحو ست سنوات، لم يفلح القادة السياسيون حول العالم في عكس مسار الازمة، بل الأسوأ من ذلك، انهم لم يفلحوا حتى في ايجاد ارضية مشتركة لمناقشة تطورات الازمة ومحاولة مواجهتها.
 ففي الولايات المتحدة الأميركية، بات الكثيرون مقتنعين ان لا جديد متوقعاً قبل الانتخابات الرئاسية، او حتى بعدها اذا لم يحصل اي حزب على اغلبية على حساب الآخر.
وفي اوروبا، فقد بعث السياسيون رسالة خاطئة الى العالم في كيفية معالجتهم ازمة قبرص؛ اذ صحيح ان الاقتصاد القبرصي صغير وغير مؤثر على مسار الوحدة الاوروبية، لكن عدم انقاذ هذا الاقتصاد الصغير قد فتح باب التساؤلات وعزز الشكوك حول نية الاتحاد الاوروبي وقدرته على انقاذ اقتصادات اكبر حجماً وأكثر تأثيراً مثل اسبانيا وايطاليا واليونان، وربما غدا فرنسا.
كما ان الجهود الرامية الى الحفاظ على الوحدة النقدية قد تحولت، في ظل غياب القرار الموحد والجاد، الى مساع مضنية للحفاظ على ما تبقى من هذه الوحدة، فيما تتوسع دائرة الدول المفلسة التي بات هذا النقاش لا يعنيها اصلاً. واذا ما استمرت الامور على هذا المنوال، فقد لا تجد المانيا من تناقشه في اهمية هذه الوحدة، فيما الدول الاخرى غارقة في عزلتها وهمومها.
لا شك في انني اتناول هنا السيناريو الاسوأ والاكثر تشاؤماً، لكنني ارى ان الوحدة الاوروبية تسير في الاتجاه المعاكس: من واقع اختبرته اوروبا منذ معاهدة ماستريخت الى مفهوم وفكرة مجردة عن الواقع. لان نقاشات السياسيين وخلافاتهم باتت معزولة أكثر فأكثر عن هموم الشارع في ظل ارتفاع معدلات البطالة وغياب الامل؛ اذ هل يسأل المواطن العاطل عن العمل، في اي بلد كان، ما العملة التي سيقبض بها دخله، اذا كان هذا الدخل قد توقف اصلا؟.
في رأيي، ان ما يحتاجه الاقتصاد العالمي اليوم هو عودة الامل. وهذا لا يأتي الا باظهار القادة التزاماً جدياً بالعمل على وضع الحلول والخروج من الازمة، وليس فض اليدين واخلاء الساحة للبنوك المركزية التي تبين عجزها عن مواجهة الامور لوحدها.
 باختصار، على الولايات المتحدة الاميركية ان تخرج الاقتصاد عن مسار الحسابات الانتخابية. وعلى الصين ان تشارك في جهود انقاذ الاقتصاد العالمي بما يعكس وزنها في هذا الاقتصاد. واخيراً، على اوروبا ان تحيد خلافاتها وتعمل على إنقاذ اليورو، لأني أوافق زميلي جوزيف اكرمان قوله ان تكلفة انهيار اليورو أعلى كثيراً من تكلفة انقاذه.


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني
*عضو مجلس ادارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون وودز العالمية في واشنطن

التعليق