هل يتبلور تفاهم روسي أميركي على سورية؟

تم نشره في الاثنين 11 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً



تسفي مغين

نشهد مؤخرا سلسلة من الاتصالات المكثفة جدا في موضوع سورية، تجري في الساحة الدولية. وهذا يتضمن لقاءات للمحافل الغربية مع المعارضة السورية؛ اتصالات روسية مع النظام السوري (بما في ذلك زيارة وزير الخارجية السوري معلم الى روسيا) ومع زعماء المعارضة السورية؛ سلسلة اتصالات أميركية – روسية على مستوى عال، بما في ذلك لقاء وزير الخارجية الروسي، لافروف، مع وزير الخارجية الاميركي الجديد، كيري، وتوقع للقاء قريب بين الرئيسين، بوتين واوباما، اللذين تحدثا مؤخرا هاتفيا؛ نشر الرسائل عن أن الطرفين يعملان على دفع تسوية في سورية؛ وكذلك قرارات أميركية جديدة بشأن تعاون مضبوط مع المعارضة السورية.
الوضع على الارض في سورية، بقي بلا تغيير واضح للعيان ويتميز، رغم تبادل الضربات، بوضع الجمود. وكنتيجة لذلك، تظهر بعض التغييرات في الامزجة ويتعاظم توقع الطرفين بتصعيد التدخل الخارجي بهدف ايجاد حل.
وفي ظل ذلك، تواصل روسيا سياستها المعروفة، التي تمنح المساعدة الامنية والعسكرية، وان كانت المنضبطة، لنظام الاسد. ويضاف الى مساعي عزل ساحة العمل، التي تتخذها روسيا، كأداة نفوذ اساسية، يضاف في الاسابيع الاخيرة التواجد الكبير للاسطول الروسي امام شواطئ سورية، مترافقا مع الرسائل بان الحديث يدور الان عن انتشار دائم في هذه المنطقة، مما يسند النوايا طويلة المدى لروسيا في الشرق الاوسط. ويذكر أن روسيا تقف الان ليس فقط خلف النظام السوري بل وتسند المحور الشيعي بشكل عام (ايران، سورية وحزب الله). وهكذا، تصد روسيا عمليا، التحدي السني، المسنود، برأيها، من الغرب، والذي يصطدم مع المنظومة الشيعية ويهدد بالمكانة الاقليمية لروسيا وفي نظرها – ايضا امنها القومي. هذه السياسة الاقليمية الروسية، التي تطبق منذ نحو سنة ونصف، تستهدف استغلال الازمة السورية لتحقيق اهدافها: 1. تلك الاقليمية، في مساعيها لتعطيل ميل ابعاد روسيا عن منطقة الشرق الاوسط من قبل المحور السني – الغربي و2. تلك العالمية، عقب تحول الازمة السورية الى رافعة ضغط على الولايات المتحدة لتحقيق مسائل حيوية لروسيا. وفي هذا السياق يشار الى أن علاقات البلدين تفاقمت في الفترة الاخيرة عندما لم يتبقَ من التفاهمات التي بنيت في حينه في اطار سياسة اعادة البدء (RESET)، الكثير.  فقد شعرت روسيا الان بان الناتو يتحداها في مناطق مصالحها الحيوية، التي تقلقها (وابرزها: الميل المتجدد للناتو لنصب منظومة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية في شرق اوروبا).
ولكن استخدام الرافعة السورية وان كانت ثبتت نجاعتها بالنسبة لاطالة ايام نظام الاسد، فانها لم تنجح، على الاقل حتى وقت اخير مضى في تحقيق النفوذ المرغوب فيه لروسيا على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. يبدو أن هذه الاعتبارات وغيرها تقف خلف النشاط الروسي المتجدد في الساحة الدولية وفي الشرق الاوسط بشكل خاص، في مسعى مكثف لاخراج حلول جديدة لوضع آخذ في التعقد. ومن الجهة الاخرى، فانه يمكن ملاحظة بعض التغييرات في السياسة الخارجية الاميركية، بما في ذلك في الجبهة السورية ايضا. وتعود خلفية هذه التغييرات الى تجمع عدة عوامل مؤثرة، ترتبط في ما بينها، اغلب الظن: اعادة النظر في جوانب السياسة الخارجية في الولاية الرئاسية الثانية للرئيس اوباما؛ خيبة أمل في ضوء التطورات السلبية في سورية، سواء في السياق المباشر لاثار الحرب المتواصلة الى ما هو أكثر مما كان متوقعا أم بالنسبة للتأثير الهدام للتدخل الروسي في الساحة السورية وكذا في الساحة الشيعية؛ كما ان تغير طبيعة المعارضة السورية، والذي يشير الى ميل اسلامي متعاظم، لم يغب عن هذه القائمة.
معقول ألا تكون هذه الاعتبارات وأمثالها، غير الخفية عن العين، كانت، أغلب الظن، خلف جولة الاتصالات المتجددة بين الولايات المتحدة وروسيا. وفي هذا الاطار تجري سلسلة اتصالات على مستوى عال ذكرت آنفا ومن غير المستبعد ان يكون الحديث بالفعل يدور عن نية حقيقية لتحقيق تفاهمات بين الروس والاميركيين بالنسبة لمستقبل النظام السوري . ومع أنه لا يوجد يقين بان الطرفين توصلا منذ الان الى تفاهمات نهائية، الا أنه يبدو أن نبرة التعاطي مع الموضوع والنشاطات على الارض على حد سواء (مثل القرارات الجديدة التي اتخذت في الولايات المتحدة بالنسبة للمساعدة المضبوطة للمعارضة السورية، ممكنة بالتنسيق مع الروس) تعكس تغييرات في نهج الطرفين. على اي حال، لا تلغي المحافل الروسية الان امكانية سبق أن رفضت تماما حتى وقت اخير مضى ان توجد صيغة لمغادرة الاسد واقامة حكومة جديدة تشرق فيه ايضا محافل المعارضة ومحافل معتدلة في الحكم الحالي. وبالطبع فان الامر يفترض ليس فقط التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة بل وايضا تفاهم اللاعبين الاخرين في الساحة السورية كثيرة الرواسب.
ولكن واضح أن تنازلات روسيا للأميركيين في سوريا، اذا ما تحققت، لن تتم الا مقابل تنازلات أميركية في مسائل اخرى هامة للروس. يمكن الاشارة الى سلسلة طويلة من المواضيع، اساسها مثابة عودة الى خطة "اعادة البدء". بينها مسائل تتعلق باعادة انتشار اميركي في المجال الاوروبي – الاسيوي الذي هو ذو آثار جغرافية سياسية بالنسبة للروس. والموضوع الاكثر حديثا في هذا السياق هو نصب منظومة الدفاع ضد الصواريخ في شرق اوروبا (BMD). اما اذا لم توجد التسوية بالنسبة لسورية في جولة الاتصالات الحالية، فان الرسالة الروسية حول سيرها حتى النهاية، وعلى رأس ذلك الاستعداد لتفكيك الدولة – سارية المفعول.
بالتوازي مع النشاط في الموضوع السوري، يحاول الروس مؤخرا المضي قدما في الفعل في قنوات اخرى في الشرق الاوسط. وفي هذا الاطار يجدر بالذكر مسألة النووي الايراني، وان كانت تترافق وخلاف أميركي – روسي متواصل، في ضوء الموقف العدمي لروسيا في هذا الموضوع؛ تتضح اتصالات مع دول المنطقة وفيها تفحص صفقات مع قطر والبحرين؛ ومؤخرا يبرز الاهتمام الروسي المتجدد باحياء القناة الإسرائيلية - الفلسطينية، التي يجد فيها افتراض بان استئناف المفاوضات سيمنحهم مكاسب مرغوب فيها. كل هذا يدل على ان روسيا ما تزال بعيدة عن التخلي عن مكانتها الاقليمية.
وختاما، مع أنه لا توجد بعد اي ثقة بالنسبة للوصول الى عمق التعادل بالنسبة لمستقبل سورية، يبدو أنه طرأت صحوة بل وربما تقدم في هذا الموضوع على الاقل بالنسبة للحوار الذي بين القوى العظمى المشاركة. وبالطبع، ما يزال من السابق لاوانه التنبؤ بالنسبة للتطورات المرتقبة في الساحة السورية المضطربة، حيث أن هناك حتى الروس يقفون مؤخرا عديمي الحيلة. غير أنه ينشأ الاحساس بان الموضوع نضج الى مرحلة استعداد اللاعبين الخارجيين، روسيا واساسا الولايات المتحدة لدمج جهودهم بحثا عن مخرج من المتاهة. واذا ما حصل هذا، وعلى فرض أن الاحداث في سورية لن تخرج عن نطاق السيطرة، فان هذا يعد انجازا لا بأس به لروسيا التي تمكنت من استغلال الازمة السورية، في ظل ادارة لعبة مركبة على "اللوحة الاقليمية" والتي الجائزة فيها يمكن ان تكون التسوية لبقائها في المنطقة حتى بعد تغيير النظام السوري، اضافة الى التعويضات في الساحة العالمية في موضوع الـ BMD أو موضوع آخر.

التعليق