"اتفاقية سيداو" للقضاء على التمييز ضد المرأة ما تزال تثير جدلا محليا

تم نشره في الجمعة 8 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • "اتفاقية سيداو" للقضاء على التمييز ضد المرأة ما تزال تثير جدلا محليا

تغريد السعايدة

عمان-  في خضم الاحتفالية العالمية بيوم المرأة العالمي، هناك العديد من المظاهر التي تبرز اهتمام المجتمعات بالمرأة، فيما تتحدث أخرى عن الصورة القاتمة لوضع المرأة، وعدم حصولها على حقوقها. ومن بين الأمور التي كَثُر الحديث عنها مؤخراً بنود اتفاقية "سيداو" الدولية التي تعقد جلستها الجديدة في الفترة بين 4-15 آذار (مارس) 2013، لمناقشة وثيقة بعنوان: "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات".
اختلفت وجهات النظر حول بنود الاتفاقية، بين معارض ومؤيد، في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية؛ حيث يرى بعض المهتمين بشؤون المرأة أن هذه البنود تحمل في طياتها "أموراً منافية للأخلاق والشرائع السماوية، وخصوصا في ديننا الإسلامي"، مع إقرارهم أن بقية بنود الاتفاقية إيجابية، وهي فعلياً موجودة في شريعتنا، وتوازي بين الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة".
وفي هذا السياق، أكد المحامي والأكاديمي القانوني، الدكتور محمد أبوهزيم، في حديثه لـ"الغد"، "أن حق المرأة في المساواة، والواجبات على المستويين العالمي والمحلي مطلب قانوني ومجتمعي، تحقق منه الكثير نتيجة المطالبات المتجددة والمتراكمة عبر مرحلة تاريخية طويلة". ففي خلال هذه المرحلة من نضال المرأة من أجل تحقيق المزيد من العدالة والمساواة بين الجنسين، تبنت المنظمة الدولية اتفاقية "سيداو".
ويوضح أبوهزيم أن رسالة الإسلام فيما يتعلق بحقوق المرأة جاءت واضحة من خلال الرسول محمد عليه السلام الذي أكد تكريم المرأة، في حديثه الشريف "استوصوا بالنساء خيراً"، وهو ما يعني أن الإسلام اهتم بالمرأة، والشواهد كثيرة على ذلك. إلا أن حقوقاً كثيرة ما تزال مدار حديث المجتمعات المعاصرة، ومن ضمنها ما تدور مناقشته في "سيداو" التي أرادت الأمم المتحدة من خلالها إعطاء هذه الاتفاقية الحماية القانونية الملزمة، وتعميمها على الدول كافة.
غير أن أبوهزيم يبين أنه لا يمكن الأخذ باتفاقية "سيداو" جملة وتفصيلا، أي بصيغتها الكاملة، في كل موادها، رغم وجود نصوص إيجابية فيها تدعو إلى كفالة حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منوهاً إلى أن "الاتفاقية التي تتصف بالوجاهة لا يمكن تطبيق بعض بنودها في مجتمعنا العربي والإسلامي على العموم، بسبب الخصوصية المجتمعية والدينية لدينا، والتي تتميز بها عن المجتمعات الغربية".
ويقول أبوهزيم "نحن نتفق على مبدأ المساواة والعدالة بين الجنسين، لكن بشرط أن لا يتعارض ذلك مع الدين والعادات والتقاليد السليمة والقوانين المتبعة في البلاد، وخصوصا فيما يتصل بالبنود الواقعة ضمن المواد 9 و15 و16 من الاتفاقية، لأنها مثار جدال وخلاف كبيرين".
أمينة سر تجمع لجان المرأة الوطني الأردني، الدكتورة مي أبوالسمن، ترى أن الاعتراض على الاتفاقية بجميع بنودها، ليس بالشيء المبرر؛ إذ إنها اتفاقية دولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، منذ العام 1979، والأردن صادق عليها منذ العام 1992. وتؤكد أبوالسمن أيضا أن الأردن "أخذ بعين الاعتبار بعض مواد الاتفاقية التي تخالف الشريعة والدين، والتحفظ عليها، وخصوصا البنود الواقعة ضمن المواد 9 و15 و16".
وتشير أبوالسمن إلى أن بعض الظروف السياسية التي تحيط بالمنطقة قد تكون سبباً مقنعاً للتحفظ على بعض بنود الاتفاقية، وخصوصا المادة رقم 9 المتعلقة بالجنسية المكتسبة للمرأة، مؤكدةً أن المنظمات النسائية في المملكة لا تقف ضد المرأة في هذا التحفظ، بل إنها على العكس من ذلك، ترى أن ذلك يحد من مدى وخطورة المشروع الذي يهدف في النهاية إلى "التوطين وإيجاد الوطن البديل".
أما فيما يخص الفقرة الرابعة من المادة 15، والتي تتعلق بالسكن والمساواة بين الرجل والمرأة في الأهلية القانونية، وقوانين السفر والإقامة، فقد عمدت الأردن مؤخراً إلى رفع التحفظ على هذه المادة، ما أدى إلى "استنفار بعض الجهات التي تناهض الاتفاقية بجميع بنودها، لإقرارها بمخالفتها للشريعة الإسلامية"، مبررةً ذلك بأنه يتعارض والدين الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى، يتعارض مع قانون الأحوال الشخصية الأردني، في مادته (36).
وتؤكد أبوالسمن أن الأردن ما يزال مستمراً في تحفظه على بعض المواد، مثل المادتين التاسعة والسادسة عشرة، المتعلقتين بقوانين الأسرة، والحياة الزوجية، والتي تتنافى مع ديننا الحنيف. بيد أن بنود الاتفاقية لا تعد جميعها منافية للدين والأخلاق، كما يدعي البعض؛ إذ إن المواد التي تدعو إلى حماية حقوق المرأة الواردة في الاتفاقية "تندرج فعلياً ضمن شريعتنا الإسلامية وتنطلق منه، أما التمييز فهو يأتي من المجتمع، ومن الفكر المتجمد، والمحاصر بفترة زمنية تحمل فكراً متخلفا ضد المرأة".
وتدعو أبوالسمن إلى ضرورة المشاركة في الاتفاقية، وتأكيد القوانين التي تكفل للمرأة حقوقها. "ولنا حق التحفظ على ما يخالف قيمنا وديننا، والمحافظة على حياتنا السوية، القائمة على الأسرة". وترى أبوالسمن أن عدم التوقيع على مثل تلك الاتفاقيات الدولية "ليس في صالحنا".
من جانبه، أكد مفيد سرحان؛ مدير جمعية العفاف الأردنية التي أطلقت مؤخراً تصريحات "شديدة اللهجة" مناهضة لاتفاقية سيداو "أن الاتفاقية تتضمن الكثير من السلبيات؛ ومنها مفهوم المساواة المطلقة، والتماثل التام بين الرجل والمرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والقانونية وغيرها". ويرى في هذه الاتفاقية صورة مشحونة بالعداء بين الرجل والمرأة، تنمي روح الفردية، وتنظر إلى المرأة باعتبارها فرداً مستقلاً وليس عضواً في أسرة، أو جزءا من مجتمع. وتتحدث عن الحقوق وتغفل الواجبات، كما تتجاهل الاختلافات الفسيولوجية بين الجنسين، وتدعو للقضاء على ما تسميه بالأدوار النمطية للمرأة.
ويرى سرحان أنه و"رغم أن الاتفاقية تحوي نقاطاً إيجابية في تقرير بعض حقوق المرأة، وتطويرها، إلا أنها تتصادم في بعض موادها ليس فقط مع الدين الإسلامي"، الذي هو دين الدولة الأردنية، ومصدر تشريعاتها فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية وشؤون الأسرة، المتناغمة مع الفطرة البشرية وثوابت ثقافة الأمة العربية والإسلامية. وهو ما لا يتلاءم مع الاتفاقية التي اعتبرت ملزمة للدول الموقعة، الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
ويتساءل سرحان عن معنى الإصرار على تجاوز الرأي الشرعي، وعدم الالتفات إلى فتوى مجلس الإفتاء، ورأي العلماء. ويرى أن "الحديث عن التزام الأردن بالتنفيذ الكامل لاتفاقية "سيداو" هو تجاوز للرأي الشرعي، المتمثل في قرار مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية، والذي رفض كل ما جاء مخالفا للشريعة الإسلامية في الاتفاقية، ولا يجوز العمل به".
ويرى سرحان أن اعتماد اتفاقيات على هذا القدر من الخطورة لا يجب أن يكون بمنطق القوة، والإجبار أو الرضوخ لما يسمى بقرارات المجتمع الدولي"، وأن من الواجب أن يسبق اعتمادها "مخاض طويل يقوده علماء الأمة في كل الميادين الفقهية والتشريعية والسياسية والاجتماعية، لإقرار ما يصلح للتنفيذ وما يجب رفضه".
وكان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قد طالب الأمم المتحدة بـ"احترام التنوع الديني والقيم الإسلامية في الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل وغيرهما"، مؤكداً في الوقت ذاته رفضه العنف ضد المرأة، مع مطالبته الدول الإسلامية باتخاذ موقف موحد حول هذه الوثائق، وذلك من خلال بيان رسمي أصدره الاتحاد برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي.

التعليق