ما الذي جلبته حرب بوش على العراق؟

تم نشره في الجمعة 22 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً
  • يافطة احتجاج على الحرب ضد العراق، سقطت من المتظاهرين في لندن عام 2003 - (أرشيفية)

عادل اي. شامو - (ميدل إيست أونلاين) 12/2/2013
تشير كل المؤشرات إلى أن ثمة حرباً طائفية أهلية تلوح في الأفق العراقي. ومع أن من الممكن تجنب اندلاع هذه الحرب الأهلية، فإن قادة البلد لا يبدون حتى الساعة رغبة في التوصل إلى تسوية، فيما تظهر الأطراف الخارجية القليل من الاهتمام بالحيلولة دون اندلاع هذه الحرب.
وفي الحقيقة، يجب الاهتمام أكثر مما يفعلون: فإذا لم يتم حل الأزمة، فتصب حرب أهلية دامية في العراق الوقود على زيت الصراع المتصاعد بين السنة والشيعة في عموم الشرق الأوسط -راهناً في سورية ولبنان- مع احتمال امتداده إلى بلدان أخرى، وفتح المجال أمام المتطرفين للاستفادة من الحريق الهائل.
بطبيعة الحال، كان احتلال الولايات المتحدة للعراق لمدة ثمانية أعوام هو الذي أطلق هذا الاحتكاك بين السنة والشيعة، هذا الجحيم الكامن تحت السطح والذي يجعل العراقيين يقتلون بعضهم بعضا. ووفق الإحصاء الخاص بالقتلى في العراق، فإن نحو 4505 عراقيين ماتوا جراء أعمال العنف في العام 2012 -سقط 409 منهم في شهر رمضان وحده.
سيقول العديدون إن هذه هي حرب أهلية أصلاً، حيث ثمة مجموعات متعددة تنفذ هجمات انتحارية وتفجيرات واغتيالات مباشرة يومياً. ولا يعرف أحد على وجه التأكيد من المسؤول في معظم الحالات، لكن اللوم يتوجه بشكل ثابت إلى القاعدة والمتشددين السنة وفلول البعثيين والمقاتلين الطائفيين والثوار القوميين.
على المستوى السياسي، تسود فوضى عارمة. فرئيس العراق، جلال طالباني، يعاني صحة متدهورة من آثار جلطة دماغية، ويمضي فترة نقاهة في ألمانيا. وطالباني شخص معتدل وكردي كان دائماً شخصية توحيدية في موضوع العلاقة الكردية مع السلطة المركزية في العراق. وتستجمع العديد من الفصائل العزم وتستعد لخوض نضال من أجل استبداله في غمرة توترات خطيرة بين الشمال المتمتع بحكم شبه ذاتي وبين بغداد.
وفي الأثناء، يقوم رئيس الوزراء نوري المالكي بمطاردة معارضيه، بمن فيهم نائب الرئيس، طارق الهاشمي. وكان السياسي السني قد اتهم بالإرهاب في العام 2011 عندما توجه اتهام إلى ثلاثة من حراسه الشخصيين بالقتل وارتكاب أعمال تعذيب فيما افترض أنه تنفيذ لأوامر من الهاشمي. وكان الهاشمي قد هرب في البداية إلى كردستان. وفي أيلول (سبتمبر) من العام 2012 حكمت عليه محكمة عراقية غيابياً بالإعدام. وهو يقيم الآن في تركياً حيث هو في مأمن من الإبعاد إلى بغداد، كما يتردد.
وبالإضافة إلى ذلك، وفي شهر كانون الأول (ديسمبر)، قامت قوات الأمن التابعة للمالكي بمداهمة منزل ومكاتب وزير ماليته السني، رافع العيساوي، واعتقلت عشرة من حرسه الشخصي بتهم الإرهاب. وكان العيساوي قد اتهم في السابق بأن له روابط مع الإرهاب، لكنها لم تعرض أي حجة تدل على ذلك.
منذ ارتقائه إلى السلطة، تولى المالكي السيطرة الكاملة على القوات الأمنية في البلد من خلال الأوامر التنفيذية. وكانت هذه السيطرة هي تذكرة المالكي لضمان استدامته الشخصية وكذلك استدامة الحكومة. لكن نظامه ظل يتهم منذئذ بتعذيب السجناء وبارتكاب انتهاكات أخرى من النوع الذي كان يُنسب في السابق لسلفه في الحكم، صدام حسين. وقد ولد ذلك معارضة ترغب راهناً في فعل أي شيء لإسقاطه، بما في ذلك الإرهاب، مكرسة المزيد من العنف الطائفي والقلاقل.
وكان الكثير من بذور هذا الصراع قد نثر في الدستور الذي كتبته الولايات المتحدة، والقوانين العراقية الجديدة التي يعمل المالكي بمقتضاها الآن. فمثلاً، أسس الدستور لفصل الأكراد والشيعة والسنة وتقسيم العوائد النفطية (وهو مصدر متواصل للتوتر ينبغي حله).
وبالإضافة إلى ذلك، ساعدت الولايات المتحدة على تشكيل وكالة الاستخبارات القومية التي كانت ترفع في ظل الاحتلال تقاريرها لوكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه). والآن، ترفع وكالة الاستخبارات القومية تقاريرها للمالكي.
وفي الأثناء، ينتظر في الأروقة إياد علاوي، رئيس ائتلاف العراقية وحبيب السي أي إيه. وهو يسعى إلى تشكيل حكومته الخاصة، نظراً إلى أن كتلته "العراقية" تتوافر على دعم واسع باعتبارها أضخم كتلة فائزة في الانتخابات البرلمانية في العام 2010. ومن جهتهم، يستفيد الأكراد أيضاً من الحكومة الضعيفة وغير المستقرة لرفع سقف مطالبهم الخاصة بالحكم الذاتي -بما في ذلك الوصول النظيف والسيطرة على كل العوائد النفطية في الأراضي الكردية.
وفي الأسابيع الأخيرة، طالبت التظاهرات الضخمة التي تنظم بين فترة وأخرى في عموم المناطق السنية في بغداد وفي مدن الرمادي والموصل وسامراء وتكريت بتحسين ظروف المعيشة ووضع حد للتفرقة التي تمارسها الحكومة ضد البعثيين السابقين، وإلغاء قوانين إبعاد حزب البعث عن وظائف الدولة.
وطالب صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء السني، في ترديد لأصداء آخرين، باستقالة حكومة نوري المالكي. وكان رئيس مجلس النواب، السني أيضاً، أسامة النجيفي، قد دعا في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي إلى إصدار قانون عفو للإفراج عن السنة المحتجزين بتهم يرى السنة أنها تهم تمييزية بالإرهاب.
ودعا رئيس الوزراء، عندما أفرج عن بعض السجينات، إلى توقف المظاهرات خدمة للأمن القومي. ويتعزز موقفه عبر مظاهرات مضادة تطالب بالحفاظ على الوضع الراهن، وتعرب مباشرة عن مخاوف من أي عودة بعثية للسلطة.
وكانت قد واتت المالكي فرصة تاريخية في توحيد العراق والتقدم به أماماً من الناحية الاقتصادية. وربما ما يزال لديه متسع من الوقت، لكنه يجب عليه أن يبدأ من خلال إنهاء العنف وتغيير سياساته الخاصة، بما في ذلك استخدام الطرق السلطوية وغير الديمقراطية في الحكم. فقد عاني العراقيون الكثير.
لكن رجلاً بمفرده لا يستطيع تحويل كامل المشهد. أولاً، يحتاج علاوي إلى تعليق رغبته الجارفة في أن يصبح رئيساً للوزراء. ويحتاج الآخرون -من قادة الأكراد والسنة والشيعة مثل مقتدى الصدر، إلى التعاون جدياً مع الحكومة خدمة للوحدة الوطنية. إن العملية تحتاج إلى جهود هرقلية جبارة لوقف العراق عن الانزلاق إلى أتون حرب أهلية.


*زميل مشارك في معهد دراسات السياسة، ومحلل رفيع في "فورين بوليسي إن فوكس،" ومؤلف "القيمة المتساوية: متى ستنعم الإنسانية بالسلام".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان What Bush’s War on Iraq wrought

التعليق