أين اختفت المشكلة السكانية؟

تم نشره في الخميس 14 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

هآرتس

دمتري شومسكي

بيّنت نتائج الانتخابات فوق كل شك ان أكثر الإسرائيليين لا يخشون "الدولة ذات القوميتين". وبرغم ان ميرتس ضاعفت قوتها وإن جملة مواقع "احزاب التقسيم" في الخريطة السياسية أصبحت أكثر هامشية مما كانت في الماضي وذلك في الأساس بسبب تحطم كديما وانجاز متواضع جدا لوريثتها "الحركة" التي جعلت هدفها كسلفها انقاذ الأكثرية اليهودية في دولة إسرائيل بالفصل السياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
يُسأل اذا سؤال لماذا لا يتأثر أكثر الإسرائيليين بالأعداد التي يلوح بها خبراء السكان من مُحصي العرب عندنا مرة بعد اخرى في رعب؟ ولماذا لا تكفي خطابة التهديد السكاني لاقناع الجمهور بالحاح التسوية السياسية؟.
ليس جواب هذه الاسئلة معقدا. فالحقيقة هي ان الإسرائيليين في أكثرهم شديدو التنبه للتهديدات السكانية بيد أنهم يعتقدون ان أنجع طريقة لمواجهة "المشكلة السكانية" الفلسطينية هي الحفاظ على الوضع الراهن. وسيشعر مصوتو الليكود بيتنا أو البيت اليهودي بالاهانة اذا اتهموهم بعدم الاكتراث السكاني. لأن استمرار القمع والسجن واستعباد شعب آخر، الذي تدفع به احزاب اليمين قدما، يرمي إلى تحطيم روح الشعب المضطهد والمسجون والمستعبد إلى أن يدرك قدر أكبر من أبنائه أن البحث عن بلد آخر تحت الشمس أولى بهم.
يجوز لنا ان نفترض ان ساسة وعاملين في الحياة العامة كثيرين من أنصار فكرة الدولتين يتبنون لغة التهديدات السكانية عن بواعث تكتيكية وعن أمل إلى ان يحشدوا إلى جانبهم أكبر عدد من المواطنين المهتمين بمستقبل الأكثرية اليهودية. لكن الخطاب السكاني سيف ذو حدين. وفي حين يرسم سيناريوهات رعب التضاؤل الدائم لعدد السكان اليهود بين نهر الاردن والبحر يُعمق هذا الخطاب عند الجمهور اليهودي الشعور بالخوف والعداء للشعب الفلسطيني. وهذه المشاعر من جهتها تُغذي قوة الجهات السياسية القومية اليمينية، التي تقترح الاستمرار في تطوير الوسائل الموجودة لمضاءلة عدد السكان الفلسطينيين الذين أخذوا يزدادون في ظروف الاحتلال.
ينبغي اذا الدفع قدما بتقسيم البلاد إلى دولتين للشعبين لا بمثابة اجراء لابعاد أكبر عدد من الفلسطينيين عن نواظر اليهود – وهو ما تُقدمه أصلا سياسة الاحتلال الحالية – بل باعتباره واحدا من الطرق الممكنة لتحقيق مبدأ المساواة في الحقوق القومية بين اليهود والفلسطينيين بين نهر الاردن والبحر. فمبدأ المساواة في الحقوق القومية بين الشعوب المختلفة الذي كان هاديا يهدي الايديولوجية الصهيونية على اختلافها في عصر كانت فيه الصهيونية هي الحركة القومية للشعب المضطهد، ليس مفهوما من تلقاء نفسه لليهود الإسرائيليين في عصر الدولة القومية للشعب الذي جرب ابادة جماعية على مرأى ومسمع من أمم العالم غير المبالية. واذا كان المبدأ الأساسي الاخلاقي للشعور القومي الصهيوني قبل المحرقة يقول ان اليهود مثل كل شعب آخر ذوو حق في تقرير المصير فقد جرى على الاخلاق القومية الصهيونية بعد المحرقة تحول عام بحيث أصبح يقول ان لليهود كالشعوب الاخرى ايضا حقا في سلب شعوب اخرى حقوقها.
حان وقت اصلاح الامور المقلوبة الاخلاقية القومية هذه. وينبغي ان نستبدل بالمنطق المعوج لـ "التساوي في الحقوق" في كل ما يتعلق بالاضطهاد بين الشعوب، الولاء من جديد لمبادئ التساوي في الحقوق القومية بين الشعوب.

التعليق