الأسد في دار الأوبرا: نقطة اللاعودة أم نقطة تحول؟

تم نشره في الأربعاء 16 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

فرانكلين لامب - (كاونتربنتش) 7/1/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

دمشق- على مسافة يمكن قطعها سيراً بسهولة على الأقدام من الفندق الذي أنزل فيه، كان الرئيس بشار الأسد وعقيلته قد افتتحا دار الأوبرا في دمشق، الموقع الذي ألقى فيه الرئيس خطابه الرئاسي الأخير، في أيار (مايو) من العام 2004، استكمالاً لمشروع لوالده الراحل؛ حافظ، الذي خطط لإقامة دار الأوبرا مسبقاً بالتفصيل، لكن المشروع تعثر منذ أواخر السبعينيات. وكانت دار الأوبرا الواقعة قبالة الساحة الأموية، والتي تعد مركزا مجمعا ثقافيا متعدد الأغراض، قد شهدت عرض أوبرا "زواج فيغارو" لولفغانغ أماديوس موزارت، قبل أشهر وحسب من تفجر الأزمة السورية الحالية.
كان مسرح الأوبرا الذي يتسع لحوالي 1400 مقعد قد امتلأ عن آخره بمناسبة الخطاب الرئاسي. وكما حدث في المشهد الختامي لأوبرا موزارت، اتبع أداء بشار الأسد، وكما كتب موزارت، بعبارة "احتفال طوال الليل" بين العديد من مؤيديه هنا في دمشق. وقد لا يبدو مجد بشار الأسد عندما حاول مغادرة المسرح في الليلة الماضية حين تحلق حوله عشرات المعجبين، مثل ذلك المجد الذي لقيه القيصر خلال حروب الغال، فيما حاول الأخير أيضاً تصوير أزمة محلية على أنها كفاح من أجل إنقاذ "روما". ومن المسلّم به أنه من غير المرجح أن يظهر الرئيس السوري في عيون منتقديه متألقاً مثلما ظهر جون كنيدي في دار أوبرا فينا. لكن الرجل اتصل بجمهوره خلال خطابه الفاصل. وقد امتاز في الخطابة والمحتوى، والأكثر أهمية، في تبيان والمنافحة عما يعتقد بأنه قضية أبناء شعبه. وبينما رحب بالنصح الأجنبي حول كيفية وضع حد للأزمة الراهنة، فقد أصر على أن الشعب السوري، وعبر تاريخه في مقاومة الاحتلال والهيمنة، يرفض تلقي الأوامر في الأزمة الراهنة من حكومات معينة أشار إليها على أنها "سادة الدمى" التي تتسبب في كل يوم بالقتل والتدمير والحرمان في عموم الجمهورية العربية السورية.
ويجب الإقرار بأن داعيكم، المحروم من النوم، تذكر فيما كان يستمع إلى بشار الأسد مناجاة ماكبيث أو بروتوس. ولم أستطع سوى استدعاء مناشدة بروتوس، في فكري، في الفصل الثالث-المشهد الثاني من مسرحية شكسبير (يوليوس قيصر):
"من هو هنا الوقح جداً أو غير الوطني الذي لا يكون سورياً؟ مَن هنا الشرير جداً إلى درجة أنه لا يحب بلده؟ إذا وجد، تحدثوا عنه".
"إنني لم أرتكب خطأ ولا ألحقت الظلم بأحد عن قصد. إنني أتوقف لأسمع الجواب".
في أعقاب خطابه الرئاسي إلى الأمة، أسهبت صحفية محلية، تعد أحيانا منتقدة للنظام، في الإجابة عن سؤالي حول شعبية الأسد الدائمة، كما يظهر خلال هذه الفترة المأساوية التي يمر بها شعب سورية، فقالت: "إنها حقيقية، وتعود في جزء منها إلى حقيقة أنه متواضع، بل وحتى متواضع جداً، ومتعلم جيدا في تضاد واختلاف عن بعض الزعماء الإقليميين الذين هم أساساً أميّون وغير مهتمين بالعالم خارج قصورهم التي تشبه الإقطاعيات". وأضافت: "قبل الأزمة، لم يكن من غير الاعتيادي رؤيته، من دون مصاحبة قافلة أمنية، وهو يقود سيارته بنفسه وسط البلد. وتكون سيارته مليئة بالأطفال -يقوم بجولات أو يأخذهم إلى الخارج لتناول الطعام- وأحيانا يلتقطهم من المدرسة عند الانصراف. لقد رأيتَ سحره الصبياني تقريباً عندما دخل القاعة وشق طريقه عبر الممر باتجاه المنصة وحيا أفراداً من الجمهور. وعندما غادر لم يبد عليه أنه كان في عجلة من أمره وهو يصافح عدداً من أفراد الجمهور. إن بشار الأسد يستمتع بوضوح بوجوده بين الناس، وهو ليس أبداً من نوعية الشخصية المنبوذة البعيدة كما يصوره بعض المنتقدين خطأ".
وبعد الخطاب، عندما حضرت خادمة الغرف التي ترتب غرفتي في الفندق يومياً في وقت مبكر من المساء لعمل شيء ما، كنت أقرأ وأتابع الأخبار. وقد عرضوا مقطعاً للرئيس وهو يلقي خطاب الظهيرة. وقد أشرق وجهها عندما شاهدت بشار وسارت في الغرفة بعفوية وأحاطت جهاز التلفاز بذراعيها وأخذت تقبل الشاشة. وقد لاحظت أن يدي السيدة كانتا رطبتين وخشيت أن تصاب السيدة العزيزة بصدمة كهربائية. وكان شيخ له اتصالات سياسية معروفة جيداً في دمشق قد عرض وجهة نظره لي في الليلة الماضية، وقال إن رسالة الأسد موجهة للشعب السوري ولأصدقاء بلده الأجانب وللمحايدين -وليس لأعداء حكومته. كما أشار أيضاً إلى أن الرئيس سيلقي خطابين آخرين في المستقبل القريب، سيكون الخطاب التالي ربما في شكل "حوارات فرانكلين روزفيلت إلى جانب مدفأة". وقال الشيخ السني في إشارة إلى الخطاب الأخير إنه واحد من ثلاثة خطابات "انتصار" توقع أن يلقيها.
كما تحدث أيضاً عن الإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية فيما يتعلق بما يجري في سورية وحقيقة أن هاتين الدولتين تواجهان تحدياتهما الخاصة. وفي حالة المملكة العربية السعودية، على خلفية المشاورات الإيرانية السعودية المتزايدة فيما يتعلق بسورية وصحة الملك عبدالله المعتلة والصراع الواضح على خلافة السلطة والذي ازدادت حدته مؤخراً، وحيث يعارض بعض أفراد العائلة المالكة بقوة الحملة الراهنة لتقويض نظام الأسد، كما تردد. وينظر العديدون في دول الخليج إلى الحكومة السورية، رغم معارضيها، على أنها عربية وطنية من الطراز الأول، لها تاريخ يقوم على الاحترام المتبادل مع البلدان الأخرى. ويرى الشيخ أيضاً إشارات على أن تراجع إدارة أوباما عن حربها المكشوفة ضد سورية يعود في جزء منه إلى الرسالة المتشظية والمتساوقة غالبا الآتية من ناطقين مختلفين بلسان "الائتلاف". وقد عرض السيد الأسد ما يراه مؤرخون ومحللون في شؤون الشرق الأوسط خطاباً تاريخياً، عرض خطة جديدة لمواطنيه وأصدقائه وأعدائه على حد سواء، وللمجتمع الدولي لإنهاء الأزمة في الحال.
وقد اشتمل الخطاب، حسب التسلسل، على:
- وقف البلدان الأجنبية تمويل الثوار.
- أن تضع الحكومة السورية سلاحها وتعلن العفو العام.
- إقامة مؤتمر وحوار وطني.
- صياغة دستور تتم المصادقة عليه في استفتاء.
- تشكيل حكومة ائتلافية، يفترض أن تبقى لحين عقد الانتخابات الرئاسية في العام 2014.
وقد بعث أحد موظفي الكونغرس في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي برسالة إلكترونية في وقت متأخر من اليوم التالي لخطاب الأسد، مؤداها أن إدارة أوباما قد تكون مستعدة تماما لقبول صيغة الأسد في "دار الأوبرا في دمشق" على ضوء الواقع الجيوسياسي المتغير بوتيرة سريعة في المنطقة، والجمود العسكري على الأرض في سورية. وتشير كلا الحقيقتين إلى أنه ليس ثمة بديل واقعي للحكومة الحالية المنتخبة، أو أن هناك احتمالاً كبيراً لأن يلقي النظام المنشفة أو ينهار في أي وقت قريب.
ويعتقد موظف الكونغرس الذي يعمل في القضايا الأميركية- الشرق أوسطية أيضاً بأن وزير الخارجية الأميركي المقبل جون كيري ووزير الدفاع الجديد المرجح تشاك هاغل الذي سيواجه تنصيباً صعباً في مجلس الشيوخ لكنه سيجتازه؛ سيذهبان مع هذا الخط غالباً. وفي صلة بخطاب الرئيس الأسد، وفي اليوم التالي لإلقائه، لم يبد أحد قادة ما يدعى بالمعارضة، جورج صبرا، قادراً على تقديم المزيد لمساعدة عملية إنهاء الأزمة الراهنة في سورية. وقال السيد صبرا: "ربما لا يستطيع أحد التفكير في الحوار أو العمل مع هذا النظام بأي طريقة. إن ذلك ليس احتمالية. إنه أمر خارج البحث".
وربما لا تكون هذه هي وجهة النظر الدولية المتبلورة.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Assad at the Opera House

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق