"الأسود يليق بكِ" لـ أحلام مستغانمي: حكاية عشق مبهمة

تم نشره في السبت 5 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

عمان - الغد - تبدو رواية الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي الأخيرة "الأسود يليق بكِ" في الظاهر حكاية عشق ورديّة حالمة، قصّة حب مليونير لبناني ناهز عمره الخمسين سنة، بدأ رحلته مع عالم المال والبذخ والثراء من البرازيل تزوج وأنجب ابنتين.
أعجبته مطربة جزائرية في السابعة والعشرين من عمرها شاهدها مصادفة في برنامج تلفزيوني فقرر أن تكون له. يبدأ طلال الذي جاهد ليثري محصوله الثقافي في الموسيقى والفن والشعر الى وضع الخطة تلو الخطة للإيقاع بهذه الحسناء الجميلة التي ترتدي الأسود حدادا على مقتل والدها وأخيها خلال الاضطرابات التي شهدتها الجزائر في مطلع القرن الحالي.
من حصل على ثروته بالتخطيط والعمل والحركات المدروسة يضع خططا وقرارات وميزانية من مال للإيقاع بهذه الصبية في حبائله. أزهار ورسائل وشراء تذاكر حفلة لها ليستمع لها وحده.
وتقسيم الرواية الى فصول أربعة عنوانها الحركة الأولى والحركة الثانية والثالثة والرابعة. أي حب هذا عندما نكتبه نعطيه اسم حركات كأنّه لعبة شطرنج  تهدف في النهاية الى تحقيق نصر وتجنّب هزيمة وما في الحب من انتصارات وهزائم فالحب حياة ومشاعر إنسانيّة.
أم هل أرادت أحلام مستغانمي من العناوين أن تشبّه حركات العشّاق برقصات الحياة فهي تهدي روايتها لصديقتها تدعوها فيها "للرقص على الرماد، من يرقص ينفض عنه غبار الذاكرة. كفى مكابرة.. قومي للرقص" قد أوافق على هذه الرؤية لو لم تطغ استراتيجيات رجل الأعمال على تحركاته مع المطربة هالة الوافي.
هل أحبت هالة طلال الإنسان الحقيقي بلا أقنعة ولا تزويق أم أحبت رجل الأعمال الثري المثقف الذي تعلّم تقديم الأزهار ملحقة بكلمات تفتن، رجل الأعمال الذي يريدها ألا تلبس سوى الأسود بحجّة أنه يحبه عليها، رجل الأعمال الذي يقرر أن تنتقل من فندقها المتواضع الى الفندق المبهر الذي لم تحلم أن تدخله في حياتها، "الرجل الذي يُسلّيه تأمّل النساء في تذبذب مواقفهن، وغباء تصرفاتهنّ أمام الإشارات المزورة للحب". هل أحبّت هالة الوافي سلطة المال واللون الأسود أكثر مما أحبت شبابها وموهبتها ولحن الناي الحزين وشجن أوتار العود؟
اختزلت مستغانمي سنتين من وهم الحب في حركات أربع انتهت برفض هالة أن تعيش عبودية الأسود ووهم العشيقة التي يريدها رجلها جارية يطلبها فتلبي ويأمرها فتنصاع. ترفض هالة استمرار علاقة مدفوعة الثمن فتخلع الأسود وترتدي اللازوردي السماوي لتغني عشق الحياة والحرية والفن.
تكتب مستغانمي بأسلوب بسيط قريب الى القارئ، عباراتها جميلة مختصرة محمّلة بمعاني الحب والشوق والحنين. أحلام الروائية الذكية تعرف الى ما يصبو القارئ في زماننا هذا، تعلم الى ما يتوق الإنسان في عصر الاستهلاك والسلع والماديات والمظاهر الخادعة. الإنسان بفطرته يعشق الحب بذاته ولذاته،  فالحب حالة روحانية يتوق الإنسان إلى أن يعيشها بكل أفراحها وآلامها.
يمكن للقارئ في كل صفحة من صفحات "الأسود يليق بكِ" أن يجد حكمة جميلة مختصرة تصلح ليزين بها رسالة موبايل أو تغريدة على التويتر أو ستايتس على الفيسبوك. الجملة الشعرية الشديدة التأمل والحكمة كانت عنصرا ثالثا في الرواية الى جانب الحوار والسرد القصصي أكسب الرواية جدّة وخروجا عن المألوف ولكنه لم يكسبها إبداع فنيّا متميّزا.
وأمثلة كثيرة من عبارات تفيض بالحكمة والنصائح التي قد نتقبلّها أو نرفضها، ولكنها تعبّر عن مواقف واقعية كثيرة وعن مشاعر أنسانية عميقة. لكنها جُمل رغم جمالياتها اللغوية البسيطة وما تنطوي عليه من حكمة إلا أنها لا تجعل القارئ يغضي الطرف عن حبكة الرواية المألوفة، وإن هذه العبارات والحكم لم تصل برواية أحلام مستغانمي الى الابتكار المبدع في  الأسلوب السردي والتقنيات الفنية العالية التي امتازت بها مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد.
الأسود في المجتمع الشرقي:
استطاعت أحلام من خلال الحوارات في الرواية التركيز على تناقضات الشخصية الشرقية وازدواجيتها. طلال رجل الأعمال الناجح رغم ما يدّعيه من ثقافة وعلم ورُقيّ أخلاقي إلا أنه يشعر بالنقص لأنه لم يرزق بصبي ذكر وتعذبه فكرة أن أمواله ستنتقل الى رجال غرباء عند زواج ابنتيه.
طلال الذي يحلم بصبي ذكر ويرفض انتقال ثروته الى رجال غرباء بعد موته لا يمانع أن يتخذ لنفسه عشيقة في كل بلد، طلال يرى نفسه صادقا نبيلا فهو مع بداية العلاقة يخبر هالة بأنه يحب زوجته ولن يتخلى عنها، أي أنّه يترك لمن نصب حولها حبائله حرية البقاء أو المغادرة. فهي محض حالة حسيّة عشقيّة سريّة يبحث فيها عن متع الحياة، لا عن الالتزام والمظاهر الشكليّة من ارتباط قانوني أو شرعي أو جهري. هي عشيقة رغم الورود السوداء والكلمات الشاعرية وهو رجل شرقي يحلم بالجواري والحريم من حوله ويعتبر هذه الصورة الخيالية حقا له اكتسبه بأمواله وذكورته.
وهالة الوافي الشابّة التي رغم أخلاقها وتربيتها المحافظة وتمسّكها بمبادئ الشرف والعفّة إلا أنها لا تجد مانعا في السفر مع عشيقها الى باريس والى فيينا والنوم معا في غرفة وسرير مشترك، وما يثير الاستغراب والاستهجان معا هو أنها في النهاية ترى أنها حافظت على عفتها ولم تسلّمه نفسها وذلك لأنها احتفظت بغشاء الشرف والعذرية والعفة.
أما أخطر ما في هذه الرواية والذي يقبع تحت ألوانها القاتمة والزاهية وعباراتها الشاعرية الحكيمة، أخطر ما تغطيه باقات الورد والأثواب السوداء والازورديّة وشاعرية الكلمات هو اعتبار الخيانة الزوجية والعلاقات غير الشرعية علاقات طبيعية لا صوت يستنكرها ولا كلمة ترفضها ولا حكمة تحذّر منها. طلال زوج خائن ولكن هالة تتنازل عن وجوده في حياتها لأنه قيّدها برغبته في امتلاكها، لا لأنه شخصية خائنة تبحث عن إرضاء رغباتها ما دام صاحبها يملك ثمن هذه الرغبات على اعتبار أنها سلع أو خدمات لها سعر وقيمة مادية، بدون رادع أخلاقي أو مبدأ قيمي أو ديني. تسير حكاية أساسها الخيانة بسلاسة وكأنها طبيعية عادية لا تضير الرجل ولا تصغّر المرأة. تختفي الخيانة بكل براءة ودعة بين الصفحات وكأنها أمر واقع مفروغ منه. هل كانت هالة لترضى بأن تكون الزوجة المخدوعة. هل فكّر طلال بمشاعر ابنتيه وهو يتنقل بشهواته من جسد الى آخر قبل أن يغضبه انتقال ميراثه الى ابنتيه بدون ابن ذكر؟ كم من السنين سترضى هالة بأن تكون رغم كل المال والمظاهر الباذخة والفنادق الفخمة مجرد عشيقة أو جارية في قصر من يملك ثمن حريتها وشبابها؟
ويبقى السؤال الأهم: ما الذي جعل أحلام مستغانمي تمرر الخيانة في روايتها بدون عبارة حكيمة واحدة تقول بأن لا أبشع من الخيانة وأن ما عانت منه هالة ليس حكاية عشق فاشلة بل علاقة خيانة لزوجة وابنتيها ولشابة أراد رجل في عقده السادس شراء شبابها والاستمتاع بعبوديتها. لكل من يقرأ رواية أحلام مستغانمي "الأسود يليق بكِ" أقول: "احذروا الخيانة عندما تُغلّف بورق الهدايا الملوّن".


• منى حمزة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المراه بعقلها وليست بجسدها (ايات رضوان)

    الخميس 24 آذار / مارس 2016.
    روايا حقا رائعه........ الرجال يعتقدون ان عندما يملكون المال انا جميع ما بالحياه....لكن هناك شي يسما العفه والطهاره ريت الكل يفهمها
  • »الاسود يليق بك (فاطمه)

    الجمعة 7 حزيران / يونيو 2013.
    تسلسل الافكار كان رائعا واسم الكتاب مشوق والاجمل من ذلك انه اصدر في عيد ميلادي شعرت بانه هديه لي اشكر الاشخاص الذين ايقظوني لقراءه الكتاب
  • »(11/4 /2013 12: 15 AM) (محمد)

    الجمعة 12 نيسان / أبريل 2013.
    جميل. أكثر ما يؤلمني أن المثقفون في وطننا العربي يتبنون أفكار الغرب ومعتقداته ويعزفون على وتر المرأه ويعتبرون الرؤيا الغربيه في نمط المعيشه هي الاكثر رقي ويتجاهلون الدين ويحاربون العادات ولتقاليد الشرقيه فهل ضمن الغرب للمرأه النجاه من أفاة المجتمع المتحضر الذي يوهموننا به يجب ان نفرق بين التقدم التكنلوجي ولحياه الاجتماعيه فمشاكل المرأه في مجتمعهم تفوق مشاكلها في مجتمعنا ولا تقارن سيدتي يسرني أن يكتب بهذا الوعي الذي قل نظيره ولكن ستجدي كثير من النساء ينكرون عليك حروفك ينحصر تفكيرهن بأسقط صورة الرجل الشرقي وتدعيم التحرر الغير متزن والمتمرد على الدين ولعادات ولتقاليد بغض النظر عن ما تحتويه الروايه من سقوط....
  • »الرواية (ملاك)

    السبت 30 آذار / مارس 2013.
    اين ممكن اجد هذه الروايه في اي من دور النشر في عمان - الاردن
  • »وجهة نظر (من معجبات احلام)

    الثلاثاء 26 آذار / مارس 2013.
    اروع ماقرأت لاحلام فهي تنقل وبشكل واقعي وجريء افكار الرجل الشرقي الثري الذي تتغطى عيوبه بسلطة المال والثراء فهو يمارس الخيانه وكانه ممارسه شرعيه لايعيبها احد ولاتستثنى من عقلية الرجل الشرقي مهما بلغ من المناصب او الثراء تبقى عنده فكره واحده الا وهي انه مباح له تعدد النساء وارضاء شهواته
  • »الاردن (ام سهيل)

    الاثنين 4 آذار / مارس 2013.
    لم اقرأ هذه لرواية بعد . لكني متشوقة لقرائتها .الخيانه بكل مغلفاتها الملونة فإنها تعيش بالاعماق وتكبر مع الايام
  • »the best (linda shalsh)

    الأحد 3 آذار / مارس 2013.
    من أروع ما قرأت,وتمثل واقع الكثير من الاناث ,روعة الأسلوب وصدق الأحداث
  • »غموض (marwadmour)

    الخميس 7 شباط / فبراير 2013.
    روايه تحمل الكثير من الغموض باختيار كاتبتنا احلام مستغاني اللون الاسود بهذه القصه لكنها تلامس شيء لا نستطيع البوح به حقيــــــــــقه مؤلمه
  • »الواقع والحقيقه (خالد مزيان من معجبين الروائيه-الأردن)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    انا لا احتاج لأن اكون سطحيا في ما اقرأ لذا لا تؤخذ الرواية بسطحيه تتناسب مع ما نرغب به أنما هي الحقيقه التي تأخذ على عاتقها شكلا مميزا قد لا نرغب به بواقعنا وكذلك هو الواقع الذي ليس لأحد منا قناعة فيه أو رأي متحيز لذا فأنني مقتنع بأن ما تكتبه الأديبه احلام مستغانمي هو نبض للمشاعر الحقيقيه حتى لو رفضها الواقع الذي يحاول دوما ان يجعلنا نتبناه على الرغم من مرارته.. فكل أحترامي وتقديري للكاتبه الشاعره احلام مستغانمي
  • »من معجبات شمس الادب العربي احلام مستغانمي (ميساء)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    لطالما كنت وساظل منبهرة بسحر كلمات تلك السيدة وكانها شيئ من الشعوذة نكون بكل ارادتنا خارج سيطرة الحواس .
    بعد اتمام قراءة الرواية و الاستفاقة من خدرها اجد نفسي ابحث في ثنايا الرسائل التي تنبعث خلف جدران تلك الرواية فتارة نجد بطلة القصة تحمل مبادئ الفتاة العربية وتارة اخرى اجدها سطحية لدرجة انها اعتبرت نفسها انتصرت من جولات قصة عشقية فقط بكونها حافظت على سلامتة ذلك الشيئ ؟؟؟؟وكان عفة الفتاة وشرفها يتوقف عليه فقط ولكن لا. وكان خيانة الرجل لزوجته جسديا وليس لفظيا فبطل القصة لم يعترف لحبيبته بحبها بشكل صريح بل ترك لجياد الرغبة ان يتولى ذلك عنه بانه ليس خائن ولكن لا . اعتقد ان الراويه تعظم من شان الكلمات و النوتات الموسيقية اكثر من مبادئنا العربية التي لطالما اثبتت صحتها في النهاية .
  • »وجهة نظر (من معجبات الروائية احلام)

    الأربعاء 30 كانون الثاني / يناير 2013.
    عزيزتي منى لقد طرحتي موضوعا في غاية الاهمية ولاول مرة تواجه هذه الرواية هذا النوع من النقد مع انني من المعجبين الملتزمين للكاتبة احلام مستغانمي الا اني أؤيد وجة نظرك لهذه الخيانة المبطنة بين السطور والتي تمر على ذهون القراء كانها امرا مقبولا ، أؤيد وجهة نظرك . ودمتي