الإسلام والعلمانية

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

هذا الدين العظيم ليس دين طقوس مرتبط بالعبادات والجنائز والأطعمة، ولا مجرد علاقات فردية داخل المجتمع الإسلامي، ينظم الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث؛ بل هو دين كامل شامل للحياة كلها. وليست هذه بدعة جماعة أو حزب، بل هو القرآن هكذا، أنزله الله دستور حياة شامل. وما أروعها من آية تلك التي تنفي الإيمان إن لم يُحَكّم القرآن، إذ قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" (النساء، الآية 65).
لقد حدث أن أصبح هناك شبه إجماع أممي على تبني المنهج العلماني بفصل الدين عن الحياة، لأسباب كثيرة تحدثنا عنها مرارا، أهمها ظلم الكنيسة وتجرؤها على العلم والشعوب. فكانت الثورة الفرنسية (1789-1799) المطالبة بالحرية والإخاء والمساواة، وفصلت الدين عن الحكم. وتبعتها كردة فعل الثورة الصناعية (التي اعتمدت أساسا على العلوم التي نُقلت من الشرق وأسسها المسلمون أنفسهم)، ليعلق في أذهان كثيرين أنّ من أهم أسباب إعاقة التقدم هو الدين. وتمت ترجمة مصطلح "Secularism" إلى العلمانية، وفي ذلك شيء من التضليل. فالكلمة في أصلها تدل على الفصل بين الدين والحياة، بينما توحي ترجمتها إلى الربط بينها وبين العلم. وبالرجوع إلى القاموس الإنجليزي، نجد المعنى يدل على الإلحاد (غير ديني). فهل كانت هناك براءة في الترجمة؟ قطعا لا، بل يريدون نقل المشكلة إياها إلى عالمنا الإسلامي؛ بأن من أسباب تخلفنا هو الدين، وإذا ما أردنا التقدم فلا بد من نبذه، أو على الأقل حصره في الشأن الخاص الفردي، لا بأن ينظم شؤون الحياة.
هكذا أرادوا للدين الذي أول كلمة من كتابه أنزلت هي "اقرأ"، وفي الآيات الخمس الأولى جاءت الكلمات الدالة على المنظومة العلمية والثقافية من قراءة وعلم وقلم، بل تحدثت عن العلق، وهي لفتة إعجاز علمي في أول لقاء بين محمد وجبريل عليهما الصلاة والسلام في غار حراء.
والمصيبة ليست في الغربيين أو أعداء هذا الدين، فهذا ديدنهم؛ بل هي في المسلمين المقلدين. فليست هذه هي الوسيلة الأولى لحرب الغربيين على الإسلام ومحاولة اجتثاثه، أو على الأقل تشويهه، إذ سبق ذلك الحروب الصليبية في حملاتها المتكررة، وبعد فشلها كان المنهج الثقافي الفكري المركِّز على الحملات التبشيرية المستمرة حتى يومنا هذا، والذي نتجت عنه سابقا حركة الاستشراق التي ركزت على دراسة علوم الشرق، وعلى وجه التحديد القرآن والسنة والتاريخ؛ لا رغبة في الدين، بقدر ما هي معرفة أصوله كي يتم التشكيك فيها. وهذا ما تم لهم، وأُعجب بهم أناس من أبناء جلدتنا، فكانت حركة التغريب التي نتج عنها بعض التشويه على أيدي بعض المسلمين، مما يسمى بالحداثة والحداثيين.
وليتهم وقفوا عند طموح التجديد في الوسائل والفهم، فهو شيء مرغوب، بل اتبعوا ساداتهم من المستشرقين في جرأة عجيبة على النص القرآني والنبوي، ونزع للقداسة عنهما، وثورة شاملة على التراث، وتقديم للعقل على النقل. هكذا ظنوا أنهم سينجحون في تحرير العقل الإسلامي، ومن ثم تحقيق النهضة الشاملة في الحياة.
لم يكن القرآن والسنة إلا أهم مقومات نهضة الأمة. ولست في معرض دفاع عنهما في هذا الشأن، فكل متصفح لهما لا بد سيقتنع مباشرة بالحقيقة. فالقرآن احتوى ما يزيد عن الألف آية من أصل 6236 آية، فيها القضايا العلمية المباشرة وغير المباشرة. والعلم اليوم ما يزال يكتشف قضايا تحدث عنها القرآن، فيما نسميه الوجه العلمي لإعجاز القرآن. وهناك المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية والتربوية، إضافة إلى العبادية والتعريف بالخالق وتوحيده، وبيان العلاقة بين الإنسان والكون والحياة، وتفصيل أدق الأمور أو تأصيلها بربطها بالمصالح العامة للفرد والمجتمع. كل هذا وغيره مما نقطع بأنه لا يمكن أن يكون دينا شخصيا، بل لينظم شؤون الحياة كلها.
إن العلمانية تعتمد كثيرا على صور مشوهة لنظام الإسلام الشامل. وبناء عليه، تحذر من وصوله إلى الحكم، لأن وصوله يعني التخلف والدموية والظلم والدكتاتورية. وقد كتب أحدهم عن الخلفاء قديما، وكيف أن معظمهم قتل، ابتداء بعمر وعثمان وعلي، وكثير من الخلفاء الأمويين والعباسيين. وصحيح أن هذا موجود فعلا، ولكن لماذا نركز على النهاية الدموية وننسى الحياة الحافلة بالعطاء؟! ثم، ما نسبة الدموية من تاريخ الأمة؟ ولماذا التركيز –ونحن بشر- على السلبيات دون الإيجابيات؟! ألم يكن التاريخ الإسلامي حافلاً بالتقدم العلمي والحضاري؛ فمثلما نقرأ لفرج فودة فلنقرأ لمصطفى السباعي عن روائع حضارتنا، ولنقرأ عن الأندلس، وعن الاكتشافات العلمية والحضارية والمدنية، ولنراجع رسالة الملك جورج الخامس إلى ملك المسلمين بالأندلس هشام الثالث التي يشكو فيها الظلام الذي يحيط بهم (في السويد والنرويج وإنجلترا)، بينما ينعم المسلمون بتقدم علمي، ويستأذنه بإرسال مجموعة من الطلبة لتلقي العلم في بلاد المسلمين؟! ولماذا ننسى أن أعظم المهندسين والأطباء والفلاسفة والحكماء والرياضيين والفيزيائيين والكيميائيين وغيرهم هم من المسلمين، والغرب عالة على اكتشافاتهم؟ ولماذا ننسى أن معظم الحروب المدمرة عالميا هي من صنع غيرنا المتقدم، حتى بعد العلمانية؟!
إنني أدعو إلى تغيير السؤال حول تخلف المسلمين. يقولون إن سبب تخلفنا هو ديننا، وأنا أقول: إن ابتعادنا عن الدين هو سبب تخلفنا، لأننا عندما تمسكنا به كانت الحضارة في مختلف أشكالها وميادينها. وعمليا، لا يشكل الدين في حياتنا المعاصرة إلا الصبغة الشخصية، والقليل من شؤون الحياة.
إننا نظلم الدين عندما نقول إنه سبب تخلفنا، وهو منذ قرن تقريبا مقيّد مبعد عن الحياة، والعلمانية هي التي تحكمنا، والدين مجرد شعار أو ديكور نزيّن به دساتير الدول "الإسلامية" تبركا، تماما كما يفعل البعض بوضع القرآن في مكان ما في البيت زينة وبركة، أو في السيارة حماية من الحوادث. هكذا أصبح الدين مفرَّغا من مضامينه.
وإن نادينا إلى شيء من السياسة، شنوا علينا حربا، بل جعلوا مصطلح "الإسلام السياسي" جريمة وشبهة، ربما يحاكَم متبنيها المبتدِع؛ فكل بدعة ضلالة! وإن نادينا إلى المنهج الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى التربوي، فنحن متخلفون رجعيون! فلنبق عالة على الغرب واضعين المنهج الإسلامي خلفنا. ونسي هؤلاء أن الإسلام نفسه يدعو إلى البحث عن الحكمة، حتى لو كانت عند أعدائنا؛ فهو دين يحترم العقل والفكر والحضارات كلها، ليس جامدا ولا منغلقا.
إن العلمانيين يسعون إلى تشويه الإسلام ومنعه من الحكم بأي وسيلة، لأنه حين يحكم من جديد فسيكشف عورات عهد مظلم ظالم، وسنكتشف أن قرنا مضى هو طارئ على البشرية، حُيِّد فيه الإسلام، وآن له أن يفرض نفسه من جديد، بل يكاد ينتشر سلما في معظم الدول الأوروبية نفسها التي عادته. وهي دعوة إلى المسلمين أن يعتزوا بدينهم ويفخروا به، بعد أن قادتهم العلمانية إلى ضياع هويتهم وذوبانها، وهم الأحرص اليوم على الاعتزاز بدينهم والرحمة على الإنسانية كلها التي تعاني –رغم تفوق المدنية فيها- من تعاسة وشقاء وانفصام. فالسعادة لا تكتمل إلا باجتماع الروح والمادة، وهذا يقودنا إلى مزيد من الفهم والوعي والانتماء الحقيقي للدين، حتى لا نكون عالة عليه.


*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخلافة هي الحل (د.مازن صباح)

    الخميس 10 كانون الثاني / يناير 2013.
    الى الدكتور المجال المحترم والاخوة المعلقين.باختصارالاسلام دين انزله الله خالق البشر للناس لتنظيم شؤون حياتهم في جميع الجوانب .اي علاقة الانسان مع نفسه وعلاقته مع ربه وعلاقته مع الناس كلها لها نظام يضبطها وينظمها في الاسلام والله جل في علاه يقول(يا ايها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة)فيجب تطبيق الاسلام في العبادات والمعاملات وفي الحرب والسلم. ومن تطبيقه توحيد بلاد المسلمين في دولة واحدة دولة الخلافة وان يكون للمسلمين حاكم واحد هو خليفة المسلمين ..اما العلمانية ومنها الديمقراطية فهي دين ونظام لغير المسلمين.والديمقراطية التي هي حكم الشعب للشعب تعني ان الله لا شأن له في امور حياتنا او ان نظام ربنا لا يصلح لنا.فالخلافة هي الحل ولو كره الكافرون.
  • »توضيحات ضرورية (مهند)

    السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    النهج العلمي والمكتشفات الحديثة هي محصلة تراكمية ساهمت فيها الحضارة الاسلامية بكل تأكيد، ونحن نخالف الشريعة بالاعتماد المفرط على الغير في الاستهلاك والاستكشاف والاختراع باعتبار ذلك من مقومات القوة الاقتصادية للدولة. الاختلاف في الفرعيات في مجال القيم هو مصدر تنوع وتسامح وقوة للحضارة الاسلامية، الا ان ذلك لا ينفي وجود ثوابت في مجالات العقيدة والعبادة والشريعة تجمع عليها المذاهب الاربعة، وهي ثوابت محدودة لكنها هامة وتجمع عليها الامة وتشكل عنوان وحدتها وثقافتها و"خيرها المشترك" في وجه التحديات وعند الاختلاف. علما بأن القيم لا يمكن اشتقاقها منطقيا من خلال اللجوء الى معطيات العلم او الأدلة التجريبية مهما كثرت مخترعات البشر وعظم نفعها (او ضررها) على البشرية.
  • »في الكلام على الخرافة (سامي عوده)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    في الكلام على الخرافة
    الخرافة المسماة حكم الجماعات الإسلامية لما بعد الربيع العربي المزعوم كيف يتوقع العاقل من ما يسمى جماعة الإخوان قيادة البلد وخاصة دولة مثل مصر، كيف نتوقع وهم قضوا عمرهم على ثلاث مراحل ثلث عند أهله وثلث بالجامعة وثلث في سجون المخابرات والمطاردات السياسية والمنع من السفر أو العمل،
    تعلمنا من التاريخ مما قرأنا أن لكل جماعة كان لهم تيار فكري منظر يتكلم عن التوجه الفكري لقيادة الدولة وبيان التوجه الاقتصادي لها وهو الهم الأكبر لكل مواطن وهو ما يسمى عند المنظرين بكلاسيكيات وأدبيات الحزب أو الجماعة وهذا ظاهر في الجماعات الشيوعية أو الاشتراكية والحزب الأحمر والتيار الشيوعي من خلال قراءات كارل ماركس وليني وفيربانسكي وغيرهم كثر، مما ساهم في اقتصاد الاكتفاء الذاتي وتوجيه الاقتصاد الصناعي من خلال أهداف الدولة صناعيا والصناعات الثقيلة وعدم التبعية لصندوق النقد الدولي وسياسات وإملاءات نادي باريس وأظن أكبر مظهر من مظاهره سوق السلاح و المنتجات/ الصناعات الثقيلة صناعيا، وكيف أن كل دولة مكتفية بما لديها وهذا ما سماه بعض المحللين بالاقتصاد الموجه،
    وأما الفكر الرأسمالي فنشأ له منظروه أيضا وهم كثر منهم من اشتهر كنحو ءادم سميث وجون ناش وغيرهم وتلود لديهم نظرية تصحيح السوق ذاتيا وهي الفكرة القائلة بأن الاقتصاد سيصحح من نفسه بنفسه وما يلحق ذلك من تبعات على المواطن من حيث مساهمة الدولة في دعم المواطن من خلال حصص معينة ومشاركة بحجم معين في احتياجات الناس والمواطنين، وهذا خلاف الفكر الاشتراكي الذي أوعز للمواطن منعه من التملك ولكن من خلال قيام الدولة بتكفل كل احتياجات الفرد المنتج ضمن وفي ظل الحكومة الاشتراكية،
    ولكن الإثنين أجمعوا على شىء واحد فقط وهو محاربة الدين ولنا المقولة المشهورة لكارل ماركس التي قال فيها " الدين أفيون الشعوب " والعياذ بالله فكل من هذه الدولة والأنظمة إما أنها منعت المواطن من الممارسات الدينية والشعائرية ومن قمعها بشكل خاص للدين الإسلامي وتباعا على ما يسمى بأتباع الديان الأخرى المحرفة وأما المدرسة الرأسمالية فقد تدخلت في مفهوم الدين لدى الفرد من حيث منعه من إظهار الدين في الشارع بحيث يكون ممارسة الدين من صلاة وصوم مقصورا على بيته فقط فهو غير مسموح له بالصلاة في مكان عمله أو إظهار أي شعيرة مما يدل على ديانته،
    وفي ضوء كل هذا ظهرت الجماعات الإسلامية بعد ما يسمى بصدام مسلح مع الدولة الرأسمالية في مصر وعصر الانفتاح وظهورها أيضا كدولة وإمارة في أفغانستان عندما قامت أمريكا بمؤامرة حقيرة مهمتها دفع الشباب ذو التوجه الإسلامي في الدول العربية إلى السفر أفغانستان تحت ما يسمى الجهاد لطرد الشيوعيين الكفار وهذا هو ضرب العصفورين بحجر واحد أو هدف إكمال الحرب وإرهاق المعكسر الاشتراكي بحرب ضمن حرب عامة إسمها الحرب الباردة والهدف الثاني تفريغ أي طاقات شابة لدى الشباب ذو التوجه الإسلامي ابتداءا وهذا بصرف ودفع نفقات حساب مفتوح من خلال الحكومات العربية البترولية في ذاك الحين وبعد كل هذا السرد الطويل فكيف نتوقع من ما يسمى بجماعة الإخوان أن تحكم بلدا وشعبا مثل مصر أو بلد أخر..... الله أعلم ،،،
  • »قتل الدولة الإسلامية للعلماء (أبو فرح)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الكاتب أهمل ذكر أن الدولة الإسلامية قامت بحبس وقتل العديد من العلماء واتهمتهم بالكفر والزندقة ، ومثال على ذلك ابن المقفع و الإمام ابن حنبل والكندي.
  • »[email protected] (خالد)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    أنتم أنصار تطبيق الشريعة الأسلامية تفتقرون إلى الدقة في تفسير الآيات. الآية الكريمة "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" لا تعني تطبيق الشريعة الإسلامية. الآية تقول إذا حصل خلاف في عهد الرسول (ص) فيجب الاحتكام إليه والتسليم بحكمه بصفته الحاكم، وهي لا تقول أبدا يجب عليكم تطبيق الشريعة بعد آلاف السنين. عندما تفسرون الآيات فإنكم تمطون التفسير حسبما يناسبكم. ثم إن الشريعة هي اجتهادات العلماء المسلمين على مدى قرون طويلة، وفيها خلافات، وفيها مذاهب مختلفة (سنة وشيعة وغير ذلك) ولا أدري لو عرضت على النبي إن كان سيقرها أم لا.
    ثم إنكم تتحدثون كثيرا عن التقدم الذي أحرزه المسلمون في الماضي. أنا حاليا أشاهد في عصرنا الحاضر الكثير من مكتشفات الحضارة الغربية من السيارة إلى الطائرة إلى العقاقير. أشياء ملموسة لا نستطيع الاستغناء عنها. أتمنى لو تعطونا أمثلة على أشياء ملموسة اخترعها المسلمون وغيرت حياة الناس. في الحقيقة لا أجد شيئا. هناك جمود تام في الحياة منذ مجئ الإسلام وحتى ظهور الحضارة الغربية. الأدوات التي كان الناس يستعملونها في الجاهلية هي نفسها طوال العصور الإسلامية، ولم يحدث تغيير إلا بعد ظهور الحضارة الغربية. أي أنه كان هناك تقدم بطيء جدا، أو على الأصح، جمود تام قبل ظهور الحضارة الغربية... آمل أن يتسع صدركم للرأي المخالف.