الإسلاميون مقابل العلمانيين: صراع ما بعد الثورات على الروح العربية

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • أنصار الرئيس المصري محمد مرسي يؤدون الصلاة خلال أحد التجمعات - (أرشيفية)

دانييل ستينفورت * (ديرشبيغل) 

ترجمة: علاء الدين أبو زين
كان رجل مصر القوي يجلس في الصف الأول في المسجد، وقال الإمام في عظته: "كل من ينتقد الرئيس هو أسوأ من الكفار الذين هاجموا النبي في مكة". ثم سلم الميكرفون للرئيس المصري محمد مرسي، قائلاً إن عليه مخاطبة المؤمنين بنفسه. لكن الرئيس لم يحظ بفرصة الحديث أبداً.
فقد هتف مئات الرجال الذين أصبحوا يشقون طريقهم الآن إلى المقدمة: "يسقط مرسي! يسقط الإخوان المسلمون!" وتعالت صيحاتهم: "كفاية! لا مزيد الطغيان!" وبالنسبة إليهم، كان من غير المقبول مطلقاً سماع أحد يقارن الرئيس بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام. وكان على مرسي أن يغادر المسجد يوم الجمعة محاطاً بحرسه. وقد شكل ذلك فضيحة، وصنع سابقة في مصر، على حد سواء.
لكن تلك كانت البداية وحسب. ففيما بعد، تجمع أكثر من 100.000 شخص في ميدان التحرير ثانية للاحتجاج على تصرفات رئيسهم.
وليس ثمة علامات على أن حدة التوترات ستخفت في مصر، ومن الصعب التنبؤ بنواتج الصراع المحتدم على السلطة هناك. ويبدو الرئيس الذي منح لنفسه سلطات دكتاتورية خاصة وأنه غير متأثر بالعاصفة التي أطلقها في أوساط المصريين العلمانيين. وفي إجراءات متسرعة، أقام الرئيس تصويتاً أيضاً على الدستور الجديد، وصوتت فيه الجمعية الدستورية التي يهيمن عليها الإسلاميون على تطبيق قانون الشريعة بوضوح. وسوف تُطرح مسودة الدستور لاستفتاء شعبي قريباً. لكن المعارضة لن تقبل بذلك، لأنها مصممة على إيقاف جماعة مرسي، الإخوان المسلمين.
ويقول هذا كله الكثير عن أهم بلد في العالم العربي، والذي ما يزال في بداية الطريق إلى الدمقرطة فقط. كما أنه يقول الكثير أيضاً عن الحالة العاطفية لجماعة الإخوان المسلمين الإسلاموية التي صعدت إلى السلطة نتيجة للثورة التي كانت قد دعمتها بلا حماس. وتتمتع الحركة الإسلاموية بعقود من الخبرة في التعامل مع الحكام الشموليين، لكنها لا تعرف شيئاً عن الحرية والتعددية.
إسلاميون يُقابلون بالمقاومة
وتريد الحركة أن تستعرض قوتها، خاصة في مصر، البلد الذي تأسست فيه، لأنها تدرك أن ثمة صراعاً شرساً قادماً على الطريق حول دور الإسلام السياسي، خصوصاً في البلدان العربية التي خلعت دكتاتورييها منذ فترة قصيرة فقط: تونس، ليبيا واليمن. وفي سورية، حيث ما تزال الحرب تستعر، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الدولة العلمانية ستكون في موضع الخطر حال سادت قوى متطرفة جديدة في داخل معسكر المعارضة.
وبعد سنتين من بداية الاضطرابات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يبدو الإسلامويون وأنهم قد خرجوا فائزين واضحين. ويزعم الكثيرون الآن بأن الربيع العربي قد أعقبه شتاء إسلاموي.
في العام 2011، كان العالم يرقب منتشياً ذلك النضال الذي خاضه المحتجون في ميدان التحرير من أجل الحرية. لكن ظلاً قاتماً سقط على الثورة عندما وضع المتشددون الليبيون جثة الدكتاتور السابق معمر القذافي قيد العرض. ويأتي سفك الدم اليومي في سورية ليعرض بدوره الذروة المريعة التي بلغها تطور خرج من نطاق السيطرة.
وهكذا، أصبح العالم العربي مرة أخرى مصدراً كبيراً للقلق أكثر من كونه مصدر أمل بالنسبة للعالم الغربي. الإسلامويون يكسبون الانتخابات ويؤلفون الحكومات، بل إن السلفيين المفرطين في التشدد، أصحاب الشخصيات المظللة التي تعد بالقضاء على الديمقراطية حالما تستطيع، أصبحوا يلعبون دوراً في السياسة العربية على حين غرة. وهم يريدون أيضاً إلغاء الحريات التي كسبتها النساء العربيات، وحظر ملابس السباحة على شواطئ السياح، وتسليم إدارة العدالة إلى العلماء المسلمين. فهل انتهت الثورة في العالم العربي؟ ليس تماماً.
لم ينحسم النضال من أجل الروح العربية بعد. وفي كل مكان تشرع فيه الحركات المدعومة بالإسلام السياسي في كسب القوة، فإنها تواجه بمقاومة واسعة. ومن الجدير في هذا الصدد إلقاء نظرة أقرب على البلدان المشاركة في الربيع العربي.
تصدير الإسلاموية إلى ليبيا
في بواكير تشرين الثاني (نوفمبر)، اختبر إمام مصري ذهب إلى ليبيا ليبشر فيها تجربة مشابهة لتجربة الرئيس مرسي المذكورة في المسجد. فقد وجد نفسه مرغماً على قطع عظته عندما قرر الحاضرون التوقف عن الاستماع إليه وغادروا المسجد.
بعد وقت قصير من انهيار نظام القذافي في صيف العام 2011، شعر الإخوان المسلمون في مصر بأن اللحظة قد حانت لتصدير الأئمة المتطرفين إلى ليبيا المجاورة. وأسسوا فرعاً للجماعة في مدينة بنغازي في شرق ليبيا، بالإضافة إلى شركة لنشر الكتب ومحطة تلفزة. وقد تهيأوا للانتخابات البرلمانية الأولى في البلاد، وأداروا حملة على أساس برنامج أخلاقي، لكنهم خسروا بعد ذلك بفارق كبير لصالح "تحالف القوى الوطنية" الليبرالي في ليبيا.
ويقول عبد الرحمن السويحلي، عضو البرلمان الليبي، في تعقيبه على خسارة الإخوان المسلمين هناك: "إن الليبيين مسلمون جيدون أصلاً. وهم لا يفهمون كيف يمكن أن يكون الإسلام مفيداً أكثر. إنهم مهتمون بإعادة بناء البلد، وفي التنمية، والمدارس والبنية التحتية".
ولليبيا مجتمع متجانس دينياً، حيث يشكل المسلمون السنة 100 % من السكان. وتمر خطوط القسمة هناك بين القبائل بشكل أساسي. ولا تتعلق النزاعات في الدولة الصحراوية بالممارسة الصحيحة للإسلام، وإنما تتعلق أكثر بالمصالح القبَلية وبتوزيع عوائد النفط. وليست ليبيا البلد الوحيد الذي يناضل ضد الهجرة الدؤوبة للجماعات المتطرفة.
التناقضات في اليمن وتونس
حتى ما قبل بداية العام، كان اثنان من أهم التحالفات القبَلية في اليمن، بكيل وحاشد، قد قطعتا كل اتصال لهما مع الخلايا الجهادية في البلد. وكان المحاربون القبَليون اليمنيون والمتطرفون يتعاونون قبل ذلك من حين لآخر، لكن ذلك كان يحدث بالكاد لأسباب أيديولوجية. بدلاً من ذلك، كانت مصالحهم تتقاطع في مسائل الأموال والتهريب وتجارة الأسلحة. لكن الجهاديين أثاروا غضب القبائل عندما انتهكوا تقاليدها. كما جعلت حرب الطائرات الأميركية بدون طيار ضد خلايا القاعدة في البلاد من الأصعب على الجماعات القبَلية أن تتعاون مع المتطرفين أيضاً.
والمجتمع اليمني قبَلي وتقليدي بشكل عميق. وقد تأسس الإسلام والإسلاموية جميعاً بقوة في البلد. ومن أجل الاحتفاظ بالسلطة، كان الرئيس السابق علي
عبد الله صالح، الذي احتل منصب الرئاسية من العام 1990 وحتى تنحيه في شباط (فبراير)، قد عقد صفقة مع حزب الإصلاح الإسلامي، ودعم طوال سنوات الإمام الراديكالي وصديق القاعدة عبد المجيد الزنداني. واليوم، أصبحت الأفكار الليبرالية أكثر انتشاراً في أفقر بلدان شبه الجزيرة العربية مما كانت عليه في زمن صالح. ومع ذلك، وفي واحد من التناقضات في اليمن الغرائبي، فإنه لا يمكن لسياسي حتى أن يفكر مجرد تفكير في استنطاق قانون الشريعة الجاري تطبيقه في البلاد.
ويقع النقيض السياسي لليمن على بعد 4.000 كيلومتر (2.485 ميلا) إلى الشمال الغربي، في تونس، البلد الأكثر علمانية في العالم العربي. ولم يتغير ذلك بعد أن تولى رئيس الوزراء حمادي الجبالي منصبه في أواخر العام 2011. وكان حزبه "النهضة"، وهو فرع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، قد أكد للتونسيين مراراً وتكراراً أنه لا ينوي فرض القانون الإسلامي أو الحد من حقوق المرأة. وقد نأى الإسلاميون في تونس بأنفسهم عن هذا الموقف منذ الصيف، لكنهم ما يزالون يتصرفون حتى الآن بشكل أكثر معقولية من نظرائهم في بلدان أخرى في المنطقة، بينما يراقبون من مسافة آمنة وجهات اللعبة التي يلعبها الرئيس مرسي حالياً في مصر.
وكانت صحيفة "الفجر" القاهرية اليومية المستقلة قد كتبت أن الرئيس قد قام بعملية "إجهاض في الشهر الخامس"، في إشارة إلى الأشهر الخمسة التي قضاها مرسي في المنصب قبل خنقه للديمقراطية. فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ على الرغم من أن الإخوان المسلمين هم الكيان السياسي الأكثر تنظيماً، كما يقول العالِم السياسي بول سالم، فإن المجتمع المصري التعددي في صدد وضع حدود لتقدمها.
عدم اليقين في سورية
وماذا سيحدث لسورية في حال سقط النظام؟ بدا انهيار الحكومة في دمشق وأنه خطا خطوة أقرب في الأسبابيع الأخيرة، عندما قام الثوار للمرة الأولى، كما يُقال، بإسقاط طائرتين عموديتين للنظام بصواريخ أرض-جو. وتقترح الحادثة أن نظام الرئيس بشار الأسد الذي طالما منحته قواته الجوية ميزة التفوق العسكري كل الوقت، أصبح الآن تحت التهديد بشكل خطير. وحتى الآن، رفضت الولايات المتحدة والدول الغربية بأغلبيتها الساحقة تزويد المعارضة بأسلحة من النوع الذي تم استخدامه لإسقاط المروحيتين.
ولا أحد يعرف بالضبط عدد الجهاديين الأجانب الذين يدعمون التمرد حالياً في سورية، لكنهم موجودون هناك. وعندما حاول محافظ حمص ومقاتلون من ميليشيات الثوار المرتبطة بالجيش السوري الحر السعي للتوصل إلى اتفاق الأسبوع الماضي، قام المقاتلون الأجانب بإحباط جهود التقارب، حسب ما نقله مراقب عسكري. ويقول ضابط في المخابرات: "إن المتطرفين، الذين يرتبطون بشكل فضفاض مع تنظيم القاعدة، لديهم أجندتهم الخاصة". ويضيف: "إنهم لا يريدون وقف إطلاق النار؛ وإنما يريدون إبادة نظام البعث وإقامة دولة إسلامية". وفي حال شهدت سورية عملية انتقالية على غرار ما حدث في تونس ومصر، فإن من المرجح أن يكون الإخوان المسلمون من بين المجموعات الأولى التي ستضع نفسها في دمشق.
قبل نحو أسبوعين، هتف الآلاف من أنصار الإخوان المسلمين في الإسكندرية وسط ساحة القائد إبراهيم وهم يلوحون بالأعلام المصرية ويرفعون صوراً للرئيس مرسي: "الخبز، الحرية، الشريعة الاسلامية".
"الخبز، الحرية، العدالة الاجتماعية!" صاح خصومهم في المقابل، والذين خرجوا بأعداد أكبر، وضموا المصريين العلمانيين، واليساريين والليبراليين. وكان ذلك إيقاظاً قاسياً للإسلاميين في الإسكندرية التي كانت تعتبر واحداً من أهم معاقلهم.
وعندما حاول الجانبان، الواقفان على بعد أمتار قليلة، الصراخ على بعضهما بعضا بغاية التغطية على الصوت الآخر، قال شاهد عيان إنه شعر بأن الوضع يمكن أن يفلت قريباً ويخرج عن نطاق السيطرة: "كان الجو ملبداً بالكراهية وبشعور الحرب الأهلية".

*كان باحث الكومونولث في كلية سيلوين، كمبريدج. وهو يحاضر الآن في جامعة RMIT في ملبورن.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Islamists vs. Secularists: The Post-Revolution Struggle for the Arab Soul

التعليق