استراتيجية مكافحة الفقر بين النظرية والتطبيق

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

مثقال عيسى مقطش

عمان - وقفة بتمعن أمام التقرير الذي أعدته الزميلة سماح بيبرس، ونشر في "الغد" بتاريخ 10/12/2012، حول "ترجيح إعلان الحكومة استراتيجية مكافحة الفقر الشهر الحالي"، تستدعي طرح السؤال: لماذا لا يتم إعداد هذه الدراسة قبل البدء في تطبيق برنامج إيصال الدعم إلى مستحقيه؟ وهل يعني إعداد هذه الدراسة العمل بنتائجها، أم أنها ستلحق بمثيلاتها من الدراسات ضمن الحفظ بدون الاستفادة الفعلية من مضامينها؟
إننا أمام محورية مهمة، تتمثل في التعرف على منظومة الفقر بواقعها؛ كم من السكان يعيشون تحت خط الفقر؟ وما هو معدل التذبذب في نسبة هؤلاء الناس، والتي ذكرت التقارير أنها تجاوزت 13 %؟ وما هو مؤشر التنبؤ بارتفاع معدل التضخم؟ وهل هناك توجه استراتيجي للتعامل مع معدل التضخم كمتوسط لمعدلات التغيير في الدخل السنوي للمواطن؟
واقع الحال أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لم يعد يحتمل التعامل مع النظرية بعيدا عن التطبيق. وهناك ضرورة قصوى لإخراج ميزانيات العائلات الأردنية من عنق الزجاجة، والتي تتسم بدرجة خطورة عالية نتيجة تزايد المسؤوليات وثبات الدخل النقدي للمواطنين، ما يعكس تراجعا فعليا في الدخل الحقيقي، وتزايدا في المنفعة الحدية لكل دينار في الدخل النقدي. وهذا مؤشر على أن نسبة أعداد المواطنين الواقعين تحت خط الفقر في تزايد. وفي الوقت ذاته، فإن أعداد الأسر التي تقترب أوضاعها من خط الفقر هي أيضا في تزايد!
وعلى أرض الواقع، سبق أن أعلنت جهات اختصاص رسمية أن خط الفقر بلغ 321 دينارا. وبالتأكيد، ترغب الحكومة في تعزيز الشعور بالتفاؤل لدى المواطنين حول ما ينتظرهم من إيجابيات على صعيد الدخل، بدلا من حمل هموم الجوانب السلبية المتمثلة في الانحدار المتسارع للدخل الحقيقي للفرد، نتيجة لجمود الدخل النقدي عند معدلات رقمية تتلاشى مع مرور الزمن بسبب تزايد الأسعار وتكاليف ومسؤوليات الحياة بشكل متسارع.
وسبق أن أظهرت البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة أن معدل إنفاق الأسرة الأردنية العام 2011 بلغ 9600 دينار، وأن معدل الإنفاق الشهري هو 59 دينارا للفرد على الغذاء. وفي موقع آخر، كشف تقرير متخصص عن ارتفاع معدل دخل الفرد السنوي في الأردن في العام الحالي بنحو 216 دولارا، أي ما يساوي 150 دينارا.
وطبقا لهذه البيانات، تبقى المعلومة غير مكتملة. وكان بالإمكان إجراء مقارنة تحليلية بين هذه الأرقام من جهة وبين مستوى تكاليف الحياة ورفاهية المعيشة من جهة أخرى.
وفي الواقع أن مستوى تكاليف الحياة في ارتفاع مستمر. وقد أكدت التقارير أن حوالي 40 % من دخل الفرد الأردني يُنفق على الغذاء. وبحسبة بسيطة، فإننا نجد أن النسبة المتبقية، وهي 60 %، لن تكون كافية لتغطية تكاليف الحياة الأخرى، ومن ضمنها السكن المرتفع الثمن، والمدارس والجامعات، والمواصلات، والخدمات الصحية، والملبس، وغيرها.
والحال لا تدعو إلى التفاؤل بسبب تداعيات الاتجاه الصعودي لأسعار النفط عالميا، وانعكاساتها على منظومة حساب أسعار المحروقات محليا وتأثيرها على الدورة الاقتصادية والحياتية، وكذلك على المدخلات الإنتاجية، وبالتالي على مجموعات النقل والوقود وغيرهما في القطاعات التعليمية والصحية والخدماتية.
ولا يوجد أدنى شك في أن الحكومة مدركة للمخاطر الاقتصادية والاجتماعية، والتي تقوم إدارتها على مراحل متتالية ومتكاملة، ابتداء من التنبؤ بالمخاطر المتوقعة التي أصبحت مرئية وعكستها الأرقام، فلا مجال للاجتهاد. وإذ أصبحت الأمور معروفة، فقد أخذ التخطيط الاستراتيجي موقعه لاحتوائها، ووضع الإجراءات الوقائية للحد من استفحالها، ووضع التشريعات والقرارات الكفؤة والكافية عبر خطة خمسية باتجاه الهدف العام. ومن المتوقع أن يتم تدعيم ذلك بخطط مرحلية للقطاعات المختلفة في البعدين العام والخاص، وتفعيل متابعة ناشطة وصارمة ترفض أي محاباة أو صمت على ترهل أو خطأ.
إن كل المؤشرات التي تطفو على السطح تؤكد أن التخطيط الاستراتيجي نحو الهدف المتوازن بدأ يأخذ طريقه إلى التطبيق، تخطيطا وتنفيذا ومتابعة وتقييما، ضمن خطة واقعية يمكن أن تنتقل بالوضع اقتصاديا واجتماعيا إلى بر الأمان. ولكن لنتذكر دائما بأن كثيرا من الدول الناشئة، إضافة إلى المتطورة، استطاعت الوصول إلى أهدافها المرجوة من خلال تفعيل مقومات ثورة اقتصادية بيضاء، استندت إلى تحقيق درجات عالية في الكفاءة والفعالية وضبط الهدر، والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة.
ولا مجال للشك في أن توجه الحكومة إلى الإعلان عن استراتيجية مكافحة الفقر، مع مجموعة دراسات أخرى متعلقة بالفقر والطبقة الوسطى ومقياس مستويات المعيشة، هو خطوة هادفة. لكن في الوقت ذاته، لا يختلف اثنان على أن متطلبات التعامل مع نتائج هذه الدراسات بمنهج تطبيقي للحلول العملية التي سيتم التوصية بها، هي أكثر أهمية، وتشكل أولوية في حياة المواطن الأردني ومنهجية الإصلاح على المستوى الوطني، خاصة أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بأحوال الفئات المجتمعية الفقيرة والمتوسطة في تراجع مستمر، كما تؤكد ذلك الأرقام العاكسة لتزايد المسؤوليات، وثبات الدخل النقدي، وارتفاع معدل التضخم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اذا لم نستفيد من الدراسات فلا داعي للانفاق عليها (م . سلوى)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الدراسات حول معدلات الفقر متعددة ومتفاوتة وتوحيد المرجعية والبيانات ضرورية واذا لم نستفيد من نتائجها فلا داعي لها لانه مكلفة ماديا .
  • »كفانا دراسات ومعدلات الفقر معروفة (د. ابراهيم)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لا فائدة من الدراسات طالما ان معدلات الفقر معروفة والاهم هو ماذا عملنا لانقاذ الفقراء .. جاوبونا !!!!!!
  • »تحديد معدل الفقر والاجراءات تزيد الفقر اتساعا (سهير علي)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    جيد ان تتم الدراسات حول معدلات الفقر ولكن نتائج هذه الدراسات هل تفيد في التخفيف من قساوة الفقر !!
  • »الوضع الاقتصادي يدعو للتعامل مع اليات للتنفيذ (د. عمر احمد)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لا يوجد ادنى شك بان الوضع الاقتصادي صعب وان هذا الوضع يدعو وبالحاح للتعامل مع اليات للتنفيذ باتجاه اهداف مددة والوقت ليس بصالحنا للابقاء على المور في بوتقة النظريات والدراسات النظرية .
  • »تناقض الارقام حول الفقر تتطلب الاعلان عن ارقام ونسب موثقة وثابتة (مهندسة ايمان)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    مصادر الارقام حول معدلات الفقر والدخل متفاوتة والاساس ان تتوحد الارقام وان يعلنها مصدر واحد حتى تكون الصورة دقيقة وواضحة .
  • »المطلوب الاستفادة من الدراسات في التطبيق !!!!! (هدى / ام سمير)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    هذا ما نريده عندما نبذل الجهد والمال في اعداد الدراسات فان المطلوب هو ان نستفيد من نتائج الدراسات في التطبيق الهادف .