أداء أمانة وعدل.. ثم طاعة

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

في آيتين متتاليتين من كتاب الله، في سورة النساء التي سماها بعض العلماء سورة المستضعفين، حيث تناولت السورة أحكامهم بالتفصيل، الأيتام والمرأة والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وركزت على جوانب مهمة تحمي الحقوق بشكل عام، فكان الحديث المفصل عن الجهاد، وحديث جريء قوي عن المنافقين لا يقل عما جاء في سورة براءة، وتناولت أحوال أهل الكتاب، وعلى وجه التحديد النصارى. ولكن السورة تتحدث عن الجانب الإداري للدولة، وموضوع الطاعة لولي الأمر، وشيء من تنظيم العلاقة بين الرعية والراعي.
من ضمن ترتيب العلاقة تلك جاء قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعمّا يعظكم به، إن الله كان سميعًا بصيرًا. يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً"، (النساء:58-59)، وورد في سبب النزول أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طلب مفتاح الكعبة من بني شيبة، وهم سدنتها، فدخل الكعبة، والمفتاح بيد علي رضي الله عنه، فطلب عليّ من النبي أن يجمع الحجابة مع السقاية (لبني هاشم)، فنزلت الآية، ورد النبي المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وتلا الآية الكريمة، حيث نزلت عليه وهو في جوف الكعبة.
هاتان الآيتان منهج كامل في بيان الحقوق وترتيبها بين الراعي والرعية، وقد كتب ابن تيمية كتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) بناء عليهما، ففي الآية الأولى بيانٌ لحقوق الرعية على الراعي، أو واجبات الحاكم، وفي الثانية حقوق الراعي على الرعية، أو واجبات الرعية، وجاء الترتيب هكذا لحكمة عظيمة جدير بكل حاكم أو مسؤول أن يفهمها ويعيها، أن المسؤول ينبغي أن يكون قدوة في كل شيء، فإن كان كذلك فالرعية ومن هم تبع له لا بد مقتدون به، فإن عفّ عفت رعيته، وإن صلح صلحت، والعكس صحيح.
لخصت الآية أمرين اثنين: أداء الأمانة إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهما خلاصة قوة البنيان في العهد بين المسؤول والرعية، أن يؤدي لهم حقوقهم المادية والمعنوية، تشعره الآية أن مسؤوليته لا تعني التحكم بهم والاستيلاء على حقوقهم والتسلط عليهم وإرهابهم، فهو مجرد مدير لشؤونهم. والأمانات هنا تشمل الحقوق والنصح وإسناد الأمر إلى أهله وأي شيء يؤتمن عليه، تشمل الدين كله الذي أخبر عنه بالأمانة التي أبت حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان.
أما الواجب الثاني فهو الحكم بالعدل، وهو أساس الحكم، وإن تزعزع فقد تزعزع النظام كله، سواء كان على مستوى البلد أو المجتمع والوزارة والدائرة أو البيت، فهي السلبية المطلقة على الرعية جميعاً، ولعل من أهم صفات الخلفاء الصالحين العظماء قديما وحديثاً هي هذه، حيث تنبئ عن ورع وحكمة وحنكة وحسن إدارة، وإلا فاعلموا أن الأمر قد وُسِّد لغير أهله، ومن هنا كانت الثغرات والسلبيات في تاريخنا.
أما الآية الثانية فهي واضحة في بيان حق المسؤول، حيث الطاعة، ولكنها ليست مطلقة، لا للحاكم ولا الوزير أو شيخ العشيرة أو الزوج أو الوالد، فطاعة هؤلاء مقيدة بطاعة الله ورسوله، والدليل من الآية نفسها، فالله قال: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، فكرر لفظ الطاعة عند الله والرسول، ولم يعده عند أولي الأمر، فطاعتهما مطلقة، وطاعة أولي الأمر أنى كانوا مقيدة بطاعتهم، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، كما قال صلى الله عليه وسلم.
لا يوجد في القرآن ولا في عرف العقلاء ما يسمى بالسلطة المطلقة، لأنها كما يقولون مفسدة مطلقة، فحينها يشعر المسؤول أنه المعصوم وصاحب العظمة والهيبة، ينفخ فيه الشيطان والحاشية مثل هذا الشعور، وربما وصل إلى مقولة فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، فلا بد من التقييد لهذه السلطة، فقيدها الله هنا، وقيدت بما يسمى بالشورى وأهل الحل والعقد، ولذلك بينت الآية أنه حين التنازع في أي شيء فليُردّ الأمر إلى الله والرسول، حيث كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهناك ما يحف هذه المسؤولية العظيمة من ربط بينها وبين اليوم الآخر، كما جاء هنا في الآية، وليس الأمر هكذا فقط عند النزاع في شيء، بل هو عام في علاقات الناس، أن يتذكروا اليوم الآخر والحساب.
لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على استشعار المسؤولية عموماً فقال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"، وروعة هذا الحديث ليست في أننا جميعاً مسؤولون، بل في استشعار أن كلا منا راع ورعية في آن واحد، فليعامِل أحدُنا الآخر بهذه الروح التي يحب أن يعامَل بها، فإن كنت تريد العدل من الحاكم فاعدل فيمن هم تحت رعايتك، بيتا وأولاداً وزوجة، أو ضمن مسؤوليتك الضيقة الأخرى إن كنت مسؤولاً، وهكذا.
ولقد ذكرت في مقال سابق أحاديثه صلى الله عليه وسلم في شأن الأمير وأهليته وأهمية الرفق بالرعية، وأجدني بحاجة إلى ذكر نماذج من أقوال الخلفاء الراشدين تعزز مثل هذه المبادئ حين عاشوها قولا وعملا، وحق لهم أن يدخلوا أبواب التاريخ المشرف من أوسع أبوابه، فهذا أبو بكر يقول بعد توليته الخلافة: (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حسن فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومه، فقال له رجل: سنقومك ولو بهذا السيف، فأجابه: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم عمر ولو بالسيف)، وقال أيضاً: إني لا أجد يحل لي أن آكل من مالكم إلا ما كنت آكل من مالي الخبز والزيت والخبز والتمر. وخطب عمر وهو خليفة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، وكان يدني يده من النار ويقول: يا ابن الخطاب أتصبر على هذا؟
أما عثمان فكان يصوم الدهر، ويقوم الليل، ويقيل في المسجد، وكان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت، أما علي فكان يفرق بيت المال ثم يكنسه ويصلي فيه ركعتين، وكان يقول: يا دنيا إليّ تعرضت أم لي تشوفت، هيهات هيهات، غري غيري قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد وطويل الطريق.
أما عمر بن عبد العزيز فلما ولي الخلافة قدمت إليه مراكب الخلافة، فقال: مالي ولها، نحُّوها عني وقدّموا لي دابتي، فقربت إليه، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحّ عني، مالي ولك، إنما أنا رجل من المسلمين، وأمر بالستور فرفعت، والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فأمر ببيعها، وإدخال ثمنها بيت المال.
إن خير الأمة لا ينقضي فهو باق إلى يوم القيامة، وهناك نماذج كثيرة لورع الحكام عبر التاريخ، حتى في عالمنا الحاضر، هي رسالة للراعي والرعية معاً أننا أصحاب رسالة لا مجرد مظهر من مظاهر الحكم، وأصحاب الرسالة لهم أهداف أبعد من مجرد حظيرة يتنازعون فيها السلطان والقيادة.


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى من يهمه الامر .. (صالح)

    الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    أحسنت دكتور، جزاك الله كل الخير