أتباع المقدسي في ليبيا وتونس

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

أهارون واي. زيلين - (فورين بوليسي) 14/11/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

منذ الهجمات التي تعرضت لها القنصلية الأميركية في بنغازي والسفارة الأميركية في تونس في أيلول (سبتمبر) الماضي، ما يزال الضوء الكثيف يتركز على المجموعتين الإسلاميتين اللتين ينظر إليهما على أنهما المرتكبتان الرئيسيتان للهجمات -كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي، وجماعة أنصار الشريعة في تونس. وبينما ما يزال الكثير من التركيز ينصب بشكل مفهوم على الممارسات العنيفة للأفراد في هذين التنظيمين، فإن الكثير من أفق نشاطاتهما يظل خارج نطاق العنف. وثمة أجزاء كبيرة من نشاطات هاتين المجموعتين تتعلق بتقديم الخدمات الاجتماعية المحلية من خلال مكاتب "الدعوة"، بشكل خاص، والتي تعود للمجموعتين. وتبقى هذه الصورة الأوسع حاسمة للوقوف على فهم أفضل للاتجاهات الناجمة في المجتمعات التي تشهد مرحلة انتقالية من الحكم السلطوي إلى الحكم الديمقراطي.
مبدئياً، يمكن اعتبار كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي وأنصار الشريعة في تونس تنظيمين جهاديين استناداً إلى نظرتيهما الأيديولوجية. ومع ذلك، فإن هاتين المنظمتين الجهاديتين تختلفان عن التجسيدات السابقة. ويوجد للتنظيمات الجهادية سجل تعقب جيد في القتال، وعلى نحو أقل في ضبط أو تقديم الخدمات الاجتماعية. ولعل المثال الوحيد للحكومة الجهادية قد حدث عندما سيطرت حركة الشباب المجاهدين التي تمركزت في الصومال، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية التي تمركزت في اليمن، على أراضٍ فعلاً. لكن ما يميز التنظيمين الشمال أفريقيين هو أنهما تقدمان مساعدات للمجتمعات المحلية، بصلاحية لاعب غير دولة، وهو شيء لم يسمع بمثله في السابق.
بينما ينظر العديد من المحللين إلى الجهادية عبر منظور منظمة القاعدة فقط، فإن هذا المنظور يتجاهل تأثير ونفوذ علماء الدين الجهاديين المستقلين. ومنذ الاتجاهات المتطرفة التي مثلها أبو مصعب الزرقاوي والقاعدة في العراق في العقد الماضي، حاول منبر التوحيد والجهاد، وهو مكتبة لمادة المصدر الرئيسي للجهاد كان قد أسسها الشيخ أبو محمد المقدسي المسجون حالياً في الأردن، توجيه الجماعة الجهادية نحو جهاد "تطهري" في جانبه الأكبر. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، أسس المقدسي لجنة شرعية قوامها علماء من نفس خط التفكير العام للمنبر في العام 2009، والتي تقدم الفتاوى التي تجيب عن أسئلة تتعلق بطائفة من المواضيع، ابتداء من المواضيع الدنيوية، مروراً بالسياسية، فمواضيع الجهاد. وقد وثق ذلك العالم الهولندي "جوس ويجميكر".
أحد الانتقادات الرئيسية التي يقدمها المقدسي، ويأمل بأن تخلق تصحيحاً في النهج داخل الحركة الجهادية، هي تفريقه بين فكرة قتال النكاية (القتال من أجل إلحاق الأذى بالعدو)، وقتال التمكين (القتال من أجل تعزيز القوة)، واللتين يسترسل في شرحهما في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد" الصادر في العام 2004. ويطرح المقدسي أن القتال من النوع الأول يفضي إلى تحقيق انتصارات تكتيكية قصيرة الأجل، في حين يوفر الأخير إطاراً عملياً لدعم دولة إسلامية. وبهذه الطريقة، يبرز المقدسي أهمية نشاطات التخطيط والتنظيم والتعليم، بالإضافة إلى الدعوة (دعوة الأفراد إلى الإسلام). وكما يشير ويجميكر، فقد كان الهدف من خلق لجنة منبر الشريعة هو طرح وجهات النظر هذه لغاية "حماية" الجهاد، وللتقدم بشكل أفضل باتجاه خلق دولة إسلامية حقة، استناداً إلى قدسية توحيد الله.
ومن المرجح أن تشكيل مجموعتي أنصار الشريعة في بنغازي وتونس كان نتيجة منطقية وتنفيذاً لأفكار المقدسي، مما يغير التشديد على ممارسات المجموعتين. ولعل واحدة من الأماكن الرئيسية للتقدم بأفكار المجموعتين هي برامج الخدمات الاجتماعية. ويوفر هذا النهج منفذاً للتقدم في اتجاه تعزيز قيام دولة إسلامية مستقبلية، والتي تشذب أتباعها بطريقة أوسع مقارنة مع التنظيمات الأكثر أهلية بكونها في الطليعة، والتي ما تزال منخرطة في النزعة الجهادية بصلاحية محلية وإقليمية وكونية في الأعوام الثلاثين الماضية.
ونظراً لأن كلتا المجموعتين تأسستا بعد انتفاضتي بلديهما، فقد بثتا مئات الصور وعشرات أشرطة الفيديو المتصلة بخدماتهما المجتمعية المختلفة والمناسبات الخيرية على صفحات موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" الرسمية الخاصة بهما. وقد ألغيت صفحاتهما من "الفيسبوك" عدة مرات منذ الهجمات في أيلول (سبتمبر). ونتيجة لذلك، لا تعيدان تحميل المحتوى الأقدم عندما تنشئان صفحة جديدة. ومع ذلك، فقد احتفظتا بكل هذا المحتوى في شكل أرشيفي.
وفي ليبيا، أشرفت كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي، والتي كانت قد تأسست رسميا في شباط (فبراير) من العام 2012 جهاراً على خمس مناسبات دعوية على الأقل في بنغازي وجوارها، وفق صفحتها على "الفيسبوك". وقد أقيم نشاطها الأول في حزيران (يونيو) من العام 2012 عندما زار أعضاء في المجموعة أشخاصاً مرضى في مستشفى بنغازي. وبعد شهور قليلة، تم جلب كتيبة "أنصار الشريعة" لتوفير الأمن في المستشفى، وكانت الكتيبة من أوائل الجهات التي رتبت نوعاً من الحياة الطبيعية هناك. وفي مناسبتين أخريين في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر)، ساعد أعضاء من كتيبة أنصار الشريعة أيضاً على تنظيف وتصليح طرق، وجمع النفايات في ضاحيتين في بنغازي. وبالإضافة إلى ذلك، وفي إطار التحضيرات لعيد الأضحى المبارك، جمع أعضاء من مجموعة كتيبة أنصار الشريعة أموالاً من السكان المحليين لشراء أضاح لتقديمها للفقراء، بحيث يستطيع كل فرد تأدية الطقس الديني. وبالنسبة لأولئك الذين يوجدون خارج بنغازي في قرى أصغر؛ بما فيها داريانا وتيلميثا وبرساس والمرج، أوصل أعضاء من كتيبة أنصار الشريعة الأضاحي إلى المنازل. وكان النشاط الأحدث هو إعلان كتيبة أنصار الشريعة عن عزمها افتتاح عيادة طبية للنساء والأطفال قريباً، وأنها ستقدم خدمة لتطبيب أسنان تديرها الطبيبات بشكل حصري.
وبالنسبة لتونس، تظل مجموعة أنصار الشريعة أكثر نشاطاً وتوزيعاً جغرافياً في نشاطاتها في عموم البلد. وبشكل إجمالي، نشرت مجموعة أنصار الشباب علناً معلومات عن 20 مناسبة. وكانت المناسبة الأولى قد أقيمت حتى قبل أن يتم تأسيس التنظيم رسمياً في نيسان (أبريل) من العام 2011 -مع أن فكرة أنصار الشريعة كانت قد تأسست بينما كان العديد من أعضاء المجموعة مسجونين خلال حقبة الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي آذار (مارس) من العام 2011، قدم أفراد من المجموعة المساعدة ونصبوا خياماً وملاجئ للاجئين الليبيين على الحدود التونسية الليبية بعد بدء الثورة ضد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
وكان من بين جهود الخدمات الاجتماعية الأضخم لمجموعة أنصار الشريعة التونسية، نقل الأغذية والخدمات الطبية إلى المدن أو القرى الأصغر في المناطق الريفية. وفعّلت مجموعة أنصار الشريعة في تونس عملها الخيري في حيدرة وجندبة وسنجان والمكناسي والقيروان والكيف وسيدي بوزيد وتونس. كما نصبت أيضاً خياما لتقديم المياه في الأسواق المحلية خلال أيام الحر القائظ. وساعدت مجموعة أنصار الشريعة في تونس حتى في تدريب الفتيان على ممارسة لعبة كرة القدم في ماتار.
وعلى نحو مشابه لكتيبة أنصار الشريعة في بنغازي، قدم أعضاء من مجموعة أنصار الشريعة في تونس المساعدة للمعوزين خلال أيام العطلات. وخلال عيد الفطر، وإلى جانب الغذاء، قدمت مجموعة أنصار الشريعة في تونس هدايا للأولاد، في تقليد يمارس مع نهاية شهر الصيام في رمضان.
وبينما يجب أن لا تضع هذه النشاطات الوقائع العنيفة لهاتين الحركتين في الظل، فإنها تتحدث عن التحديات الكامنة أمام الولايات المتحدة والبلدان الأخرى أو الحكومات المحلية، والتي قد تواجهها في محاولة احتواء نمو هاتين الحركتين. ومن خلال تقديم المساعدات الخيرية والرعاية والمساعدة، فإن كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي ومجموعة أنصار الشريعة في تونس، تعملان على نحو متشابه في عملياتهما (مع وجوب عدم الخلط مع تحالفات أو الانطواء على روابط أيديولوجية) بالإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله. وقد وفر تقديم الخدمات رافعة لهاتين المجموعتين لكسب شعبية وتحصيل دعم أوسع في داخل المجتمع المحلي. وكانت الروابط مع المجتمع المحلي بادية للعيان بعد طرد كتيبة أنصار الشريعة من قاعدتها في بنغازي بعد 10 أيام من الهجوم على القنصلية الأميركية هناك. فقد ناشد الأطباء والممرضون في المستشفى والذين كانوا يتمتعون بحماية كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي، مطالبين بعودتها لتوفير الأمن الضروري في المستشفى. وستكون لهذا الفراغ الأمني الذي بدأت كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي ومجموعة أنصار الشريعة في تونس في ملئه في المناطق التي تمتاز بوصول حكومي أقل، تداعيات عميقة على مستقبل هذين البلدين اللذين يمران بمرحلة انتقالية. ولا تبتاع كتيبة أنصار الشريعة في بنغازي ومجموعة أنصار الشريعة في تونس العملية الديمقراطية، لكنهما تحاولان مع ذلك تعزيز دولتهما الإسلامية المستقبلية عبر عمل إحسان صغير في الوقت ذاته.


*زميل ريتشارد بورو في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Maqdisi’s disciples in Libya and Tunisia

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق