وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس لن يصنع السلام وحده

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

تقرير خاص - (الإيكونومست) 24/11/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

هل يمكن أن يكون هناك سلام دائم بين العرب واليهود في الشرق الأوسط؟ تشير جولة أخرى من سفك الدماء إلى أن مثل هذا الأمل واهن. ففي غمرة الأطروحات العقيمة الاعتيادية حول من بدأ القتال، جرت تسوية العشرات من المباني بالأرض وأحيلت إلى ركام؛ وقتل أكثر من 140 فلسطينياً، معظمهم من المدنيين، وستة إسرائيليين. ولأول مرة، سقطت صواريخ أطلقت من غزة بالقرب من تل أبيب، حاضرة إسرائيل، وبالقرب من مدينة القدس المقدسة.
لكن، ورغم أن الإسرائيليين والفلسطينيين يبدون عالقين في صراعهم القديم، فإن كل الشرق الأوسط من حولهم يتغير بعد أن نشر الربيع العربي بكل شيء في الفضاء. وسواء أحببنا ذلك أم لا، فإن الفلسطينيين والإسرائيليين عالقون في حالة الجيشان الإقليمي. وربما يفضي هذا إلى تحويل صراعهما إلى واحد أكثر دموية من السابق. ومع ذلك، ثمة مسوغات للاعتقاد بأنه قد يتحول إلى مأزق مميت.
حرب لم يكسبها أو يخسرها أحد
من النظرة الأولى، يبدو من الصعب جداً تبرير حالة التفاؤل في هذه الأوقات. وحتى لو صمد وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في 21 تشرين الثاني (نوفمبر)، فقد قوّى قتال غزة الأخير معكسر الصقور في الجانبين.
سيدعي قادة حماس، الحركة الإسلامية التي تحكم غزة منذ العام 2007، بأنهم أجبروا الإسرائيليين على التراجع، حتى رغم أن غزة قد تلقت هزيمة. ورغم قتل بعض قادة الحركة وحشر مواطني غزة البالغ عددهم 1.7 مليون نسمة في واحد من أكثر أركان الكرة الأرضية بؤساً واكتظاظاً بالسكان، فإن إسرائيل فشلت في تدمير حماس. وفي الحقيقة، نرى أن حماس تكسب في الضفة الغربية، القطعة الثانية من فلسطين التي يديرها الآن نظراؤها من حركة فتح، التي تشكل الفصيل الفلسطيني الأكثر اعتدالاً.
وبالإضافة إلى ذلك، قد يستنتج قادة حماس أن الوقت يلعب لصالحهم. وفيما يكسب الإسلاميون في عموم العالم العربي، فقد استطاعت حماس صنع أصدقاء أقوياء وأثرياء. وتبنت تركيا، القوة الإقليمية المنبعثة مجدداً والتي كانت في السابق أوثق حليف مسلم لإسرائيل قضية حماس، وكذلك فعلت قطر التي تعد واحدة من أثرى دول الخليج وأكثرها دينامية. ويقول مسؤولو حماس المبتهجون إن ثمة هلالاً إسلامياً يلتف حول إسرائيل، من لبنان في الشمال، حيث السطوة لحزب الله ومليشياه، مروراً بسورية، حيث قد يطيح الثوار ذوو الميول الإسلامية باطراد ببشار الأسد.
وفوق كل شيء، وعلى جناح إسرائيل الجنوبي، ثمة صعود جماعة الإخوان المسلمين تحت قيادة الرئيس محمد مرسي في مصر، التي تعد أكثر الدول العربية سكاناً وتأثيراً، وهو الصعود الذي غير موازين المنطقة. وكان لدى حسني مبارك، المستبد العلماني الذي حكم مصر لأكثر من 30 عاماً حتى سقوطه في العام 2011، القليل من الوقت يعطيه لحماس. وعلى العكس من ذلك، فإن جماعة الإخوان المسلمين هي ابن عم لحماس، كما أن قادتها هم أكثر عرضة لمراقبة الرأي العام. وفي الدبلوماسية المستقبلية، قد تظهر حماس كلاعب يمنع الدخول إلى الملعب، حتى على إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي الأثناء، سيستخلص المتشددون في إسرائيل الاستنتاجات المعاكسة. وبعبارات عسكرية، تم وضع حماس في صندوقها ثانية. فقد أثبت نظام القبة الحديدية الإسرائيلي المضاد للصواريخ فعاليته؛ حيث تم تدمير العديد من صواريخ حماس. وسيخلد الإسرائيليون إلى نوم أعمق لفترة من الوقت. وبعبارات دبلوماسية، فإن أميركا صامدة، كما هو حالها دائماً. كما أن العديد من البلدان الأوروبية لامت حماس على إشعال فتيل الجولة الأخيرة من العنف.
وفوق كل شيء، ازدهرت إسرائيل، وخصوصا في ظل بنيامين نتنياهو؛ رئيس الوزراء الذي تجاهل العملية السلمية إلى حد كبير. ورغم أن الصواريخ المنطلقة من غزة قتلت حوالي 30 إسرائيلياً منذ العام 2004، إلا أن إسرائيل ما تزال في منأى عن المفجرين الانتحاريين بفضل الحاجز الجداري الذي يقتطع أجزاء من أراضي الضفة الغربية، وهي الأجزاء الرئيسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، كما يحمي المستوطنات اليهودية التي تستمر في التمدد، رغم عدم شرعيتها وفق القانون الدولي. وفي الأثناء، يجلس السيد نتنياهو الذي اندمج حزبه "الليكود" مع حزب أكثر صقرية بقيادة أفيغدور ليبرمان في السباق نحو انتخابات 22 كانون الثاني (يناير) المقبل، حزيناً ومبتئساً. لماذا التعامل بلطف مع أولئك الفلسطينيين المراوغين بمنحهم دولة لهم؟
ولو أنهم حكموا الضفة الغربية فعلاً، فهل كانوا سيمتنعون عن إطلاق الصواريخ تماماً مثلما يفعل رفاقهم في غزة؟ من الأفضل الإبقاء عليهم خلف ذلك الجدار وتسديد الضربات إليهم إن رفعوا رؤوسهم.
ربما يكسب المتشددون في نهاية المطاف، لكن الربيع العربي قد يغير حساباتهم. وحتى لو أن الإسلاميين الذين يستولون على السلطة في مصر وغيرها ينطوون على القليل من الحب لإسرائيل، فإن أولوياتهم ستقتصر على التعامل مع الصعوبات الحاضرة في الوطن. وتجدر الإشارة إلى أن موازنة الدفاع الإسرائيلية تبقى أكبر من مثيلاتها في أربع دول عربية مجتمعة. ومن شأن إشعال فتيل حرب مع قوة عظمى محلية أن يساعد بالكاد الحكومات العربية الجديدة على تصليح اقتصاداتها. وأن يقدم الرئيس البراغماتي محمد مرسي على العمل مع باراك أوباما للتوصل إلى وقف لإطلاق النار هو أمر يبشر بالخير -وقد يؤذن وحسب ببداية شيء ما.
يجب على الإسرائيليين أن ينظروا إلى المدى الأبعد. ولأن بقية العالم العربي يصبح أكثر ديمقراطية، فإن حرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير يصنع برميل متفجرات صائر في يوم من الأيام إلى التفجر في الأراضي التي تحتلها إسرائيل -تماماً مثلما انفجرت سيارة الباص في تل أبيب مؤخراً. كما أن القمع يقوض الديمقراطية في الدولة اليهودية، وتفاقم الديموغرافيا ذلك فيما ينتفخ السكان العرب. ومن شأن العمليات الدموية ضد غزة كل بضعة أعوام من أجل الضرب على رأس حماس أن تفضي إلى دفع ثمن دبلوماسي متنامٍ.
كلا الطرفين يحتاجان إلى المداراة من جانب الخارجيين
ويظل الجواب هو ذلك الذي أعلنه الناس العقلاء من كلا الجانبين ومعظم العالم الخارجي وهذه الصحيفة: إقامة دولتين، مع تنازل إسرائيل عن أراضٍ لغاية الأمن. والأمل -الصغير في المدى القصي- هو أن يعطي وقف إطلاق النار بعض الرافعة الإضافية للأطراف الخارجية لتدفع بالقضية. وتتمتع مصر، التي يجب أن تشرع الآن في وقف تدفق الأسلحة إلى غزة، سوية مع تركيا وقطر، بموقف أفضل من ذي قبل لإقناع حماس بالقبول بفكرة الدولة اليهودية استناداً إلى حدود العام 1967، مع مقايضات في الأراضي وقدس مشتركة. ويجب على العرب الخارجيين أيضاً أن يضغطوا على حماس وفتح من أجل التوصل إلى الاتفاق فيما بينهما. ومن شأن ذلك أن يخدم أكثر خلق دولة فلسطينية مقارنة مع ترفيع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة.
ومن جهته، يضطلع السيد أوباما بدور ليلعبه في قناع إسرائيل بالجلوس ثانية إلى الطاولة. وكان قد أهمل خلال رئاسته الأولى تقديم خطته الخاصة للسلام. وعندما عاد ثانية إلى البيت الأبيض، فإنه ما يزال يبدو متردداً في الانخراط فقط. وهذا قصر نظر يبعث على الأسى. فلأميركا مصلحة حيوية في الوصول إلى شرق أوسط مستقر. وذلك يعني تحقيق تسوية سلمية بين إسرائيل والفلسطينيين.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The ceasefire between Israel and Hamas could yet be an unlikely foundation for peace

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق