تحدي غزة: ما الذي يستطيع الرئيس المصري فعله؟

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس المصري محمد مرسي أثناء استقباله خالد مشعل في القاهرة قبل أيام - (أرشيفية)

أشرف خليل * — (مجلة تايم) 16/11/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

القاهرة - انطوى الصراع المتصاعد بسرعة في قطاع غزة على مواجهة الإدارة المتبرعمة للرئيس المصري الجديد محمد مرسي، على أكبر تحدٍ تواجهه حتى الآن على صعيد السياسة الخارجية. وقد تجرع مرسي الآلام حتى ينأى بنفسه عن سياسات سلفه، الرئيس المخلوع حسني مبارك. لكن الرئيس مرسي يواجه حبلاً مشدوداً طويلاً ليسير عليه حين يتعلق الأمر بموضوع غزة. كما أن قراراته بهذا الصدد ستكون عرضة لمتابعة وضغط دوليين ومحليين مكثفين على حد سواء.
صباح الجمعة الماضي، أوضح مرسي أن مصر ما بعد الثورة ستفتح صفحة جديدة حول غزة. وفي خطوة غير مسبوقة، أوفد مرسي رئيس وزرائه هشام قنديل، في زيارة لغزة، حيث اجتمع مع كبار المسؤولين في حكومة حركة حماس، وزار الجرحى في مستشفى الشفاء في مدينة غزة. وقال قنديل للصحفيين: "لا يمكن مقابلة ما شاهدته اليوم في غزة، في المستشفى وفي موضوع الشهداء، بالسكوت". وأضاف: "يجب عدم مقابلة هذه المأساة بالسكوت، ويجب على العالم بأسره أن يتحمل مسؤولية وقف العدوان".
ومن جهته، أعلن مرسي نفسه أن سياسات غزة التي كانت تنتهج في حقبة مبارك قد انتهت مع الثورة. وقال مرسي في كلمة له بعد صلاة الجمعة في مسجد في إحدى ضواحي القاهرة: "إنني أقول للجميع، نيابة عن كل الشعب المصري، إن مصر اليوم تختلف عنها بالأمس، وأن العرب اليوم يختلفون عما كانوا عليه بالأمس. وأقول بثقة إن مصر لن تترك غزة وحدها". وشدد على القول: "إننا نؤكد (لإسرائيل) بأن ثمن استمرار العدوان سيكون باهظاً".
تحت رئاسة مبارك، حافظت مصر معظم الوقت على نقطة عبور رفح الحدودية بين غزة وشبه جزيرة سيناء مغلقة، خاصة بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران (يونيو) من العام 2007. وقد كلفت هذه السياسة مبارك كثيراً على الصعيد المحلي، ما سمح لمنتقديه (بمن فيهم جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي مرسي إليها) بوصمه بأنه تابع لأوامر الولايات المتحدة وإسرائيل، وبأنه شريك على قدم المساواة في معاناة الغزيين.
 وخلال آخر هجوم إسرائيلي رئيسي على غزة، عملية الرصاص المصبوب، الذي استمر من كانون الأول (ديسمبر) 2008 إلى كانون الثاني (يناير) 2009 خرجت جماعة الإخوان المسلمين (حيث كان مرسي واحداً من استراتيجييها الرئيسيين) عن خطها لإحراج مبارك على وجه الخصوص في ما كان يتعلق بسياساته حيال غزة. وكانت تلك استراتيجية لم ينسها النظام الذي اعتبر غزة خطاً أحمر أمنياً قومياً. وطوال العام 2009، شنت شرطة مبارك حملة ضخمة على جماعة الإخوان المسلمين، فسجنت العشرات من القادة الكبار في الجماعة، واستهدفت الكثيرين من القيادة العليا في الجماعة. وقال لي أحد المسؤولين الرفيعين حينذاك إنه اعتقد بأن الحملة كانت رداً مباشراً على إقدام الإخوان المسلمين على "تجاوز حدودهم حول موضوع غزة".
ولحد الآن، لم يتخذ مرسي أي خطوات جوهرية فعلية من شأنها أن تهدد السلام المصري الإسرائيلي القائم عبر اتفاقيات كامب ديفيد. لكنه أقدم على سحب السفير المصري لدى تل أبيب، وهي خطوة كان الرئيس مبارك قد اتخذها عدة مرات خلال فترة حكمه التي استمرت 29 عاماً، واعتبرت خطوة معيارية للتحرك نحو تهدئة الغضب الشعبي خلال جولات العنف الإسرائيلي الفلسطيني.
لكنه في حال استمر الصراع، وخاصة إذا شنت إسرائيل هجوماً برياً على داخل أراضي المنطقة الساحلية الصغيرة، فإن الضغط المحلي والدولي سيتصاعدان على مرسي لفعل المزيد. وكانت زيارة قنديل لغزة مهمة، لكنها بقيت في مجملها رمزية تقريباً. ولا ينطوي رئيس الوزراء، كما تجدر الإشارة، على أي خبرة في السياسة الخارجية. وكان قد تولى في السابق حقيبة وزارة الري قبل أن يتولى منصبه الحالي. وفي ظل حكم مبارك، كان ينهض بملف غزة بشكل حصري تقريباً رئيس مخابراته القوي الذي تولى لفترة وجيزة منصب نائب الرئيس عمر سليمان الذي توفي في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام بينما كان يخضع لعملية جراحية. ومن المرجح أن ينجح أي ضغط مصري على حماس لوقف هجماتها الصاروخية على إسرائيل، كحاله دائماً، من خلال اتصالات عبر قنوات خلفية بواسطة الأجهزة الاستخباراتية.
بعد خمسة أشهر أمضاها مرسي في الرئاسة حتى الآن، نجد له سجلاً مختلف الألوان في موضوعات السياسة الخارجية. فقد أقدم في وقت سابق من الصيف الأخير على توجيه دعوة صريحة لتغيير النظام في سورية بينما كان يشارك في مؤتمر في إيران،أحد الرعاة الرئيسيين للنظام السوري. أضف إلى ذلك أنه أساء الحكم على وجهة الرياح السياسية في أيلول (سبتمبر) الماضي، عندما تسلق محتجون مغضبون استفز مشاعرهم شريط فيديو مبهم حمل إساءة لحياة وإرث الرسول محمد أسوار السفارة الأميركية المحصنة جيداً، وأنزلوا العلم الأميركي واستبدلوه براية سوداء ترمز إلى النزعة الإسلامية المتشددة.
وفي أعقاب الحادثة، كان صمت مرسي واضحاً. وركزت أولى تصريحاته العلنية على انتقاد الفيلم، وعلى الإعراب عن التعازي بوفاة السفير الأميركي لدى ليبيا كريستوفر ستيفنز، الذي قتل خلال الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي. لكن مرسي، ربما المتوجس من التحامل على المسلمين السلفيين المغالين في المحافظة، والذين كانوا قد أشعلوا فتيل احتجاجات السفارة، لم يقل أي شيء عن انتهاك حرم السفارة الأميركية. وقد استدعى سكوته توبيخاً قاسياً من الرئيس أوباما، وحواراً مفتوحاً في واشنطن حول ما إذا كانت مصر (التي تتلقى 1.3 بليون دولار سنوياً في شكل مساعدات أميركية) يمكن أن تظل تعتبر حليفاً. وترتب على حكومة مرسي بالتالي النضال من أجل إصلاح الضرر.
ومحلياً، يواجه مرسي قانوناً مخادعاً بنفس القدر. فالغضب الجماهيري بسبب الهجمات الإسرائيلية على غزة ما يزال يتصاعد ببطء -لم يستقطب احتجاج معاد لإسرائيل في ميدان التحرير يوم الجمعة سوى 2000 شخص. لكن من الممكن أن يرتفع منسوب الغضب بوتيرة سريعة في حال شنت إسرائيل هجوماً برياً، خاصة إذا عرضت قنوات الأخبار العربية المتصلة بالأقمار الاصطناعية، مثل "الجزيرة" صوراً أكثر تجسيداً للواقع، مقارنة مع ما تعرضه أي شبكة أخبار أميركية.
وفي أقل القليل، يستطيع مرسي التوقع من تنظيمه في الوطن، الإخوان المسلمين، الامتناع عن أي نوع من الانتقاد العلني لقراراته النافذة. لكنه لا يمكن قول نفس الشيء عن القوى السياسية الأخرى في عموم الطيف، من السلفيين إلى العلمانيين. وفي حين يبقى السلفيون حديثين نسبياً على سياسة الشارع في مصر، فإنهم يعاملون إسرائيل دائماً بعدائية ويتحدثون بانتظام عن الرغبة في "تحرير القدس". كما أن الكثيرين من الجيل الراهن من الناشطين العلمانيين الشباب بلغوا سن الرشد سياسياً خلال الاحتجاجات المعادية لإسرائيل قبل البدء في التركيز على مبارك والحالة المحلية.
لعل أحد العناصر الرئيسية التي تحدد الكيفية التي سينظر بِها إلى قرارات مرسي تكمن في التصريحات التي ستخرج عن حماس -والتي كانت قد تأسست أصلاً كتنظيم تابع للإخوان المسلمين. وحتى كتابة هذا الموضوع، امتدح قادة حماس مرسي على دعمه. وفي خطاب متلفز له يوم الخميس قبل الماضي، امتدح رئيس الوزراء المقال في حكومة حماس، اسماعيل هنية "المعادلة الجديدة والقيادة والروح في مصر". لكن هنية ضمّن خطابه تحدياً ضمنياً لحكومة مرسي بمواصلة هذا النهج. وقال: "يجب علينا أن نثبت لهذا المحتل (إسرائيل) أن الأوقات قد تغيرت".
وفي الأثناء، يظل قادة آخرون في حماس في الشتات أكثر صراحة. ففي كلمة له في العاصمة السودانية، الخرطوم، يوم الخميس نفسه، دعا خالد مشعل، وهو الأعلى من هنية في تسلسل مراتب حماس، الحكومات العربية لما بعد الثورة في مصر وليبيا وتونس إلى الافتراق عن الماضي ووضع نهج جديد لتعاملها مع إسرائيل والفلسطينيين. وقال: "اليوم يجب على قادة العروبة والإسلام أن يرفعوا السقف وأن يغيروا قواعد اللعبة"، مضيفاً أن الوقت قد حان "لقطف ثمار الربيع العربي".
*صحفي يتخذ من القاهرة مقراً له، وهو مؤلف "ميدان التحرير: داخل الثورة المصرية وانبعاث أمة."
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Morsy’s Gaza Challenge: How New Can the New Egypt Afford to Be

[email protected]

التعليق