تصحيح المفاهيم

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:49 صباحاً

د. محمد المجالي*

كثيرة هي النصوص القرآنية والنبوية التي ربما نفهمها خطأ، ونبني عليها –بفهمنا الخاطئ- مواقف وربما أحكاما. ومن عجيب أمر الفِرق الإسلامية قديما أن أدلتها هي من القرآن والسنة؛ فالمشكلة هي في الفهم حين يخرج عن السياق ومفهوم اللغة وأصول الدين في عمومها، أو حين يكون النص تابعا لا متبوعا، وغير ذلك.
لن أتحدث عن قضايا عقدية أو فقهية عميقة، ولكن شدني إلى الكتابة حول هذا الموضوع وجود تقاعس أو تشاؤم أو يأس عند بعض الناس، وينسبون هذا إلى نصوص أو مسائل عامة في ديننا، يعولون عليها فهمهم وسلوكهم القاصرين. ومن هذه المسائل والنصوص، مثلاً، مسألة ذم الدنيا؛ إذ ذمها الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووردت آثار عن الصحابة الكرام والسلف عموما بذمها وطلاقها وتركها. ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أن أعمار أمته هي بين الستين والسبعين؛ فيفهم بعض الناس من هذا النص أنه إن بلغ الستين فقد انتهى أجله، فلماذا السعي والكد والهمّة في أي شيء؛ فالعمر على وشك الانتهاء؟! ومنها مفهوم الغيب عموما، وربطه بالقضاء والقدر، خاصة إنْ فشل أحدنا في مسألة لأول مرة أو لثاني مرة، إذ يحكم على نفسه بأن الله لا يريد له هذا أو ذاك؛ يلوم القدر، ويزعم في نفسه أن الله لم ولن يوفقه لذلك العمل أو المسعى، فقد جرب وانكوى بنار التجربة!
مثل هذه الأمور -وغيرها كثير- ينبغي أن نقف عندها من باب التوضيح والتذكير. فالدنيا التي ذمها الله تعالى ما هي إلا متاع الغرور، وهي كالجيفة، وغير ذلك من الأوصاف. لكن هذا لا يعني بحال تركها كليا؛ فالله تعالى نفسه قال: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا" (القصص، الآية 77)، وهو الذي قال: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود، الآية 61)، أي طلب منا عمارتها، وهو الذي خاطب الملائكة بأنه: "جاعل في الأرض خليفة" (البقرة، الآية 30)؛ فهل نترك هذه الآيات ونقف عند نصوص نسيء فهمها، كقول علي رضي الله عنه حين خاطب الدنيا وأنه طلقها ثلاثا لا رجعة بعدها، وغير ذلك من النصوص؟ وهل نترك الدنيا -بحجة الزهد- لغيرنا، كما قال الغزالي المعاصر: "المسلمون طلقوا الدنيا وتزوجها الخواجات"؟ وهل الأمر الإلهي هو هكذا، أم أن نسخّر الدنيا للآخرة، ونعمرها ونجعلها بأيدينا، كما فعل المسلمون في بعض عصورهم، حين كانت الغلبة والعزة والتفوق العلمي والحضاري بأيديهم، سادة الدنيا كلها؟
لقد طرأت مفاهيم عجيبة، قد يكون مصدرها الجهل، وقد يكون الغلو في التصوف والزهد، وقد تكون الهزيمة التي نعيشها أحيانا ونعلق عليها فشلنا، فنقول حينها إن الدنيا جيفة وطلابها كلاب، وهكذا نخلط بين المفاهيم. فالذم في العموم هو لمن تمسك بالدنيا وجعلها غايته النهائية، ولم يلتفت أو يتنبه إلى الآخرة؛ وهو لمن انغمس فيها ونسي الله والآخرة؛ لمن وضعها في قلبه فعزّ عليه تركها، ولم يجعلها بيده لأنه موقن بتركها في لحظة ما. مطلوب منا أن نعمّر الدنيا ونجعلها قنطرة الآخرة؛ أن نقوم بواجب الخلافة فيها على أتم وجه، حين نعبد الله ونوحده ونقيم العدل والحق، فما سخره الله تعالى من عجائب قدرته فيها لنقوم بواجباتنا، لا بأن نغمض أعيننا عنها ونكون فيها عبيدا لغيرنا.
وكذلك الأمر في حديث أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن بلغ منا الستين أو قارب، هل معنى هذا اليأس من الحياة؟ وهل يترك السعي بأنواعه؟ أنا أعرف امرأة بدأت حفظ القرآن وهي في السبعين من عمرها، وهي أميّة، وتم لها ذلك بعد أربعة أعوام. وكثيرون مثلها جددوا الهمة والعزم ولم ييأسوا، تفقدوا أنفسهم في حق الله أولاً وفي باقي الحقوق الأخرى، فكانت هممهم أعلى وأسمى من همم الشباب، فضموا إلى الحكمة والتجربة آفاقًا من العمل الصالح الطيب، ونفعوا أمتهم بمعارفهم وتجاربهم؛ لم ينطووا على أنفسهم، ولم ييأسوا، فالأعمار بيد الله تعالى، والموت لا يفرق بين كبير وصغير، ولا صحيح ومريض، فليكن الأمل حاضرا موقدا الهمة التي يحبها الله تعالى نفسه سبحانه.
كم من كبير تقاعد فانكفأ على نفسه، وأقنع نفسه بأنه مع الأموات لا محالة، والمسألة عبارة عن أيام؛ فتعبت نفسيته من هذا الشعور، ومن ثم ضعفت همته وضاقت آماله وطموحاته، فهل معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو هذا؟! إنني أجزم بأن الجواب هو: لا؛ فالمؤمن في الدنيا كلها، سواء كان صغيرا أو كبيرا، ينبغي أن يحسب للموت حسابه، وأن يكون على طاعة وصلة بالله دوما، فلا تغرنه الحياة الدنيا، ولا ينسى الموت الذي يذكّره بالآخرة، وبعد ذلك فليفعل ما يشاء بدون إسراف أو حمق، وليكن معه هذا الشعور حين الكبر ليرق قلبه، وشتان بين هذا الشعور وبين من يعد نفسه مع الأموات!
أما موضوع الغيب والقدر، وتعليق الفشل عليه، فهذا أيضا لا يصح بحال؛ فما أدراني بأن الله كتب عليّ هذا الأمر؟ هل انكشف الغيب لي؟ وهل يجوز لي أن أقول بأن هذا هو قدري؟ لقد ثبت لكثير منا كم كان يائسا مهزوما، ولكنه بأخذ الأسباب ومراعاته للسنن وحسن توكله على الله، وصل غايته. وما أجمل بعض عبارات العلماء في هذا الشأن في أننا نغالب القدر بالقدر؛ فنحن لا نعلم ما الذي قدره الله، لكننا نأخذ بالأسباب، وبعد ذلك فإن حصل ما نريد أو لم يحصل، فهو قدره تعالى. وقد قال عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما لمّا لامه في عدم دخول الأرض التي فيها طاعون: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"، فلم يدخل عمر تلك الأرض الموبوءة، وهذا أخذ بالأسباب.
نحن أمة عانت من الهزيمة، وانعكست آثارها علينا بشكل أو بآخر، وساد الجهل فترة، وضاعت الهوية مرة بل مرات، ونريد من أنفسنا جميعاً أن نفقه ديننا وسنن الحياة، وأن نثق بالله ربنا سبحانه، فما أجمل العيش مع الله وفي ظل منهجه ومرضاته سبحانه.


*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جزاك الله عنا كل خير (m.agha)

    الاثنين 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الحمد لله رب العالمين
    والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد العربي الأمي الأمين

    شكرا لك