غازي الشرقاوي: وطن في لحن

تم نشره في الأحد 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • الموسيقار الراحل غازي الشرقاوي - (أرشيفية)

عمان- الغد- ما أن تذكر أغنيات تتغنى بالعروبة وتفخر بالأردن حتى يذكر اسم الموسيقار الكبير الراحل غازي الشرقاوي الذي ترك إرثا كبيرا لألحان وأغنيات أصيلة.
ولا ينسى أن "أبو الشام" كما لقبته به كوكب الشرق أم كلثوم، له بصمة كبيرة فيما قدم للناشئة من أغنيات كما كانت له مشاركات في تلحين موسيقى ترسخ في ذاكرة الأجيال مثل "افتح يا سمسم"، "الليدي أوسكار"، "فلونة".
ولد الموسيقار الكبير غازي الشرقاوي في تموز (يوليو) من العام 1935 في مدينة يافا مسقط رأسه، وفي عمر الأربع سنوات جاء مع والده إلى، إمارة شرق الأردن آنذاك، لمدة سنتين حيث استمع منذ صغره لألحان الحصاد وترانيم الفلاحين، واستمزج دندنات البدو والسوريين والشركس الذين قطنوا الإمارة وشكلوا بيئة خصبة للتنوع الثقافي الذي يتمتع به الأردن اليوم، حيث يجد الباحث سمات أهل هذا البلد العريقة مطبوعة في العديد من ألحانه التي لحنها مستقبلا، وكأن ثقافة الطفولة تظل محفورة في الوجدان وتطفو كلما كان الإنسان في حالة من العفوية المطلقة، وهي حال كل فنان ذي حس مرهف كما كان الموسيقار والمعلم ومقرئ القرآن الشرقاوي.
بعد سنتين عاد إلى يافا حيث درس في مدارسها، كما تعلم في مدرسة الرابطة الإسلامية في المنشية أصول تجويد القرآن الكريم، وبدأ من يافا أولى خطوات الفن والإبداع الموسيقي، فأصبحت الموسيقى هاجسه الأول وهدفه الأهم ليلتحق الشرقاوي بالمعهد العالي للموسيقى في مصر حيث أمضى فيه 4 سنوات وتخرج بامتياز في العام 1957 م وكان ترتيبه الثالث على الجمهورية.
وكما هي مصر دوما بلد الفن ومنبته يجد أي فنان البيئة التي يتمناها والآذان الصاغية للفن الرفيع، فذلك ما حصل مع الشرقاوي الذي حظي بملاقاة كوكب الشرق أم كلثوم التي أثنت على صوته الشجي ولقبته بـ"أبو الشام" كما حضر العديد من الندوات الفنية لكبار الفنانين من بينها الندوات الأسبوعية لشيخ الملحنين زكريا أحمد وبروفات أغنيات أم كلثوم وغيرها.
غنى الشرقاوي في بداياته لكبار الملحنين أمثال محمد محسن وأحمد عبد القادر وزكي ناصيف وفريد غصن، غير أن انطلاقته الحقيقية والتي ظلت أهم ما غنى هي نشيد "أنا لن أعيش مشردا" للشاعر الكبير هارون هاشم رشيد والتي أداها من خلال إذاعة صوت العرب في 15\5\1958 م، وبقيت بصمة قوية على كل تاريخه الفني المليء بالإحساس العربي الأصيل والمتجذر في قلب فنان عاش آلام أمته وأحسها وعرف معنى الانتماء والوفاء وحمل تلك المشاعر معه حتى نجد أن معظم أعماله الفنية يغلب عليها الطابع الوطني والهم العربي وكأنه كان لديه إيمان عميق والتزام لا متناه بتوظيف فنه لخدمة وطنه العربي الكبير وهو الذي حلم بالوحدة العربية فليس للفن معنى إن لم يكن لهدف وغاية نبيلة من وجهة نظره.
امتلأ رصيده بأعمال وطنية مثل "أردن يا غنوة فخر" التي انطلق بها من إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية لأول مرة العام 1966م. و"أنت الأرض وأنت الشعب ومنك القائد يا وطني" من ألحان وكلمات محمد أمين، وأغنية "رمز الوطن" التي لحنها العام 1988م وغناها فؤاد حجازي، كما بقيت يافا حلمه وهاجسه وحبيبته فغنى لها كما لم يغنِّ أحد من قبل "سمعاهم يا يافا أولادك بنادوكي... انولدوا قبل الهجرة انولدوا وما شافوكي" و"يافا عروس البحر" و"يافا عالبال".
للفنان الشرقاوي إنجازات يفخر بها أي فنان عربي ولا يمكن ذكر اسمه دون ذكرها، ولعل أهمها حصوله باسم الأردن على جائزة المايكروفون الذهبي عام 1996م في البحرين عن أغنية "كيف أغني"، وهي الأغنية من تلحينه، وكتبها علي البتيري وغناها ناصر إرشيد.
كما كان الملحن العربي المنتدب من قبل المسؤولين في منظمة الأسكوا التابعة للأمم المتحدة لوضع لحن عربي لأغنية "أسرتي"  وكان ذلك في 1994 حيث اعتبرت السنة الدولية للأسرة، ومن شدة إعجاب اللجنة بلحنه تم اعتماد العمل ونسخه وتوزيعه على جميع إذاعات الدول الأعضاء والذي ترجم للغات الإسبانية والعربية والفرنسية والألمانية.
وحتى الأطفال كان لهم نصيب من إبداعات الشرقاوي فقد كلفته مؤسسة الخليج للإنتاج الفني بوضع الموسيقى الخاصة بعدد من أعمالها الفنية كبرنامج "افتح يا سمسم" و"بشار يا بشار" و"الليدي أوسكار" و"فلونة"، ومن منا لم يترب في صغره على سماع هذه الموسيقى الرائعة.
توفي الشرقاوي في 30\10\1999 تاركا إرثا كبيرا وحلما كان قد بدأه كفكرة في حياته سعى لها وتمناها للناشئة وهي وجود مؤسسة أو جهة فنية متخصصة تدعم أصحاب المواهب في الأردن خاصة، وتهيئ لهم الفرص التي لاقى جيله صعوبة في الحصول عليها، وذلك من خلال إنشاء شركة للإنتاج الفني تتبنى المواهب الحقيقية والفن الأصيل وبالفعل تبلورت رؤية الشرقاوي من خلال شركة تحمل اسمه "شركة أبناء غازي الشرقاوي" في العام 1991م، والتي تستشف حس الفنان الشرقاوي وتحرص على استمرار فكره الوطني والعربي الراقي والأصيل، وتتبنى الشركة اليوم تحت إدارة نجله الفنان والملحن وائل الشرقاوي والذي سار على نهج والده العديد من المواهب الأردنية الشابة والواعدة في محاولة صادقة لبناء مستقبل فني يفخر به الأردن في المحافل العربية والعالمية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رحمك الله (حسام غيث)

    الاثنين 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    رحمك الله يا عمنا الغالي أبوطارق