الطاقة النووية، أكثر مصادر الطاقة أمناً

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • مفاعل نووي فرنسي يعمل بتقنية الماء المضغوط - (أرشيفية)

فرنسيس سورين* - (لوموند) 2012/10/22

 ترجمة: مدني قصري

أحيت ذكرى حادث مفاعل فوكوشيما الياباني في الرأي العام الفرنسي قلقا مشروعاً: هل تكون مفاعلاتنا النووية آمنة؟ ألا تضيع مزايا هذه الطاقة بفعل المخاطر التي تنطوي عليها؟ في مقال نشر يوم 8 أيلول (سبتمبر) حسم الكاتب ج. ج. دلفور هذه المسألة بتوجيه نقد لاذع لما وصفه بأنه "عدم كفاءة المهندسين النوويين"، الذين صوّرهم بأنهم "مغرورون جاهلون، يدّعون المعرفة بينما هم لا يعرفون شيئا". إن المحصلة بعد 50 عاما من الاستغلال العالمي لمختلف أنواع الطاقات هي محصلة لم يعترض عليها أحد: إنها تبين أن من بين كافة مصادر توليد الطاقة الرئيسية -الفحم والنفط والغاز والطاقة المائية– كانت الطاقة النووية هي الأقل ضررا على الناس إلى حد بعيد. ولا شك أن هذه الصفات التي أطلقها دلفور تشكل فرصة لنا لكي نحاول دحض الأفكار الخاطئة، وتوضيح حقيقة إجراءات سلامة الطاقة، وأهدافها، ونتائجها، ومستوى المخاطر المحتملة.
وعلى عكس ما يعتقد الكثير من مواطنينا، فإن الخطر الذي يجب أن نقي أنفسنا منه ليس خطر حدوث الانفجار النووي: إن المفاعل النووي لا يمكن أن ينفجر كما تنفجر أي قنبلة، وهذا أمر مستحيل ماديا. إن رهان السلامة النووية هو رهان مختلف تماما: إنه يتمثل في محاولة الحيلولة دون تسرب وانتشار المواد المشعة المختزنة في داخل المنشآت وانتشارها خارج مكان احتباسها بكميات مفرطة.
ولهذا الغرض تحديدا، تتمثل مهمة مهندس السلامة في المقام الأول في اللجوء إلى نشاط المخيلة: عليه أن يستشعر كامل السيناريوهات المحتملة المتعلقة بالخلل الذي قد يصيب المُعدات، أو المتعلقة بالكادر البشري، ومن ثم التفكير في توفير أجهزة الوقاية لمواجهة أي طارئ. وخلافا للانتقادات الحمقاء القائلة بأن "النوويين" ينكرون في كل مكان وفي كل زمان أي إمكانية لوقوع حادث، ينبغي الإشارة إلى أن فرضية وقوع حادث خطير تظل مرتبطة ارتباطا وثيقا بإجراءات السلامة النووية. وتضاف إلى هذه الفرضية فرضيتان رئيسيتان: ينبغي النظر إلى كل جهاز للسلامة على أنه جهاز قابل للعطب، ومن ثم يجب تقويته بجهازين آخرين أو ثلاثة. وينبغي توقع وجود عيب في كافة أنظمة الوقاية.
الحادثان الكبيران اللذان وقعا في محطات نووية في تشيرنوبيل (1986) وفوكوشيما (2011) لا يثبتان فشل منهج السلامة، بقدر ما يشهدان على  أن هذا المنهج لم يخضع للمراقبة بالصرامة المطلوبة. والحال أن الوضع مختلف في فرنسا، حيث المفاعلات النووية مجهزة بمفاعلات تسمى "المفاعلات ذات الماء المضغوط،" وهي ذات تكنولوجيات جد مختلفة عن التكنولوجيات المطبقة في المنشآت الروسية أو اليابانية. وكان الحادث الرئيسي الوحيد الذي وقع في محطات تعمل بالماء المضغوط هو ذلك الذي حدث في العام 1979 في المفاعل الأميركي "ثري مايلز إيسلاند" (بنسلفانيا). وقد لعبت  أجهزة الحماية دورها هناك، إذ حصرت المواد المشعة المنصهرة في قلب المفاعل في داخل حدود منطقة الحادث، وهو أسوأ حادث يمكن أن يصيب مفاعلا نوويا. ولم يتسبب الحادث في إلحاق أي ضرر بالأشخاص أو وبالبيئة.
ويبقى أن ما من تكنولوجية واحدة قادرة على استبعاد احتمال وقوع أي حادث كبير قابل لأن يتم التحكم فيه والسيطرة عليه. ولكن، يمكن من حجم الأعمال والدراسات التي أجرتها الشركة الفرنسية للطاقة النووية حول هذا الموضوع منذ ثلاثين عاما، يمكن استخلاص نتيجتين رئيسيتين: أن مثل هذا الحادث غير محتمل، وأنه إذا حدث حقاً، فإن كل شيء يشير إلى أن جميع أجهزة الحماية والاحتواء، وكذلك تدابير إدارة الأزمة، ستكون قادرة على الحد وبصورة فعالة من كافة العواقب المحتملة.
هذه الاستنتاجات تستند إلى 50 عاما من تشغيل الطاقة النووية في فرنسا. وكانت الحوادث القليلة المؤسفة هي تلك التي تعرضت لها إحدى منشآت الاختبار في منجم من مناجم اليورانيوم، وفي مشغل من مشاغل تعبئة النفايات. أما محطات الطاقة النووية والمصانع الأخرى، فلم تتسبب في وقوع أي إصابة. وتعكس هذه الحصيلة التي تستحق أن يعرفها مواطنونا بشكل أفضل، مستوى جيدا من السلامة التي يتم العمل على تعزيزها بشكل مستمر. إن معظم الابتكارات التقنية، ولا سيما تلك التي يتميز بها المفاعل الأوروبي الذي يعمل بتقنية الماء المضغوط، قد تم إدخالها في المفاعلات التقليدية التي أصبحت بفضل هذه الابتكارات التقنية الجديدة أكثر أمانا وسلامة مع مرور الوقت. وتتم حالياً دراسة أجهزة أخرى في ضوء الدروس المستفادة من حادثة مفاعل فوكوشيما الياباني، ويجري تطبيق نتائجها تدريجيا. ويتمثل الرهان الرئيسي في القضاء على الأضرار الكبرى الرئيسية التي قد تنجم عن حادث نووي شديد القوة –مثل ذلك الحادث الذي أعطى بُعدا مأساويا للحادث الياباني- وهو التلوث الذي قد يصيب بأضرار جسيمة منطقة بكاملها على المدى الطويل. وذاك تحديدا هو الذي كان مصممو المفاعلات الأوروبية العاملة بالماء المضغوط يُلزمون به أنفسهم. وأكثر من أي وقت مضى، بات العمل من أجل القضاء نهائيا وبصورة فعالة على مثل هذا التلوث النووي طويل المدى هو ما يعمل عليه المسؤولون عن السلامة النووية.
إن تقييم مدى سلامة أي طاقة يعني أيضا مقارنتها بأنواع الطاقات الأخرى، ثم الإجابة عن السؤال الأساسي التالي: إذا كان الهدف هو نفسه، فما هي الطاقة، ومنها الطاقة الكهربائية مثلا، التي يمكن أن تكون الأقل ضررا على صحة وحياة الأفراد؟ وفي هذا الإطار، تبقى الحصيلة المسجلة على مدى 50 عاما من الاستغلال العالمي لهذه الطاقات حصيلة مؤكدة ولا خلاف عليها. وهي تبيّن أن من بين أعظم المولدات، من فحم ونفط وغاز ومياه، تظل الطاقة النووية أقل الطاقات إضرارا بصحة الناس وأرواحهم على الإطلاق. وتأخذ هذه الاستنتاجات بالاعتبار آثار حادثة تشيرنوبيل، وآثار حادثة فوكوشيما، وهي لا تغير من نتيجة المقارنات شيئا.
لا بد من التذكير بأن الفحم يكلف كل عام نحو 10.000 حالة وفاة نتيجة لحوادث المناجم، وكذلك أرواح الآلاف من ضحايا داء الرئة الصواني (السحار الرملي). كما أن الحوادث الناتجة عن الغاز والنفط تثقل هذه الحصيلة بشكل كبير. وإجمالاً، نلاحظ أن الذي تسببت به الطاقة النووية من الحوادث المؤدية إلى الموت خلال خمسين عاما كانت أقل بكثير مما تتسبب به هذه المصادر الأخرى في غضون عام واحد. وهكذا، يمكن القول إن التنمية العالمية للطاقة النووية، بحلولها جزئيا محل الطاقة الأحفورية خلال السنوات الخمسين الماضية، خلقت تقدما حقيقيا لفائدة صحة وسلامة الأفراد. هذا هوة الدرس الذي يتم استخلاصه من نصف قرن من التجارب، والذي ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار أيضا إذا ما أردنا أن نقيّم تقييما حقيقيا ضغوط ومستويات أداء السلامة النووية.

*مدير قطب المعلومات في الشركة الفرنسية للطاقة النووية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Le nucléaire, une énergie sûre

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دون مصداقية (جمال عبدالوهاب)

    الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ما حدا بحكي عن زيته عكر ودمتم