تحليل اخباري

النسور في مواجهة صقور "السيستم": هل يعيد للسياسة عافيتها؟

تم نشره في الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 12:57 مـساءً

عمان - أثار تكليف، ثم تشكيل الدكتور عبد الله النسور الحكومة الجديدة؛ خلفا لسابقه الدكتور فايز الطراونة، حزمة من الأسئلة عند العديد من المراقبين.
فور تكليف النسور تشكيل الحكومة على رأس مرحلة انتقالية، تنتهي بإجراء انتخابات مجلس النواب السابع عشر، استعاد سياسيون شريط ذكريات، متصلا بالرجل الإشكالي.
فالرجل وما عُرف عنه من ذكاء متقد، يخفي من بين صفاته مفاجآت من عيار الصدمة، يقول رئيس وزراء أسبق.
كما يُجمع عارفون بالرجل على بسالته في مكافحة الفساد، كما أنه ابن بار للبيروقراطية الأردنية، حيث يستطيع أن يضبط أعمال الدولة على هدي الدستور وقوانينه.
تاريخ النسور السياسي يشفع لسمعته، فهو الذي ابتعد مسافة معقولة عن حيتان البيرقراطية، وعرابي تيار المحافظين والحرس القديم.
كما أنه ظل محافظا على مسافة متساوية من خصومه كما أصدقائه، بعد أن نجح في الخروج مبكرا من لعبة الاصطفافات والاستقطابات، وحافظ على خط مستقل مناكف عند مواجهة المضللين من السياسيين، ويُسجل للرجل إعجابه الشديد بالحكومات السياسية الأقوى في تاريخ الأردن الحديث، وهي حكومات الأمير زيد بن شاكر ومضر بدران وطاهر المصري وعبد الكريم الكباريتي.
هنا؛ فإن متابعين يعتقدون بمحاولة النسور محاكاة هذه التجارب الحكومية الفريدة في تاريخ البلاد خلال العشرين عاما الماضية.
أمام استعراض تاريخ الرجل السياسي، فإن سياسيين استغربوا أن يكون النسور على رأس الحكومة الحالية، فهو كان يستعد لخوض الانتخابات المُقبلة، كما أنه عارض سياسات المرحلة السابقة برمتها، وحذر من مغبة استمرار الإدارة السياسية على ذات المنوال.
فأن يكون النسور على رأس حكومة تتعامل مع تركة الحكومات الثقيلة السابقة، وأن يسير على هدي قوانين عارضها، يترك جملة من علامات الاستفهام عند الحكم على تجربته.
لكن السطر، الذي لم يقرأه أحد جيدا، ولم يحلله آخرون، أن النسور صرح مبكرا أن "جلالة الملك جاء به رئيسا لحكومته وهو يعلم بتوجهاته وقناعاته".
إذن، من هنا؛ فإن مخضرما سياسيا لا يستبعد احتمالات بدء مروحة من التغييرات في عقل الدولة السياسي مع قدوم النسور.
يُعرف عن النسور عداؤه المطلق للفساد والفاسدين، وبسالته في مواجهتهما، وهو ملف إذا اشتغل عليه الرجل فقد يكون اقترب كثيرا من المطالب الإصلاحية، التي تنادي بها الحراكات الشعبية، الأمر الذي يضمن ابتعاد الحراكات مسافة معقولة عن انتهازية القوى السياسية واستغلالها لها.
كما أن النسور يتمتع سياسيا بـ "لسان دافئ" وخبرات واسعة في الجدل السياسي، ويستطيع التجسير لمقاربات من شأنها عبور المرحلة نحو يوم الاقتراع بأقل الأضرار والخسائر.
يساعد الرجل هنا؛ ما تعانيه الحركة الإسلامية من اعراض انسحابية، كنتيجة لقراراتها بمقاطعة العملية الانتخابية؛ تسجيلا وترشيحا وانتخابا.
ويصف مراقبون استعجال جماعة الإخوان المسلمين، وذراعها السياسية، جبهة العمل الإسلامي؛ اتخاذ قرار المقاطعة، بأنه يضاعف عزلتها، التي "أطربت" مراكز شريكة للحكومة في صناعة القرار.
لا شك بأن النسور رئيس جديد، من طراز مختلف، حسبما يقول وزراء معه، شاركوا في أكثر من حكومة، فقد افتتح النسور جلسات مجلس الوزراء بشرح عميق لأبعاد الحالة الأردنية، مُستعرضا أولويات المرحلة، ومتطلبات الخروج من حالة الإحباط العام.
يمتلك النسور حنكة كافية في الإدارة العامة، وكم نظر الرجل إلى "فكرة وفرصة" استعادة هيبة مؤسسات الدولة، بشكل يُمكن من خلاله استعادة الثقة بين المكونات الأردنية، مواطنين ومؤسسات دستورية وحكومات.
النسور اُستقبل بوابل من الانتقادات على خلفية تصريحاته المبكرة عشية تكليفه بتشكيل الحكومة، واستُكملت حفلة النقد له ببيانات من المعارضة، اعتبرت أن حكومته "استمرار للحكومات السابقة".
ضاعف من حدة النقد الموجه له، محاولاته اختصار فريقه الحكومي، واتباعه لسياسة دمج الوزارات على أسس قيل عنها إنها "غير موضوعية"، كما أنه احتفظ بـ 16 وزيرا من حكومة كان حجب عنها الثقة، واحد منهم على الأقل يترك انطباعا بوجود "دالة أمنية" على حكومة النسور.
قد يكون الطرح سابقا معقولا، لكن قد يكون من وجهة نظر النسور، الذي لم نسمعه بعد، أنه احتفظ بالوزراء الفاعلين، فعدد من وزراء الخدمات قدموا أداء جيدا، في حين أن الاحتفاظ باسم وصورة وزير الخارجية يترُك انطباعات دولية، عن مدى استقرار البلاد سياسيا، كما أن بقاء حقيبة التخطيط في يد صاحبها، أمر  له اتصال بالإشراف على تدفق المنح والمساعدات الدولية.
وفي سياق الرد على أسس الدمج بين الوزارات؛ فيمكن القول إنه ليس هناك سياسة متبعة في ذات الموضوع، وهنا قد يكون الدمج جاء على أسس سياسية أكثر منها فنية.
كما يمكن المحاججة في الإبقاء على وزراء من حكومات سابقة، بمدخلات النسور على حكومته، بشخصين من طراز وازن؛ نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية عوض الخليفات، والنائب المخضرم بسام حدادين، حامل حقيبتي التنمية السياسية والشؤون البرلمانية.
فالأول من "وزراء الزمن الجميل"، وعُرف عنه قدراته العالية في إدارة الملف الأمني، في لحظات حرجة؛ وبصمت وهدوء وبتنسيق عالي الدقة والجودة، أما الثاني فله صولات وجولات سياسية، من شأنها إعانة النسور في مساعيه لتقريب وجهات النظر بين أضداد السياسة.
حجج المعارضة في مواجهة النسور؛ قد لا تكون بليغة، فالرجل عارض قانون الانتخاب، لكنه أعلن ترشحه للانتخاب على أساسه، كما أنه يمتلك من الواقعية السياسية ما يمكنه من رسم أولويات المرحلة، من وحي تقاطعاتها مع خريطة الإصلاحات العامة.
لكن أهم فصول المرحلة الراهنة هو ما يتوقع مراقبون أن نشاهده؛ عند اشتباك النسور الإصلاحي مع تيار الصقور المحافظين في الدولة، فبين الاتجاهين ثمة تباين خطير، فالنسور إصلاحي منذ زمن الأحكام العرفية، والصقور محافظون في كل الأزمنة.

التعليق