هل ما تزال دموع الرجال غالية؟

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • يرى خبراء أن السلوك الصحي هو التعبير عن الذات وعن المشاعر بصورة صحيحة دون خجل - (أرشيفية)

ديما محبوبة

عمان-  "إن الرجل لا يبكي إلا مرة، ولكن دموعه عندئذ تكون من دم"، مقولة أطلقها نابليون منذ قرون، ويقابلها في القاموس الشعبي المقولة الرائجة "دموع الرجال غالية"، هذه العبارة التي ضربت جذورها في عمق العادات الاجتماعية، فأصبح معها بكاء الرجل ضعفا، ينتقص من رجولته وكيانه.
وبالرغم من أن الكثيرين وجدوا في هذه العبارة قانونا يميز فيه بين الرجل القوي والضعيف، إلا أنه في المقابل هنالك آخرون يرون في بكاء الرجل طريقة للتعبير عن مكنونات نفسه ولا يجدون غضاضة في ذرف الدموع في موقف ما، لأن ذلك لا يتعارض مع إنسانيتهم.
وهذا ما تذهب إليه الثلاثينية علياء علي، التي تقول إن الرجل الشرقي تربى منذ الطفولة على أنه يجب أن لا يساعد ولا يبكي ولا يحزن ولا يتألم كونه رجلا".
ولا تعلق عليا اللوم في مثل هذه التصرفات على الرجال، مؤكدة أنها تحزن لأجلهم، كونهم وضعوا في قالب غريب، فهم في النهاية بشر يشعرون ويتألمون ويحزنون ويحبون".
أما الأربعينية أم علاء فتؤكد بأنها لم تر في حياتها الزوجية، والتي استمرت عشرين عاما زوجها يبكي، إلا عندما فقد والده، فرأت منه دمعتين حزينتين، موضحة أنه كان خجلا من أن يراه أحد، فهو الرجل القوي الذي لا يبكي، مشيرة إلى أن هذا علمه إياه والده.
ولكن بعد مضي ثلاث ليال من تلك الواقعة، نقل أبو علاء إلى المستشفى، حيث أصيب بجلطة قلبية، لكنه شفي والحمد لله، على حد تعبير أم علاء، مبينة أن الأطباء أكدوا أن كبت الحزن، يؤذي الشخص، ويمكن أن يصيبه بأثر نفسي كبير، وتوعك صحي يؤثر على حياته.
ومن وجهة نظر ذكورية يبين مصطفى الروسان، أنه تربى على أنه الرجل الوحيد في أسرته فوالده متوفى، وهو رجل المنزل المكون من أم وثلاث أخوات، لكنه في المقابل فهو رجل يحمل الكثير من مشاعر الحب والخوف على عائلته لأنه رجلهم.
ويبين أنه يبكي لأجلهم ومعهم، ويحزن على حزنهم ويفرح لفرحهم ويتألم لألمهم، وهذا ما حاولت والدته أن تزرعه في داخله.
وما يجعل بعض الرجال بلا مشاعر أو مقيدين في التعبير عن مشاعرهم في رأي التربوية رولا أبو بكر وجود بعض الأبناء الذين يعيشون مع أحد الوالدين المنفصلين، إذ تكون لديهم قدرة قليلة على التواصل العاطفي، ولم يتلقوا توجيها كافيا في كيفية التعبير عن مشاعرهم، فيميلون للانسحاب والإحساس باكتفاء عاطفي ذاتي والبعد عن الآخرين الذين يتصرفون معهم بالمثل.
لكن بعض الأشخاص الذين لم يستطيعوا التعبير عن مشاعرهم أو يتدربوا على ذلك، كما تقول، يصبحون أكثر اهتماما بأبنائهم أو أزواجهم وأكثر تواصلا عاطفيا معهم، بينما يكرر آخرون نموذج آبائهم نفسه.
وهناك أشخاص غارقون في القلق والعمل أو الخوف أو المرض، بحسب أبو بكر، ليست لديهم القدرة على التعامل مع مشاعر القلق والحميمية معا في الوقت نفسه، لذلك لا يكونون متواجدين لمعرفة واستيعاب حاجات الآخرين.
وتبين أبو بكر بأن هناك بعض الأشخاص الذين يتخذون من أسلوب التحفظ في إبداء المشاعر تكتيكا أو مناورة لجعل الشخص الآخر يعبر عن مشاعره، إذا كان قليل التعبير عنها بشكل يؤلم الشخص الآخر.
وتضيف "فيظن البعض أنهم بهذه الطريقة يجبرون الشخص على إظهار عواطفه، وتصبح القصة صراع قوة، فهما غير قادرين على التواصل مباشرة والتعبير فيلجآن لأساليب قاسية وغير مباشرة للتفاعل".
لكن من جهة أخرى، تبين أبو بكر أن الذكر يختلف عن الأنثى على صعيد التعبير العاطفي، فهو متحفظ بينما هي عاطفية، ولا يمكن إنكار أن تعبير الشخص يكون محكوما.
ويمكن التدريب على التعبير عن المشاعر برأي أبو بكر من خلال التعرف على مشاعر الشخص قبل أن يشارك بها غيره، وإذا كان يتجنب التواصل العاطفي لمدة سنوات طويلة، سيكون من الصعب عليه التعبير عن مشاعره أو إدراكها بسهولة، وعلى الشخص أن يتذكر أنه من حقه كإنسان أن تكون لديه مشاعر تجاه كل شيء.
وبرأي الأسري د. فتحي طعامنة فإن الأسر التي تعاني من جفاف العواطف وقسوة الرجل لأجل أنه رجل، تكون حياتها أيضا جافة، كون البعض يعتقد بأن العواطف تجعله ضعيفا ومغفلا.
ويمكن أن يتغير سلوك الشخص من خلال الاستماع للطريقة التي يعبر بها من يعيش معه عن مشاعرهم، ويتخذ من كلماتهم نموذجا، ويجرب أن يحاكي هذا النموذج عندما يشعر بشعور قوي تجاه شيء ما.
وبرأي اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع فإن هناك بعض الأشخاص الجافين أو المتحفظين في التعبير عن عواطفهم ومشاعرهم، لذلك قد يجدون صعوبة في التواصل معهم، وإن كان شخصا منفتحا في التعبير عن مشاعره.
ويؤكد بأن التباعد العاطفي بين أفراد الأسرة أو الأصدقاء قد يؤثر على ديناميكية العلاقة، لافتا إلى أن بعض النصائح للتعامل مع هؤلاء الأشخاص المتحفظين، يجب تحديد سبب مشكلة التعبير عن المشاعر، فقد يكون سببها عقليا أو فسيولوجيا أو جرحا عاطفيا قديما أو مشكلة في العلاقة أو أسبابا أخرى.
ويتفق اختصاصي الطب النفسي د. محمد حباشنة مع جريبيع. ويبين أن من الأفضل الرجوع للسبب الحقيقي من كبت المشاعر، فإن كان أمرا عرفيا فيمكن تغييره ولو كان يحتاج إلى وقت، وتدريب نفسي عميق.
أما إن كان سببه ضعفا معينا يشعر به الرجل كمرض ما فيمكن التعامل مع الشخص من خلال تهوين ما يشعر به وما يمر فيه.
ويؤكد حباشنة أن مشكلة عدم القدرة على التعبير عن المشاكل لها أسباب عديدة، إضافة إلى سبب مهم هو "الثقافة" التي لا تشجع على ذلك، وربما تعده ضعفا أو مدخلا يتيح للآخرين استغلال المشاعر والعواطف.
وعدم تعبير الرجل عن مشاعره يعني أنه شخص كئيب لا يمكن أن يشعر بالسعادة الحقيقية برأي خبيرة الطاقة ريا خضر، موضحة أن السلوك الصحي هو التعبير عن الذات وعن المشاعر بصورة صحيحة وبدون خجل، وذلك لأن الطاقة السلبية كالحزن مثلا في حال التعبير عنها يعني خروج تأثيرها من جسم الإنسان.
والشعور بالفرح والحب والاستقرار والتعبير عن هذه المشاعر، يعني أن الطاقة الايجابية وما ينتج عنها سيشعر بها وستحدث تغييرا كبيرا في حياة الفرد بشكل أفضل، لذا تنصح خضر بالتعبير عن المشاعر مهما كانت وبطريقة سليمة وتفريغ الغضب بطريقة سليمة وإن كان البكاء يريح الرجل فلا ضير منه، فهو دلالة على أنه يحترم ذاته ومشاعره وإنسانيته.

التعليق