"كلمة" يصدر كتاب "مصوِّر في الحج" عن رحلات محمد علي أفندي السعودي

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

عمان-الغد- أصدر مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتاب "مصوِّر في الحج: رحلات محمد علي أفندي السعودي (1904-1908)" للمؤلفين  فريد قيومجي وروبرت غراهام، وقامت بنقله للعربية د.سرى خريس.
وُلد السعودي في القاهرة في العام 1865 وكان يمثل طبقة المتعلمين التي ظهرت في الطبقة الوسطى في مصر ووقعت تحت التأثير الثقافي والاجتماعي والتكنولوجي الأوروبي، بالإضافة إلى التيارات الجديدة الشائعة في مصر آنذاك. أُعجب السعودي بأفكار جمال الدين الأفغاني السياسية ومبدأ الإصلاح الديني الذي نادى به المعلم الشيخ محمد عبده  الذي قام بمصادقته.
وهكذا تمكن السعودي من الجمع بين أفكار المسلم الوَرِع ومشاهدات المفكّر الواعي المثقف، بالإضافة إلى ذلك، كان السعودي مطّلعاً على تقليد الأوائل من العلماء الرحالة الأوروبيين أمثال السير ريتشارد بورتن (Richard Burton) وجون لويس بوركهاردت (John Lewis Burckhardt). لقد كان السعودي مولعاً بالدراسة لدرجة أنه اقتنى ترجمة مكتوبة بخط اليد لكتاب بوركهاردت "رحلات في شبه الجزيرة العربية". ويشبه اهتمامه الصارم بالتفاصيل، اهتمام العالِم المُصلح الذي جمع بين وعيٍ جادٍ للغاية وحِسٍّ عميق بالعدالة الاجتماعية.
كان السعودي مسؤولاً ذا رتبـة وُسطى في وزارة العدل وقام بمرافقة القوافل المصريـة الرسمية المتجهة إلى مكة لأداء فريضة الحج في شتاء عام 1904 والشتـاء الذي امتد بين عامي 1907 – 1908 . كما كان شديد الافتتان بفن التصوير الفوتوغرافي وبالحكايات التي روّجت لها تلك الصور الفوتوغرافية.  لقد كان من النادر جداً، حتى في مطلع القرن العشرين، أن يقوم أي مصري أو حتى أي عربي بتأريخ رحلة الحج إلى مكة والمدينة المنورة من خلال كتاب عبر الصور الفوتوغرافية. ولذلك، فإن مذكرات محمد علي أفندي السعودي وملاحظاته المكتوبة التي تم اكتشافها مؤخراً، بالإضافة إلى الصور الفوتوغرافية المصاحبة لهما، جعلت منه شاهداً استثنائياً على رحلة الحج إلى مكة.
يتميز الكتاب بصوره الفوتوغرافية النادرة التي تعكس الثقافة الاسلامية والمفاهيم الاجتماعية التي ارتبطت بشعيرة الحج كما عاشها السعودي.  يصف السعودي عبر هذه الصور تغير الطبيعة المادية للحج ذاته، وذلك بسبب الطريق البحري الممتد من السويس حتى جدّة والذي جعل وصول الحجاج المصريين إلى الأراضي المقدسة أسرع وأسهل، مما شجع المزيد من الأشخاص على الخروج إلى الحج. لذلك تضاعف عدد الحجاج في القوافل المصرية في الفترة الواقعة بين رحلة الحج الأولى التي قام بها السعودي، ورحلته الثانية التي اصطحب فيها والدته معه.
يناقش الكتاب أيضاً كيف باتت وسائل مكافحة الأمراض أكثر صرامة وكيف سعت السلطات البريطانية إلى منع انتشار الكوليرا ناحية الغرب بسبب الحجاج المسلمين القادمين من الهند وخاصة بعد ظهور نوع جديد من البكتيريا المسبّبة للكوليرا في عام 1905 في إحدى محطات المحمل الواقعة في الطور (Al-Tor) على ساحل سيناء، حيث اكتشف وجودها مجموعة من الأطباء الذين قاموا بفحص الحجاج العائدين من الأراضي المقدسة.
عانى السعودي ورفاقه الحجاج من وطأة غضب البدو الذين أثارهم مشروع سكة الحديد، فتعرّضت قوافل الحجاج المصريين للهجوم مرتين، وهي في طريقها إلى المدينة وعند عودتها كذلك. ويشكل وصف السعودي للرحلة تذكيراً حيوياً للمخاطر التي تعرض لها الحجاج كما ويعكس شجاعتهم الاستثنائية التي غذّاها إيمانهم العميق. لم يَعُد كل الحجاج إلى أرض الوطن. وعلى الرغم من سيطرة هذه الظروف البدائية على رحلة الحج، يُعدّ السعودي رحّالةً "عصرياً" ويُعزى ذلك إلى أن كتاباته سلّطت الضوء في المقام الأول على الجوانب الاجتماعية والسياسية والإثنوغرافية للرحلة وللرحالة والتي قام بتأريخها كذلك بواسطة آلة "معاصرة" ألا وهي الكاميرا. عدّ الرحالة أمثال السعودي والجنرال إبراهيم رفعت الجانب الديني للرحلة أمراً مسلماً به ولذلك التزم كلاهما بتسجيل مشاهدتهما لطقوس الحج.
نتج عن وصف السعودي لرحلاته أربعة مجلدات من يومياته التي وصل عدد صفحاتها إلى مئتين وخمسين صفحة فولسكاب (ورق كبير القطع) خطها بخط مصقول جميل، بالإضافة إلى العديد من الملاحظات. ولقد كتب معظمها بقلم الرصاص بينما كان على ظهر الجمل مسافراً وقد جلس على الشاكداف وهو نوع خاص من المقاعد المخصصة للحجاح المسافرين على ظهر الجمال ويتكون من إطار خشبي ثُبّت فوقه مقعد مُبطّن افترش ظهر الجمل. ويجدر بالذكر هنا أنه نادراً ما يتمكن المسافر على هذا النوع من المقاعد من الكتابة بخطٍ أنيق أو حتى مقروء. ولم تكن طريق التنقل الصعبة هذه لتساعد على الحفاظ على ممتلكات المسافرين أيضا. ولذلك، اضطر السعودي عند عودته إلى القاهرة إلى إعادة كتابة كل ملحوظاته التي تعذّر فهمها وإلى استرجاع الكثير من الأحداث التي دونها ولكنها فُقدت في الطريق. يعد هذا الكتاب إحياء لهذه اليوميات التي تعد ذخيرة ثقافية وتاريخية.
مؤلفا الكتاب: فريد قيومجي، وهو باحث متخصص في أدب الرحلات المتعلق بالشرق الأوسط، وما يحويه من وثائق تاريخية، ووصف لرواسم حجرية، وصور فوتوغرافية تعود إلى القرن التاسع عشر على وجه الخصوص.
أما روبرت غراهام، فهو صحافي مستقل يعيش اليوم في باريس وجنوب إسبانيا. منح في عام 2004 وسام الفروسية الشرفية برتبة ضابط الإمبراطورية البريطانية  (OBE: Officer of British Empire) لما قدمه من خدمات جمة للصحافة والإعلام.
مترجمة الكتاب د. سرى خريس، الأستاذ المشارك في النقد والأدب الإنجليزي، حصلت على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنية عام 2001، وتعمل حالياً في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة. تنصب اهتماماتها على الدراسات النسوية والأدب العالمي. من أعمالها المترجمة: الإسلام والاستشراق في العصر الرومانسي: مواجهات مع الشرق لمحمد شرف الدين، والمؤلف لأندرو بينيت، وتسلق أشجار المانغا لمادور جافري، وجميعها صادرة عن مشروع "كلمة" للترجمة- هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.

التعليق