"ضياع سنوات العمر": أسباب متعددة تدرك بعد فوات الأوان

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

منى أبو صبح

عمان- مضت سنوات العمر بالستيني أبو إبراهيم لتحط رحاها في منزل صغير يستأجره، يكاد يكفيه للعيش به وزوجته، بعد أن ظل راكضا وراء سراب كبير بأن الشركة التي قدم استقالته منها لن تستغني عنه وعن خبرته الطويلة في عمله، وستعاود الاتصال به لاحقا.
كانت حياة العائلة تسير بشكل جيد وعلى ما يرام، إلى أن جاء اليوم الذي قدم به أبو ابراهيم استقالته للشركة التي يعمل بها إثر خلافه مع رئيسه في العمل، الذي سارع بقبول طلبه، ومنذ ذلك اليوم وهو ينتظر في كل لحظة اتصالهم به.
تقول زوجته: "تمر بالإنسان العديد من المواقف لكنه لا يستسلم لها، ويحاول تدبير حياته والتزاماته بما هو متوفر، لكن أبو ابراهيم لم يحاول البحث عن عمل آخر، وحدثت خلافات ومشاجرات بيننا عديدة كادت أن تصل للطلاق، فلولا الأولاد وعملهم لعشنا في الشارع".
البعض يقول إن عمره ضاع ولم يحقق شيئا في هذه الحياة، أو يقول إن عمره ضاع من أجل أمل لم يحصل عليه في نهاية الأمر، أو لأنه لم يشعر بالسعادة قط. وحينما يقف المرء أمام نفسه يشعر بالندم على ما فات، فمنهم من يستدرك وقته ويحاول تعويض ما فاته، والبعض الآخر يبقى ساكنا دون تحقيق هدف يرجى.
المواصفات الخاصة والمتطلبات المتعددة وقفت حائلا دون زواج فاتن شاكر (58 عاما). الحلم بفارس الأحلام بالصفات التي تريدها لم يكتمل في صفات الشباب الذين تقدموا لها، حتى وصلت هذا السن، وهي ترفض هذا وذاك لأتفه الأسباب حسب قولها.
تقول: "عندما أجلس مع نفسي أشعر بأن سنيّ عمري ذهبت هباء، ليس فقط لأنني لم أتزوج، بل لأنني لم أحاول عمل شيء في حياتي، فكان باستطاعتي أن أتعلم، وأعمل وقد أحقق نجاحات في الحياة، فقضيت أيامي مع التلفاز والإنترنت والخروج والأكل والنوم فقط".
وفاتن وصلت لنتيجة وإن كانت متأخرة، بأن الهدف دوما هو طريق النجاح، فمن لا يضع هدفا يسير باتجاهه سيتخبط في كل الاتجاهات ليصل إلى لا شيء، ويبتلع الفشل سنيّ عمره التي مضت.
الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد يقول: "هناك طموحات وأهداف يسعى الانسان لتحقيقها بالحياة، ولا ينجح بها، فيجب عليه أن يقيم نفسه قبل البدء بها والتشاور مع الآخرين، والاستفادة من تجاربهم".
ويضيف: " كم شخص صدم لأنه فشل وأدرك أن هدفه لا يمكن تحقيقه، أو قضى حياته وراء سراب ما أو حياة يعيشها كما ترسمها مخيلته، وهذا يؤدي لشعوره بالإحباط والألم والندم في المستقبل على ما فات".
ويذكر مثلا على ضياع الوقت والسنين بمعاكسة اتجاه القدرات بأن أحد الطلبة قضى سبعة عشر عاما في دراسة الطب في الجامعة ولم ينجح، وهذا يدل على عدم قدرته على دراسة هذا التخصص.
ويلفت إلى ضرورة وقوف المرء مع نفسه، والنظر لدوره في الحياة، وهل هو راض عن أدائه في شتى المجالات أم لا، والعمل على تعزيز الإيجابيات والقدرات لديه بما يناسبها.
ويرى الستيني أبو فيصل أن قطار الحياة جرى به دون علمه، فقضى حياته بالتنقل من بلد لآخر وراء أهداف وطموحات متعددة، ولم يحقق منها سوى القليل، ولو استغل السنوات السابقة بالتركيز في عمل أو هدف معين لكان حاله أفضل.
يقول:"السنين تركض، ولا يعرف قيمتها الإنسان إلا عندما يكبر، فالحمد لله ربيت أبنائي وبناتي جيدا، ولكل منهم حياته الخاصة به، لكن لو رجع الزمن للوراء لما أضعت ساعة أو دقيقة في حياتي دون استغلالها بالشيء المفيد".
يشير استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان إلى أن الوقت هو الحياة ودائما الإنسان الناجح هو الذي يستطيع أن يدير وقته بكفاءة، ويقال "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك".
ويبين سرحان ميزات الوقت وخصائصه الفريدة بأنه ينقضي بسرعة، فمهما طال عمر الإنسان فهو قصير، ما دام الموت هو نهاية كل حي، والوقت لا يمكن أن يسترجع، وهو رأس المال الحقيقي لذا على الإنسان أن يستثمر وقته ويعرف كيف يتعامل معه.
ويؤكد ضرورة وجود هدف للإنسان في الحياة (الهدف الأسمى) وأن يضع برنامجا زمنيا لتحقيقه، مع وجود أهداف مرحلية أو صغيرة أخرى، ويجب تقييم الإنسان لنفسه وأن يسأل ماذا انجز وأيضا مسؤولية الآباء والمربين أن يعودوا ابناءهم على محاسبة النفس ومتابعة الإنجاز والتقييم أولا بأول.
يقول: "من يتعلم كيف يدير وقته يمكن له أن ينجح، وهناك من يهدر ويقتل وقته بما لا ينفع كالنوم الزائد عن الحاجة أو الجلسات والأحاديث التي لا طائل منها، كما يجب علينا الابتعاد عن الأشخاص الذين يتفننون في إضاعة الوقت".

[email protected]

التعليق