الراديكالية والاكتئاب

تم نشره في الثلاثاء 2 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • مسلمون أمام مطعم يبيع الطعام الحلال في ضاحية باريسية - (أرشيفية)

فاطمة بوفي* - (ليبراسيون)

ترجمة: مدني قصري
لا شك أن أزمة الهويات تقع في صميم الظواهر المؤلمة التي يعيشها المسلمون. ومع ذلك، نادرا ما يتم تناول هذه المشكلة على المستوى الفردي. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فهْمٍ مختلف للمشكلة. ولذلك، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء. تُرى كيف لا نشعر أننا معنيون شخصيا بالصورة التي يعكسها "علينا شخصيا" العالم أجمع منذ حرب الخليج الأولى؟ لقد نشأت أجيال بكاملها مشبعة بهذا التقييم السلبي لأنفسها. فمنذ بعض العقود، لا شيء يرقى إلى مستوى الأمجاد: إنهم يمثلون جزءا من مجموعة فريدة تندرج ضمن "محور الشر". ومن البديهي أننا لا نستطيع أن نخرج سالمين من تحت هذه "المدحلة"، بعد أن انحسرت النرجسية، وبعد أن قُوضت المثل، وتعزز الشعور بالذنب: لذلك لا نملك إلا الاكتئاب.
إن هذا "يمسَهم" جماعيا، ولكنه يمسهم فرديا أيضا. فالذين يسعهم الاستبطان (التأمل الباطني) يحدثوننا عن معاناتهم الناتجة عن ارتباطهم بأشخاص لا يعكسون شخصياتهم. وأما الآخرون، العاجزون عن التعبير قولا عن أنفسهم فهم ينتقلون إلى الفعل بصورة عدوانية. وتعطينا الأحداث الأخيرة الشعور بأننا نعيش ذروة أزمة تضرب العالم أجمع. الاكتئاب يُضعف الأفراد، والشرخ النرجسي الذي يحدثه هذا الاكتئاب يفتح الطريق لدخول المتلاعبين. وتعمل خطاباتهم الضارة على زرع الشك في أذهانهم حين تعلن أن القيم المعاصرة تناقضية تعارضية، على الرغم من توافقها مع المعتقدات الدينية.
إن الزعماء هم استراتيجيون مثقفون منعزلون وكاريزميون في آن واحد، يستعملون البؤس الاقتصادي والاجتماعي لضحاياهم حتى يحاصروهم. وقد حاولوا أوّلا عن طريق الاقتناع، لكنهم سرعان ما انتقلوا أمام فشل هذا الأسلوب إلى العنف. وعندئذ يضعون فرائسهم وخصومهم في موقف ضعف، فيصمتون إن استسلموا للخوف، أو لا يُسمع صوتهم في حال عدم وجود خطاب "قابل للتمويل".
إن الصمت، كما نعلم جيدا، يشكل أرضية ينمو فيها الشذوذ الذي لا يظهر إلا بعد فوات الأوان، حتى وإن صدرت تنبيهات قبل بعض الوقت. وعلى جانبي البحر الأبيض المتوسط يُحدث هذا الشعور بالوقوع في الارتباك قلقا يصل في بعض الأحيان إلى إحداث صراعات نفسية داخلية ثقيلة. فكل "العرب الإسلاميين"  كانوا حتى السنوات الأخيرة، مناهضين للغرب قليلا، وإسلاميين إلى حد ما، وأنصاراً لنظرية المؤامرة إلى حد. وبعضهم تراجعوا، وبعضهم الآخر يقبلون على هذا المعسكر أو ذاك ويتراجعون عنه. وقد ظلت الكلمات غير متناسقة، وتشكل واجهة دفاعية. ويأتي العنف الحالي من كوننا نشعر بأننا وقعنا في فخ معتقداتنا، لأن آخرين استولوا على أفكارنا.
إن هذا القلق هو الذي يجسد منذ بضعة أيام، هنا وهناك، الفكرة التي مفادها أنه قد يستحيل التوفيق بين حرية التعبير وبين رفض الخطاب الذي تمارسه الإسلاموفوبيا والسلفية سواء بسواء. فلنضع هنا مقارنة بين النقاش حول الهوية الوطنية في فرنسا وبين مرحلة ما بعد "الربيع العربي"، مع ما يترتب عليها من عواقب على الأفراد. إن خطابات متماثلة، كما نعلم، قد صدمت بعض "المسلمين" في فرنسا. وقد شعروا بأنهم قد صدموا، ورأوا أحداث ماض عويص تتسلسل أمام أعينهم: أبٌ قادم من المغرب العربي، عامل، يكدح ليل نهار كي يبني فرنسا ويحصل على حياة أفضل، وأم ترعى وحيدة أطفالها، في ظروف غير إنسانية أحيانا. وإذا كان بعضهم قد نجح، فذاك بفضل مدرسة الجمهورية، وبفضل الأمهات اللائي لا يتساهلن إزاء أداء أطفالهن الأكاديمي، وبفضل الحاجة إلى اندماجهم في المجتمع الفرنسي. وقد بذلوا كل هذه الجهود حتى يُنظر إليهم كمندمجين! فكيف لا يشعرون بالاكتئاب؟ وفي المقابل نجد حفنة من "أبناء العمومة" الذين يحاولون زرع هوية غريبة. لكنّ هذه الزراعة لا تصمد لأنها لم تنتقل إليهم عن طريق الآباء. وذاك هو عين المنطق. فهذه الزراعة هي الطفل الوحش المتولد عن فراغ مدني وفكري كلي توغّل في أعماقه دعاةٌ راديكاليون. ولا أحد يجد نفسه فيه، فيما الأشخاص الأكثر هشاشة ينحنون أمامه خوفاً من أن لا يسيروا خلف حركة لا يعرفون في الحقيقة أنها حركة سياسية. وهنا أيضا يرى البعض، هناك، صور ماضيهم ما بعد الكولونيالي فيتساءلون: هل كان كل هذا لكي يصلوا إلى هذه النتيجة؟ فكيف لا يشعرون بالاكتئاب في هذه الحالة؟ إذا كان هؤلاء المتطرفون قد نجحوا في مهمة بعينها، فهي مهمة إرساء جسر الإجماع ضدهم على هذا الجانب وذاك من البحر الأبيض المتوسط. وإذا كان ثمة انشغال مشترك، فهو همّ السلام الجماعي والفردي معا!
علينا أن نعترف هنا بمسؤوليتنا: لقد ارتكبنا خطأ عدم نقل التقاليد الخاصة بالمغرب العربي إلى أطفالنا. وقد شغلتنا معارك أخرى فتركنا الباب مفتوحا أمام سموم التطرف. علينا أن نروي تاريخ وتقاليد آبائهم لهؤلاء الشباب، لكي يستوعبوها على أسس غير مشوهة. وهذا التاريخ هو تاريخ متوسطي، وليس شرق أوسطي. وهو احتفالي وليس تقشفيا. وهو مزين بالكفاح من أجل التقدم (ويشهد على ذلك وضع المرأة التونسية الذي بات مهدداً مع الأسف) وليس من أجل الظلامية، وهو هادئ سلمي وليس عنيفا. علينا أن نلقن الصغار كيف يحسنون التفكير قبل التصرف، ويحبون التفكير. وعندئذ يمكننا أن نقول لماركس "للأفيون اكتشفنا الميثادون، وللأديان اكتشفنا العقل".

*طبيبة نفسية فرنسية تونسية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Radicalisme et dépression

التعليق