الصراع على نواة السيطرة

تم نشره في الاثنين 17 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

هآرتس

تسفي برئيل         
16/9/2012
لرئيس الـ"سي.اي.ايه" دافيد بتراوس، قصة تضيء العيون عن سلسلة القيادة في إيران. في العام 2008، حين كان قائد القوات الاميركية في العراق، في ذروة المعركة ضد قوات الانعزالي الشيعي مقتدى الصدر، نقل اليه مسؤول عراقي هاتفا نقالا. "ايها الجنرال بتراوس: إعلم أني، أنا قاسم سليماني، أدير سياسة ايران في كل ما يتعلق بالعراق، لبنان، غزة وأفغانستان"، كتب في الرسالة القصيرة التي وصلت على شاشة الهاتف، "السفير الحالي لإيران في العراق هو رجل قوات القدس، ومن سيحل محله سيكون رجل قوات القدس".
كاتب الرسالة القصيرة، الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات القدس في الحرس الثوري، درج على أن يضع في مكانهم ليس فقط أعداء الدولة. قبل نحو اسبوعين اقتبس في موقع ايراني على الانترنت "ميلي مزهبي" كمن وبخ بشار الاسد على أنه لا يأخذ بنصائحه. "نحن نقول له انشر قوات شرطة في الشوارع ولكنه يبعث بالجنود"، غضب سليماني.
هذا هو ذات سليماني الذي يخفض رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، رأسه امامه عندما يلتقيان. وقد كان مشاركا في العملية في المركز اليهودي في بوينس آيروس في 1994، وقد فعّل قواته في افغانستان وفي القوفاز، وبالأساس، فانه هو أحد الاشخاص الاكثر قربا من الزعيم الاعلى علي خامنئي، سواء لانه هو مسؤوله المباشر أم لانهما صديقان.
لقد تأسست قوات "القدس" في الحرب الايرانية – العراقية كوحدة مختارة مهمتها مساعدة الاكراد في حرب ضد صدام حسين. في وقت لاحق تحولت إلى وحدة تدريب للقوات خارج الدولة، مثل حزب الله وتنفيذ عمليات ضد معارضي النظام في أرجاء العالم.
ولا يتحدث سليماني كثيرا في وسائل الإعلام الإيرانية، فهو يترك المهمة للسياسيين الذين لا يأبه بهم كثيرا. ورغم صداقته مع خامنئي فإنه ليس مؤيدا كبيرا لطريقة الحكم التي يكون فيها الزعيم الديني الأعلى هو أيضا الزعيم السياسي الأعلى. وهذا ليس فقط المذهب الشخصي لسليماني.
مقابلات وتحقيقات صحفية أجراها منفيون إيرانيون ودبلوماسيون سابقون، نشرت في الغرب تبين أن طريقة الحكم الايرانية التي صممها الخميني، وفيها الزعيم السياسي الاعلى هو الزعيم الديني الاعلى هي موضع خلاف داخلي. ففقهاء مهمون يعارضونها ويفضلون ابعاد الدين عن الدور المباشر في السياسة او في الجيش. سليماني ابن 55، ليس فقيها وتعليمه ليس دينيا. في شبابه كان عامل بناء بسيطا، ساعد على اعالة عائلته الفقيرة، وبعد ذلك اصبح فنيا في دائرة المياه في مدينة كرمان. ولا يوجد دليل على أنه شارك في المظاهرات ضد الشاه الفارسي. ولكن سليماني انضم إلى القوات "الصحيحة"، شارك في الحرب الايرانية العراقية وانضم كمتطوع إلى فرع الحرس الثوري في كرمان. وفي حينه تلقى تدريبا عسكريا لستة اسابيع فقط، وهو اليوم يعتبر الرجل القوي في الحرس الثوري، اقوى حتى من قائد الحرس الجنرال محمد علي جعفري.
العلاقات في هرم القيادة في الحرس الثوري تشبه أغلب الظن كل هيئة أركان عليا في كل جيش. عندما شرح موشيه يعلون بانه احتذى احذية طويلة كي يحذر من "الافاعي" في وزارة الدفاع، يمكن لهذا الوصف أن يناسب ما يجري في قيادة الحرس الثوري. وهكذا بعد أن تسلم علي خامنئي الحكم في العام 1997، أقال قائد الحرس محسن رضوي، الذي كان في منصبه 16 سنة، وعين مكانه يحيى رحيم صفوي. وردا على هذه الخطوة كتب في حينه 31 ضابطا كبيرا في الحرس، بينهم سليماني، رسالة احتجاج للرئيس على إقالة رضوي. ولكن بالذات صفوي هو الذي عين سليماني في نهاية التسعينيات قائدا لقوات القدس بدلا من أحمد وحيدي، الذي يعمل اليوم كوزير للدفاع. وكان وحيدي مشاركا في قضية ايران غيت في الثمانينيات، بل ويوجد بحقه أمر اعتقال للاشتباه بدوره في العملية في بوينس آيرس.
لسلسلة هذه التعيينات تأثير هائل على تصميم شبكة العلاقات بين القادة في الحرس الثوري وبين الساحة السياسية. هذه ساحة ولاء وخصومة مخططة جيدا، عرضية وليس فقط هرمية، تربط بين قادة الأذرع الأربعة في الحرس – البحري، البري، الجوي وقوات القدس – وبين قطبي السلطة السياسية: الزعيم الأعلى علي خامنئي والرئيس محمود احمدي نجاد اللذين طورا في السنتين الاخيرتين نفورا عميقا واشتباها الواحد تجاه الآخر.
في لجة الخلاف بينهما ألمح خامنئي الى انه لا يوجد عائق قانوني لتغيير طريقة إدارة الدولة بحيث أن البرلمان وليس الجمهور هو الذي ينتخب الرئيس التالي في السنة المقبلة. في كل الأحوال فإن أحمدي نجاد، الذي ينهي ولايته الثانية، لن يتمكن من اعادة انتخابه. ولكن علنية الخلاف بين الرجلين أجبرت جماعات القيادة في الحرس الثوري وفي المراكز الدينية على الايضاح لمن هم موالون.
هذه ليست ظاهرة جديدة. فالخلافات الداخلية رافقت قيادة الثورة منذ نشوبها. ولكن شخصية الخميني والولاء الجارف من جانب الحرس الثوري له وكونه فقيها كاريزميا، في الدرجة العليا من الهرمية الدينية الشيعية، كل هذا منحه الصلاحية والشرعية لتصفيه خصومه الدينيين والسياسيين على حد سواء. أما خامنئي فتنقصه هذه الأسس. فهو لم يكن المرشح المفضل للحلول محل الخميني، وهو تنقصه المرجعية الدينية العليا كما يجدر بالزعيم الديني الاعلى. قبل تعيينه درج على القول إنه يعارض طريقة الحكم التي انتهجها الخميني، وذلك على ما يبدو لانه لم يقدر بانه سيكون بوسعه ان يحظى بالمنصب الاعلى.
خامنئي، رجل شكاك بطبعه، والذي لا يعتمد على قاعدة تأييد جماهيرية أو عائلية مهمة، خلافا للرئيس السابق رفسنجاني الذي تؤيده طبقة التجار ولعائلته علاقات متفرعة – أقام بسرعة شبكة موازية من السيطرة. فله مندوب في كل ذراع عسكري وفي كل وزارة حكومية، والوزراء موالون له فقط ويرفعون التقارير مباشرة له وليس للرئيس أحمدي نجاد. مثل هذا كان وزير الخارجية السابق منصهر متقي الذي أقاله أحمدي نجاد، هكذا كان وزير الدفاع وحيدي الذي يترأس أيضا مشروع الانتاج العسكري المحلي، وكذا وزير الاستخبارات حيدر مصلحي الذي أقاله احمدي نجاد في العام 2011 ولكنه اعيد إلى منصبه بأمر من خامنئي.
هؤلاء المندوبون يشكلون ايضا شبكة اتصال وحماية من نوايا مراكز القوة، مثل الرئيس، قادة الحرس الثوري أو الفقهاء المتمردين، من محاولة ضعضعة مكانة خامنئي. وإلى جانب مندوبيه في الحكومة، في الحرس الثوري وفي الجيش، يبقي خامنئي إلى جانبه سلسلة من المستشارين في كل المجالات. أحد ابرزهم هو علي اكبر ولايتي، مستشار شؤون السياسة الخارجية، الذي كان وزيرا للخارجية ودبلوماسيا كبيرا. ولايتي، الذي يقلل من الحديث إلى وسائل الاعلام هو ايضا على ما يبدو رجل السر لخامنئي في مهماته السرية إلى خارج البلاد، تلك التي لا يريد خامنئي ان يشرك فيها احمدي نجاد أو وزير خارجيته علي اكبر صالحي.
ولايتي لا يعمل متطوعا. قربه من الزعيم الاعلى سمح له بأن يشتري بعضا من المستشفيات في طهران، كما يجدر بمن اختص في طب الاطفال بالذات في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة. صديق قريب آخر هو محسن رفيقدوست، الذي كان حتى 1999 رئيس مؤسسة "المستضعفين" التي تستهدف مساعدة الطبقات الفقيرة وعائلات شهداء الحرب الإيرانية – العراقية. رفيقدوست الذي عمل كوزير شؤون الحرس الثوري هو أحد الاشخاص الاغنياء في ايران. وهو يدير مؤسسة "نور" التي تبني آلاف وحدات السكن وهو أحد المسؤولين الكبار عن جهاز خامنئي. كما أن رئيس أركان الجيش الإيراني، حسن فيروز أبادي، هو صديق قريب للزعيم الاعلى منذ عهد ما قبل الثورة. فيروز عبادي هو طبيب بيطري في مهنته، عديم الخبرة العسكرية، باستثناء مشاركته في سنوات الثورة الاولى في قوات البسيج (ميليشيا المتطوعين المسؤولة ضمن أمور اخرى عن قمع المظاهرات). ثراؤه شديد، ولكن مصادر دخله تبقى مجهولة.
هؤلاء هم فقط البارزون بين المستشارين الذين يقتربون من أذني خامنئي. إلى جانبهم توجد شبكة اخرى متفرعة من الأقرباء الذين يتبوأون مناصب عليا، فقهاء من الدرجة الثانية، المسؤولين عن علاقة الخميني مع المراكز الدينية الشيعية الهامة مثل ذاك الذي في قم أو اصفهان، او مستشارين يحرصون على العلاقة مع زعماء الاقليات الكثيرة في ايران. كل هذه تمولها شبكة مالية هائلة، معظمها، مثل الجيش والحرس الثوري، لا تخضع لرقابة البرلمان، وبعضها بتمويل خاص من "متبرعين" وأعمال تجارية غامضة، مسؤول عنها ابن خامنئي، مجتبى، الذي يسمى أحيانا "رئيس المافيا".

التعليق