"قل هو من عند أنفسكم"

تم نشره في الجمعة 14 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

أسامة شحادة*

يخاطب الله تعالى المؤمنين بعد غزوة أحد التي لم يتفوق فيها المسلمون على الكفار، بقوله: "أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير" (آل عمران، الآية 165). وذلك حين خالف الرماة أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بعدم ترك مواقعهم مهما حدث. وفي هذا عبرة للمسلمين جميعاً، وللبشرية، بأن مخالفة أمر الله عز وجل، ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، في شؤون الدين والدنيا فيها الخسارة. وأيضاً في ذلك عبرة أن سنن –قوانين- الله عز وجل لا تحابي مسلما على غير مسلم، بل هما إزاءها سواء.
ومن هنا، فمع تبدل المشهد السياسي في عدد من البلاد؛ بصعود التيار الإسلامي لموقع الفاعل السياسي الرئيس، فإن هذا التيار أمام ابتلاء كبير وفتنة عظيمة، هي فتنة وبلاء النعمة والسلطة والتمكين. وقد خوف النبي، صلى الله عليه وسلم، المؤمنين منها فقال: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم" (متفق عليه).
وإذا كان التيار الإسلامي يستشهد بهذه الآية على تردي أحوال المسلمين، فإنه اليوم مدعو للاعتبار بها والعمل بمقتضاها، وذلك بالتيقظ والانتباه لمداخل الشيطان والفساد على النفس والمنهج والسلوك، عند الأفراد والجماعة.
التيار الإسلامي هو جزء من المسلمين. وإذا كان تقصير المسلمين تجاه دينهم من أهم الأسباب في تبدل حالهم من العزة والتمكين إلى الضعف والتأخر: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الأنفال، الآية 53)، فإن تقصير التيار الإسلامي، قيادةً وأفراداً، هو أيضاً من أسباب عدم تبدل أحوال المسلمين للأحسن بالشكل المطلوب. ولذلك، عليهم البحث عن تقصيرهم قبل البحث عن التقصير عند غيرهم، أو العوائق والمكائد من قبل خصومهم.
نعم، التيار الإسلامي يلتزم بالفرائض الإسلامية، ويحمل الراية الإسلامية، ويسعى إلى نصرة القضايا الإسلامية، لكنه أيضاً عرضة لبعض أو كثير من النواقص أو السلبيات.
ولذلك، فإن من أهم التحديات التي يواجهها التيار الإسلامي بعامة، والقيادات التي تبوأت مقاعد القيادة بخاصة، هو تحدي القيام بأعباء الأمانة والمسؤولية أمام الله عز وجل قبل الناس والجماهير، وذلك بتقوى الله عز وجل في العدل ورفع الظلم وإتقان العمل وحفظ الحقوق، اقتداءً بالفاروق عمر بن الخطاب حين قال: "لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة، لظننت أن اللّه عز وجل سائلي عنها يوم القيامة"؛ وإلا كانت النتيجة بقاء الحال على ما هي عليه، أو ترديها مع تنفير الناس عن دين الله عز وجل بدلاً من أن يكونوا قدوة صالحة للناس.
لقد مر التيار الإسلامي، عبر تاريخه، بالكثير من التجارب والمحن؛ نجح في كثير من المواقف وأخفق في بعضها. ولكن الإسلام (والدعوة) يبقى في تقدم لأنه الحق، وإن سقط في الطريق كثير أو قليل ممن كان الناس مبهورين بهم. وهذه هي الحال اليوم؛ فلا نشك أن الدعوة والإسلام بالمجمل في تقدم بغض النظر عن إخفاق الإسلاميين في قيادة البلاد أو نجاحهم، ولا شك أن تفوقهم ونجاحهم في قيادة المجتمعات للعدل والأمن والرفاه والإيمان سيكون حافزا ودافعا أكبر لمسيرة الدعوة والإسلام: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" (الحج، الآية 41).
إن جميع الفصائل والتوجهات الإسلامية تحت المجهر اليوم؛ فمن دخل العمل السياسي تنتظر منه الأمة الحفاظ على مصالحها بالصدق والأمانة والجدية، ومن بقي في خندق الدعوة لن تقبل منه الأمة تقاعسا أو تخلفا عن الدعوة في زمن الحرية وفتح معارك هامشية، ومن تصدى لخدمة الناس سيحاسبه الناس بميزان العدل والإتقان، وإلا انطبق علينا قوله تعالى: "وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد، الآية 38).
إن التيار الإسلامي اليوم عليه واجبات كثيرة، منها:
* الجدية في الدعوة إلى دين الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، بعد زوال كثير من المعيقات، وتبدل الحال لصالح حرية الدعوة إلى الله عز وجل؛ فهل نشمر عن ساعد الجد؟
* الارتقاء لموضع المسؤولية بحمل الأمانة، كلاً بحسبه "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري).
* تقديم النموذج المثالي في مؤسساتنا وسلوكياتنا وسياساتنا. نريد المبادرة في تطبيق مبادئنا وقيمنا الإسلامية في كل النواحي، وحتى نبرهن عملياً بأن ما ندعو إليه هو "الحل"؛ نريد تغييرا حقيقيا لما بأنفسنا حتى يتفاعل المحيط المسلم معنا بداية، ومن ثم المتخوفون والمتوجسون.
لقد قطع التيار الإسلامي، بكافة فصائله وتلاوينه، أشواطا كبيرة في تغيير حال الأمة، وهو اليوم أمام شوط جديد، هو شوط الحرية والمسؤولية. وهو شوط مهم جداً، ومغانمه كثيرة، ولكنه في نفس الوقت يحتوي على مطبات كثيرة: "كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى" (العلق، الآيتان 6 و7). وهذا الاختبار لم يجتزه عبر التاريخ سوى أصحاب القلوب المخلصة والعقول النيرة.


*كاتب أردني

التعليق