التحدي الذي يمثله الأكراد السوريون لتركيا

تم نشره في الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • مسلحون أكراد يقيمون الحواجز في المناطق التي سيطروا عليها في سورية - (أرشيفية)

غونل تول*  (فورين بوليسي)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
فيما يظل الاهتمام الدولي منصباً على القتال في سورية، ما يزال جنود تركيا يخوضون معارك مميتة على حدودهم الجنوبية مع حزب العمال الكردستاني الذي ما يزال يشن حرباً دموية ضد تركيا منذ ثلاثة عقود تقريباً. وفي الأسبوع الأخير من شهر آب (أغسطس) وحسب، قتل تسعة أشخاص عندما انفجرت سيارة محملة بالمتفجرات بالقرب من محطة للشرطة في منطقة غازي عنتيب، التي تبعد حوالي 30 ميلاً عن الحدود السورية. وفي الرد على ذلك، التأم مجلس الأمن القومي التركي لبحث الهجمات الأخيرة التي يشنها حزب العمال الكردستاني، وأصدر بياناً تعهد فيه بالعمل على تجنب المخاطر التي تعرض أمنه القومي للخطر، والناجمة عن العنف في سورية. وبينما تتعرض الحكومة لضغط متزايد بسبب سياستها إزاء المشكلة الكردية، يضع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان اللوم على الرئيس السوري بشار الأسد. وتشك أنقرة بأن حزب العمال الكردستاني يستغل حالة الفوضى السائدة في سورية، وأن الرئيس الأسد يزوده بالأسلحة رداً على دعم تركيا للمعارضة السورية.
ويأتي التوسع في النشاط الإرهابي لحزب العمال الكردستاني في تركيا في غمرة مخاوف متزايدة في أنقرة من أن حزب العمال الكردستاني وأتباعه يكسبون أرضية في جارة تركيا الجنوبية. وكان مما يؤشر على الخطر بشكل خاص، سقوط عدة بلدات على طول الحدود التركية في يد الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني، حزب الوحدة والديمقراطية. وكانت تركيا تراقب التطورات بقلق وتوتر، فيما كانت مجموعات كردية تفرض سيطرتها على تلك البلدات بعد انسحاب قوات الأسد، وترفع العلم الكردي فوق المباني الحكومية السورية، سوية مع صورة قائد وزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون لدى السلطات التركية، عبد الله أوجلان.
 وبسبب قلقها من التطورات الجارية على حدودها الجنوبية، عمدت تركيا إلى عقد قمة أمنية حضرها كبار البيروقراطيين ومسؤولي الحكومة، حيث تم بحث السياسة التركية حيال سورية، وارتفاع منسوب الهجمات التي يشنها حزب العمال الكردستاني، واشتداد قبضة حزب الوحدة والديمقراطية على السلطة في شمالي سورية. وفي بيان معد بتحوط كبير بعد الاجتماع، أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده تعارض الحكم الذاتي الكردي في شمالي سورية طالما ظل نظام الأسد في السلطة، لكنها ستقبل به بعد ذلك إذا ما تم تضمين هذا الحكم الذاتي في دستور جديد يوافق عليه الشعب السوري. كما أكد البيان أن تركيا ستستمر في دعم الحكومة الإقليمية الكردستانية في العراق والمعارضة السورية الممثلة بالمجلس الوطني السوري، وستشجعهما على احتواء حزب العمال الكردستاني. وأخيراً، شدد داود أوغلو على أن تركيا ستستخدم القوة العسكرية إذا أرسى حزب العمال الكردستاني دعائمه في شمالي سورية.
وتقود هذه النقاط الثلاث إلى استنتاج واحد: سوف تستمر تركيا في الاعتماد على مسعود البرزاني، رئيس حكومة كردستان الإقليمية والمجلس الوطني السوري، في ضبط مطالب الأكراد السوريين بالحكم الذاتي، وكذلك في ضبط نشاطات حزب العمال الكردستاني. ومن الطبيعي أن يكون لتركيا سبب وجيه للاعتقاد بأن كلا من البرزاني والمجلس الوطني السوري يرغبان في لعب دوريهما.
وعلى مدار العام الماضي، وطدت تركيا صلات وثيقة مع البرزاني. وفي أعقاب الانسحاب الأميركي من العراق، تدهورت العلاقات بين أربيل وبغداد بحدة حول موضوعات مثل وضع منطقة كركوك الغنية بالنفط، ونشر قوات البشمرغة الكردية، وقانون الهيدروكربونات واقتسام السلطة. وتقوم تركيا الآن بدور الناقل لصادرات النفط من المنطقة الإقليمية الكردية إلى الغرب، وتعمل كحليف سياسي لها في المعارك مع الحكومة المركزية العراقية. ولعل ما يضيف إلى القيمة الاستراتيجية للبرزاني في المنظور التركي، علاقته التي تصبح إشكالية، على نحو متزايد، مع حزب العمال الكردستاني. وتفتح الهجمات المتزايدة التي يشنها حزب العمال الكردستاني ضد تركيا وإيران من شمالي العراق الباب أمام رد من هذين البلدين، عن طريق عمليات تشنها عبر الحدود، وهو الأمر الذي ينطوي على انتهاك سيادة المنطقة الكردية، وعلى تنفير المستثمرين الذين تمس حاجتها إليهم وابتعادهم.
ويقف على قدم المساواة من الأهمية بالنسبة لحسابات تركيا الاستراتيجية في سورية، المجلس الوطني السوري، هذه المجموعة المظلة التي تقود القتال ضد الرئيس الأسد. وكان المجلس الوطني السوري قد تأسس في تركيا، وظل يستخدم تركيا منذئذ كملاذ للتنظيم. وتشعر تركيا بالثقة بأن المجلس الوطني السوري سيقف في وجه المطالبات الكردية بالحكم الذاتي أو أي شكل من أشكال اللامركزية السياسية والحق في تقرير المصير لأكراد سورية. ويتحدر الرئيس الحالي للمجلس الوطني السوري من أصل كردي، وهو معروف بمراعاته للرغبات التركية.
ومن دون أي شك، تتوافر تركيا على نفوذ تمارسه على كل من البرزاني والمجلس الوطني السوري. ومع ذلك، ما تزال هناك مشكلة واحدة في استراتيجية تركيا لاحتواء حزب العمال الكردستاني والمطالب الكردية من خلال هذين اللاعبين: إن نفوذ البرزاني والمجلس الوطني السوري على أكراد سورية يظل محدوداً.
ويعد البرزاني شخصية مهمة في الحركة السياسية الكردية السورية. ويوجد لمعظم الأحزاب الكردية في سورية مكاتب في أربيل، كما أن برزاني يمتلك سطوة على شؤونهم الداخلية. وفي العام 2008، على سبيل المثال، قام البرزاني بتعيين عبد الكريم بشار رئيساً جديداً للحزب الديمقراطي الكردي في سورية. وهو يقود حالياً المجلس الوطني الكردي السوري -مجموعة المعارضة السورية التي كانت قد تشكلت في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011، والتي يشرف عليها البرزاني. ومن خلال المجلس الوطني الكردي السوري، يريد البرزاني بسط نفوذه على الأكراد السوريين. ولكن، وبعد تخفيض الصلات الرسمية بالأحزاب السورية الكردية، في بادرة حسن نية تجاه أنقرة، حد البرزاني فقط من السلطة على الأكراد الريفيين في سورية، القريبين من الحدود مع العراق. ولا يتمتع موقف المجلس الوطني الكردي السوري بموقف أفضل بين الأكراد في سورية. وهو مجموعة ائتلافية تضم أكثر من دزينة من المنظمات، لكنها صغيرة ومنقسمة وذات نفوذ ضئيل، وخاصة في الجزء الغربي من الجيب الكردي السوري.
 ومن جهة أخرى، أحكم حزب الوحدة والديمقراطية قبضته على السلطة في شمالي سورية على حساب البرزاني والمجلس الوطني السوري الكردي منذ بداية الانتفاضة السورية. وباعتباره الحزب الأكثر تنظيماً والأفضل تسليحاً، والحزب الكردي الوحيد الأكبر في سورية، يمتلك حزب الوحدة والديمقراطية القدرة على تجييش حشود جماهيرية ضخمة. كما أن موقفه القوي يشكل تهديداً لمصالح تركيا الاستراتيجية في سورية. وكان قد شكله في العام 2003 بعض الأعضاء السابقين في حزب العمال الكردستاني، وتبنى حزب الوحدة والديمقراطية أيديولوجية عبد الله أوجلان، وهو يدعو إلى السعي من أجل "تقرير المصير" الكردي. ولخيبة أمل تركيا والبرزاني والمجلس الوطني الكردي السوري، فإن من المرجح أن ينمو نفوذ حزب الوحدة والديمقراطية، إذا فشل المجلس الوطني السوري في الاستجابة للمطالب الكردية السورية ودمجها في رؤية سورية ما بعد الأسد.
حتى الآن، أثبت المجلس الوطني السوري فشله في ذلك الصعيد. ومع أن الأكراد كانوا منخرطين في محاولات لتوحيد المعارضة في المجلس الوطني السوري، فقد كان هناك توتر دائم بين الأكراد والمعارضة العربية في داخل المجلس الوطني السوري. وقد اتهم العرب الأكراد بعدم المشاركة بفعالية في الانتفاضة الهادفة لإسقاط نظام الرئيس الأسد، بينما اتهم الأكراد العرب بغض الطرف عن الحقوق الوطنية الكردية، وفتح المجال أمام التدخل التركي في سورية. وفي واحد من الحوادث المشهورة في تموز (يوليو) الماضي، انسحب الأكراد من مؤتمر للمعارضة السورية في تركيا، عندما أصر أعضاء المعارضة العرب على الاحتفاظ باسم "الجمهورية العربية السورية". وكانت الواقعة الأحد هي انهيار مؤتمر للمعارضة السورية في القاهرة، وتحوله إلى فوضى بعد انسحاب مجموعة كردية سورية من الاجتماع لأن "المؤتمر رفض بنداً يقول بأنه يجب الاعتراف بالشعب الكردي". وفي الوقت الراهن، ثمة تمثيل ضئيل للمعارضة الكردية في داخل المجلس الوطني السوري.
في نهاية المطاف، قد لا تفرز استراتيجية تركيا للسيطرة على الأكراد السوريين عبر البرزاني والمجلس الوطني السوري أي نتائج ملموسة. لا بل يتوجب على تركيا عمل ثلاثة أشياء لتأمين مصالحها في سورية. أولاً، يجب عليها الانخراط في علاقات مباشرة مع الأكراد السوريين بدلاً عن العمل معها عبر البرزاني أو المجلس الوطني السوري. ثانياً، بدلاً من الضغط على المجلس الوطني السوري لاحتواء المطالب الكردية، يجب على تركيا استخدام نفوذها للضغط على المجلس الوطني السوري للاعتراف بالحقوق الكردية، ودمج الأكراد في العملية السياسية. وكلما تم استثناء المزيد من الأكراد من العملية السياسية، كلما أصبحوا أكثر راديكالية، وكلما زاد حزب العمال الكردستاني من بسط نفوذه. وأخيراً وليس آخراً بالتأكيد، يجب على تركيا الاستجابة بشكل دائم لمشكلتها الكردية الخاصة. وقد كشفت الأزمة السورية عن أن الموضوع الكردي يظل الجزء الناعم من حزام تركيا. وتشهد استراتيجية الأسد القائمة على استخدام حزب العمال الكردستاني كبطاقة ضغط على تركيا على هذه الحقيقة البسيطة: من دون البت في مشكلتها الكردية الخاصة، ستستمر تركيا في وضع نفسها في موقف ضعيف أمام التقلبات التي تشهدها السياسة الكردية لدى الدول المجاورة.

 *المدير المؤسس لمركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Syria’s Kurdish challenge to Turkey

التعليق