المهمة شاقة على طريق دمشق

تم نشره في الجمعة 27 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

جون بول بييرو – (لومانتيه) 23/07/2012
ترجمة: مدني قصري
في مقاله الافتتاحي لصحيفة "لومانتيه" يوم الاثنين، يقدر الكاتب الصحفي جون بول بييرو أن "كل الجهود يجب أن تتضافر من أجل جعل كل التشكيلات السياسية في الرأي العام السوري تدرك أن أفضل السبل لبناء سورية هو عدم تدميرها". وكتب:
تغوص سورية اليوم في الفوضى العارمة. فالسكان المدنيون، كما هو الحال في كل الحروب، هم أوّل من يعاني من الاشتباكات والمعارك الدامية التي تندلع بين الجماعات المتمردة المنتمية للجيش السوري الحر والقوات الموالية لنظام بشار الأسد. إن سورية؛ هذا البلد العريق الذي تبلور عبر طيّات التاريخ وثناياه المتكونة من المعابد الرومانية والكنائس المسيحية والجامع الأموي، مهددة اليوم بخطر السقوط تحت ضربات متبادلة بين نظام اعتقد أنه بعيد عن كل احتجاج شعبي وسياسي، وبين جزء من المعارضة الأكثر تطرفا، والتي تؤمن بحظوظها في الفوز في نهاية المطاف في مواجهة معمّمة.
لا شك أن سورية قد وقعت منذ ستة عشر شهرا من الصراع في ورطة هائلة. فحزب البعث الذي ظل يمسك بزمام السلطة لأكثر من أربعين عاما ظل يعتقد أنه يمثل الطموحات الديمقراطية والمطالب الاجتماعية التي عبّرت عنها بجرأة لا حد لها رياح الاحتجاجات التي أزاحت من دون لجوئها إلى أي تدخل خارجي، الرئيسين بن علي التونسي، ومبارك المصري. ولم تكن المظاهرات الشعبية الأولى التي تشكلت في شوارع دمشق قد طالبت برحيل الأسد، لكن شعارها كان المطالبة بتوزيع أفضل للثروات، وإنهاء نظام متصلب يمتلك كل أدوات احتكار السلطة.
إن أقل ما يمكننا قوله في الشأن السوري هو أن هذه المعارضة التي تندرج في المسار الحداثي للربيع العربي لم تلق آذانا صاغية لدى الطغمة العسكرية والسياسية الحاكمة. وقد ظل هؤلاء القادة يعتقدون أن بوسعهم تجنب مواجهة مباشرة مع التيارات الإسلامية السنية المدعومة من قبل العربية السعودية، وذلك بهدف الأمل في عزلها فيما بعد عن شعب ثري بتشكيلة طوائفه الدينية والثقافية المتنوعة، وغير المتحمس لتطبيق الشريعة. ويا لها من لعبة خطيرة ساعدت كثيرا على تدويل الصراع. لقد كان التدويل سهلا، لا سيما وأن سورية تقع ضمن منطقة تميزها حالة من التوتر العالي. فهي رأس جسر العداء تجاه إسرائيل التي تحتل جزءاً من هضبة الجولان السورية، وهي حليف لطهران، ونقطة ساخنة في المنطقة، وقوة مؤثرة في لبنان، والقوة الرئيسية القريبة من روسيا التي تمتلك في طرطوس قاعدة عسكرية متوسطية. ولذلك فإن أي أزمة في دمشق لا تخلو من عواقب على العالم أجمع. وعلاوة على ذلك، فإن سقوط نظام سياسي استبدادي يحترم رغم استبداده تنوع الأديان والثقافات، يشكل حلا محموداً للمملكة العربية السعودية وقطر.
فهل ينبغي على المجتمع الدولي، في مثل هذه الظروف، أن يحوّل أنظاره بعيدا عن النار المشتعلة؟ بالطبع لا. فالجهود السلمية التي تبذلها الأمم المتحدة -حتى مع أنها لم تنجح حتى الآن- لا ينبغي أبدا أن تتوقف بأي حال من الأحوال. وعلى أي بلد من هذه البلدان يشعر بأنه قادر على أن يمارس نفوذا لدى النظام السوري، من باريس إلى موسكو، أن يلعب بأقصى طاقاته ورقة الحل السياسي. ولكن، بالتأكيد، ليس لكي يتقرر في كي دورسي، أو في الكرملين، أو في البيت الأبيض، مَن هُم القادة الذين سيحكمون الشعب السوري.
وبالمثل، لا يمكن أن تقاس فعالية الأمم المتحدة بمقياس قدرتها على تحريك عملية عسكرية. فكل الجهود ينبغي أن تتضافر من إقناع المكونات السياسية كافة في الرأي العام السوري بأن خير سبيل لبناء سورية الغد هو تفادي تدميرها. وللحصول على هذا الحل الوسط الذي لا غنى عنه، والمتمثل في إعطاء كل طرف ضمانات بإمكانية مشاركته في العمل الديمقراطي في المستقبل، تظل المهمة شاقة بالتأكيد، ولكن ليس ثمة من سبيل آخر مُجدٍ على طريق دمشق.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: La tâche est ardue sur le chemin de Damas

[email protected]

التعليق