"روح الشرق للتطوير": إبداع حرفيين من ذوي الإعاقة

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً
  • اشخاص ذوو إعاقة خلال عملهم في مشروع "روح الشرق" - (من المصدر)

منى أبوحمور

عمان- هناك بين تلك الجدران الدافئة، التي يحتضها الحب والحنان، وعلى مقاعد الإبداع، يجلس أصحاب "الإحساس المرهف"، من ذوي الإعاقة، والقدرة الخارقة على تجاوز المحن، ليظهروا طاقاتهم الخفية وانجازاتهم الكبيرة.
وبين حصص الدراما وصوت الموسيقى، الذي يتناغم وقهقهات المبدعين، خلف ماكينة الخياطة، وفي ورشات النجارة، تنسج الأيدي المرتجفة قطعا من الألبسة والمنسوجات، وتلضم بأصابعها الصغيرة إكسسوارات تضاهي الأسواق الخارجية.
هذه المواهب الشابة، انتظرت طويلا لتجد من ينفض الغبار عنها ويخرجها إلى العالم الخارجي، من خلال مشروع تدريب وتشغيل ذوي الإعاقة، الذي جاء بعنوان "روح الشرق للتطوير"، انطلاقا من الإيمان بقدرة ذوي الإعاقة على الإبداع والتميز كغيرهم، بل ربما يفوقون غيرهم قدرة وإبداعا.
"يعمل المشروع على تشغيل وتدريب ذوي الإعاقة؛ وخصوصا من ذوي الدخل المحدود، وتطوير الجانب العملي لدى هذه الفئة؛ لأن المؤسسات والمراكز الخاصة بذوي الإعاقة لا تعنى إلا بالجانب الأكاديمي، بغض النظر عن مدى الفائدة، التي يتلقاها الشخص من ذوي الإعاقة"، بحسب ما يبين أحد مؤسسي المشروع سامي نصر. يعترف نصر، أن تجربته الخاصة مع ابنه، هي التي دفعته للتفكير في هذا المشروع بشكل جدي، مبينا أن هذه الفئة من المجتمع مهدور حقها في الاهتمام والرعاية "فليس كل العائلات تملك إمكانات مادية لتسفير أبنائها للخارج وتطوير قدراتهم"، كما يقول.
ويضم المشروع، بحسب نصر، 28 طفلا تبدأ أعمارهم من ثماني سنوات، ويلتزمون بدوام رسمي في المركز من العاشرة صباحا وحتى الثانية من بعد الظهر. ويقوم على المشروع 12 أستاذا من المتخصصين؛ سبعة منهم يتواجدون باستمرار في المركز، في حين يحضر خمسة منهم حسب الحرفة التي يتخصصون بها، وبحسب الحصص المعطاه لهم.
وتجد فلسطين عوض، وهي من مؤسسي المشروع، أن نظرة الأهل إلى الطفل ذي الإعاقة في الأسرة هي التي تتحكم بمدى تقبلهم لهذا المشروع والإيمان به؛ لأنها الأساس في الصحة النفسية للأطفال ذوي الإعاقة.
وتشير إلى وجود الكثير من العائلات التي ترفض دمج أبنائها في هذا المشروع، لاعتبارات كثيرة؛ منها الخجل من الناس، وخشية أن يعلم من يحيطون بهم بوجود شخص ذي إعاقة في بيتهم. وتتعدد البرامج التي يقوم عليها المشروع، بحسب عوض، فهو يقدم برامج تدريبية في مجالات الحرف، الخياطة، النجارة، الموزاييك، الفسيفساء، والدراما إلى جانب العديد من الفعاليات الترفيهية التي تنمي من شخصيتهم وتساعد على تطوير دمجهم في المجتمع.
"التقبل والحالة الصحية يلعبان دورا كبيرا في اختيار البرنامج"، كما تقول، مبينة ضرورة اختيار برامج فردية لبعض الحالات التي لا يمكن أن تمارس جميع البرامج الموجودة؛ حيث يتم توزيع المشاركين على البرامج بحسب إمكانات كل شخص، ومن ثم الالتفات إلى الأطفال ومعرفة موهبتهم، والمجال الذي يبدع فيه الطفل والتركيز على الجانب الذي يتميز به.
ولم تقتصر فائدة المشروع، بحسب عوض ونصر، على الجانب المعني فحسب، بل استطاع أن يلعب دورا كبيرا في صقل شخصيتهم وتنميتهم اجتماعيا، إضافة إلى تحسين عملية النطق وتطوير مهاراتهم في استخدام اليدين وتحسين مهارة الكتابة لديهم، لافتا إلى الإيجابيات المباشرة وغير المباشرة التي يلقيها المشروع على الأطفال، وهو ما يلمسه الأهل بعد زيارات الأطفال المتكررة للمنزل.
"أشعر نفسي بني آدم"، بهذه الكلمات التي خرجت على لسان علي الجغبير (21 عاما)، يجمل ما تعلمه في المركز، مؤكدا أن أجمل ما حققه هذا المشروع هو التغيير الكبير الذي أحدثه في حياته.  ويقول: "أصبح لدي أصدقاء كثر وتعلمت الكثير من المهن؛ حيث أصبحت مبدعا في الخياطة، الموزاييك والفسيفساء منذ انضمامي للمشروع قبل عامين". الجغبير، الذي جاء من مدينة السلط، يشعر أن المركز يعني له الكثير "إنني أشعر بالسعادة في المركز، وهو أجمل بالنسبة لي من البيت، والأكثر من ذلك أن أهلي يفرحون بالمشغولات التي أنتجها"، وفقا لقوله.
وأكثر ما يشعر به هاشم معروف (18 عاما)، أنه بعد التحاقه بالمركز في مجال النجارة، الموزاييك، الخياطة والرسم، أصبح له إنتاج، وفي الوقت نفسه، الكثير من الأصدقاء الذين يفتخرون بإنتاجه، "لذلك لن أفكر يوما بمغادرة المركز"، بحسب ما يقول.
ويطمح معروف إلى أن يكون أحد أفراد الدرك في المستقبل، إضافة إلى نيته فتح مشروع خاص به يعرض من خلاله منتوجاته ويساعد به الأشخاص من ذوي الإعاقة مثله. وتبدع دينا وضاح (18 عاما)، في مجال الموزاييك، الخياطة، الإكسسوارات إلى جانب الدراما، مشيرة إلى إتقانها حرفة الخياطة؛ حيث اشترت لها أسرتها ماكينة خياطة لممارسة هوايتها داخل المنزل. ولا تنقطع وضاح عن الذهاب إلى المركز، عازية ذلك إلى المرح والوقت الجميل الذي تقضيه هناك.
وينتج أحمد أنور (23 عاما)، الذي لديه إبداعات في الموزاييك، الخياطة، الإكسسوارات، والنجارة التي يمتهنها بحرفية، الكثير من القطع الخشبية مثل الطاولات، سلات لحفظ المجلات، سلات القمامة والأبواب الصغيرة.  ويلفت أنور إلى التحول الكبير في شخصيته؛ إذ كان خجولا، ولا يحب الكلام كثيرا، لكنه الآن يطمح كثيرا إلى أن يصبح أستاذا يدرس الأطفال في المركز.
ورغم الرفاهية التي تشعر بها نور أحمد (23 عاما)، والوضع المادي الممتاز الذي تعيشه مع أسرتها، إلا أنها تجد من هذا المركز المكان الأكثر راحة وأمانا ومتعة بالنسبة لها؛ حيث تمارس فيه ما تحب وترغب من الحرف، إضافة إلى أنها استطاعت أن تكون الكثير من الصداقات، التي يبحث عنها كل مشترك في هذا المركز.
ولم تكن علاقات الطلاب في المركز، وفق عوض، مقتصرة على وجودهم في المركز فحسب، بل يخرج الطلاب معا بعد انتهاء الدوام، إلى جانب القيام برحلات ترفيهية تكون تحت إشراف المركز وبحضور أهالي الطلاب. يعمل المشروع الآن، ومن خلال الشراكة مع مؤسسة "ستات بيوت"، على البدء بمشروع آخر؛ وهو "شوبينغ أون لاين"، لمنتوجات الأطفال، بحيث يقوم بعمل متجر لكل طالب في المركز يعرض من خلاله منتجاته ويبيعها ويستفيد من مردودها المالي.
ويطمح القائمون على المشروع إلى الوصول إلى مشروع متكامل من خلال بيع منتجات الطلاب، إلى أن يصل المشروع حد الاكتفاء؛ بحيث يحقق المشروع وفرا ماديا ويعمل على تمويل ذاته من خلال منتجات طلابه.

muna.abuhammour@alghad.jo

التعليق