العلمانية ومواطن سخطها

تم نشره في الأحد 22 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

ستيفن م. والت
 (فورين بوليسي)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يسرني أن أعرض مداخلة آخر ضيوفي، التي أرسلها ناصر الرباط، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا:
كتب ناصر الرباط:
تحولت النشوة التي أثارتها الانتفاضات العربية في العام 2011 إلى السياسة الواقعية. وانقسم الشباب الذين بدؤوا حركات الاحتجاج إلى عدد لا يحصى من المنظمات، أو أنهم انسحبوا بفعل اليأس. وسيطر الإسلاميون، المنضبطون بفعل عقود من العمل السياسي السري، على السلطة في تونس وليبيا، وهم يستعدون لانتزاعها من جيش حَرون في مصر. وأصبح العلمانيون، الذين يفترض أن يكونوا حلفاء طبيعيين للغرب، ضعافاً ومنقسمين. وقد حصلوا في تونس ومصر على أصوات أقل مما كان متوقعاً في الانتخابات. وفي ليبيا، انسحبوا من المجلس الوطني الانتقالي، تاركين الإسلاميين ليحتلوا أكثر المواقع سلطة ونفوذاً. وفي سورية، ما يزالون يناضلون ضد نظام إجرامي ومولع بالقتال، والذي يثبت أن من الصعب إسقاطه، كما يتشاحن العلمانيون في المعارضة باستمرار، في حين يبدوا الإسلاميون منظمين ومتفقين على الغاية. وهكذا، فإن العلمانية العربية، كما توحي الأحداث، هي قوة مُستنفدة. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى، بداعي الاستجابة للحقائق على أرض الواقع، بإشراك الأحزاب الإسلامية باعتبارها النموذج الجديد الذي يعرّف السياسة العربية.
فهل يشكل ذلك منعطفاً جديداً في سياسات الغرب؟ وهل دعم الغرب العلمانيين فعلياً قبل الثورات؟ هل أصبحت العلمانية العربية حقاً غير ذات صلة؟ إن جوابي عن هذه الأسئلة الثلاثة جميعاً هو "كلا" مؤكدة. بادئ ذي بدء، ظل سجل الغرب في العالم العربي غير مؤيد للعلمانية بشكل واضح. وفي واقع الأمر، وإذا ما أردنا قصر تقييمنا على الأنظمة التي دعمتها الولايات المتحدة بشكل مستمر في السنوات الخمسين الماضية، فإننا سوف نجد على رأس القائمة: المملكة العربية السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان والمغرب، وهي كلها أنظمة إسلامية معلنة، على الأقل في مطالباتها بالشرعية أو في تطبيقها للشريعة الإسلامية. وفي المقابل، كان بعض أكثر المعارضين تحمساً للولايات المتحدة الأنظمة العلمانية لحزب البعث في سورية والعراق، رغم أن علمانيتها أثبتت كونها سطحية وانتهازية. وبالإضافة إلى ذلك، وعندما قررت الولايات المتحدة الانتقام لهجمات 11/9 التي ارتكبها -كما كان حالها- إسلام متشدد ومتطرف، كان إجراؤها الأكثر صرامة هو تدمير النظام العلماني في العراق. وبعد ثماني سنوات، عندما انسحب الأميركيون مؤخراً من العراق، فإنهم لم يتركوا وراءهم نظاماً طائفياً بوضوح صارخ وحسب، وإنما خلّفوا أيضاً طبقة سياسية تتكون في معظمها من الحركات الدينية المرتبطة بحبل سري مع جمهورية إيران الإسلامية.
كما لا يظهر التاريخ الكثير من الدعم الغربي للنزعات العلمانية في أوائل القرن العشرين، التي تزامن ظهورها مع حركة استعمار معظم أنحاء العالم العربي. وربما تفسر التسويغات البراغماتية السبب في تفضيل القوى الاستعمارية، وبريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص، التعامل مع الزعماء التقليديين. فقد كان لدى هؤلاء نفوذ سياسي، ونفوذ اقتصادي، وقاعدة واسعة من العملاء. كما أضاف انضمامهم إلى أشكال من التدين المحافظ إلى فائدة القوى الإمبريالية: فقد فهموا آليات السلطة الدينية، واستطاعوا استغلالها لتهدئة الاضطرابات الشعبية المحتملة. أما العلمانيون العرب القليلون، على الناحية الأخرى، وحتى مع أنهم كانوا متغرّبين تماماً وينتمون إلى النخبة الاجتماعية، فقد اعتُبروا مثيري شغب. وبما أنهم كانوا متأثرين تأثراً عميقاً بمبادئ التنوير، فقد رفعوا مطالب قوية بالتحرير، والدمقرطة، والتحديث. واشتبك العديدون منهم مع السلطات الاستعمارية ودفعوا ثمناً باهظاً في السجن أو المنفى.
وعندما جاء الاستقلال إلى المنطقة العربية، فإنه سرعان ما وقع مصعوقاً في ذروة الحرب الباردة. وكان الغرب، الذي اختُزل أخيراً في شخص الولايات المتحدة، يسعى إلى بناء تحالفات من الدول الملتزمة بمواجهة الخطر الشيوعي. وكانت الأنظمة المحافظة في المنطقة العربية، هي أكثر الحلفاء الواعدين بكل وضوح. وهكذا، قدم الغرب لها الدعم بغض النظر عن طبيعة أجنداتها الدينية في الأساس. وعندما صعدت الأنظمة العسكرية إلى السلطة في سورية ومصر والعراق بعد هزيمة هذه الدول في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في العام 1948، فإنها غازلت أولاً فكرة القبول بالوصاية الغربية. ومع ذلك، لم تتم ترجمة تحولها اللاحق إلى الاتحاد السوفياتي باعتباره راعياً أكثر تعاطفا تجاه قضاياهم الوطنية، إلى تبني الفكرة الشيوعية أو رفض الدين. وكانت هذه الأنظمة العسكرية فاجرة بالتأكيد، لكنها لم تكن علمانية. فهي لم تؤمن ولا هي مارست الفصل بين الدين والسياسة. بل إنها اعتمدت اعتماداً كبيراً في واقع الأمر على الرمزية الدينية لتأطير صورة طاغيتها الواحد الملهم وعائلته أو عشيرته. وكان هذا هو واقع الحال مع أنور السادات بعد كامب ديفيد، وخليفته حسني مبارك، فضلاً عن صدام حسين، ومعمر القذافي، وحافظ وبشار الأسد. وقد نمت الأصولية وتعبيراتها الاجتماعية السائدة فعلاً في ظل قيادة هؤلاء، حتى مع أنهم كانوا يقمعون بلا هوادة كل المنظمات الإسلامية السياسية، أو أي نشاط سياسي آخر يتصل بهذه المسألة.
ولم يكن للعلمانيين مكان في مثل هذا النظام. ووجد أولئك الذين تجرؤوا على رفع أصواتهم بالحديث ضده أنفسهم وهم يُفصلون من وظائفهم، ويُسجنون، أو يُجبرون على مغادرة بلادهم. وهناك البعض منهم، من الذين أصروا على مواصلة انتقاداتهم للديكتاتوريين أو للآراء المتشددة للمتطرفين الإسلاميين المتزايدين، مثل الصحفيين سليم اللوزي وسمير قصير في لبنان، وهداية سلطان السالم في الكويت، وفرج فودة في مصر، ومحمد طه في السودان، فقد اغتيلوا. فيما قام آخرون، غير قادرين على تشكيل هيكل سياسي لتوحيدهم مثل الاسلاميين، بتوجيه نشاطهم السياسي إلى مساع أكثر ميلاً إلى الفكر والفن. بل لقد أصبحت العلمانية، المتهمة أصلاً بالنخبوية بسبب الخلفيات الاجتماعية لأنصارها، أكثر هلهلة لأنها هاجرت إما بعيداً عن نبض الشارع إلى داخل حدود الأوساط الأكاديمية والفنية، أو إلى خارج البلاد كلياً.
ثم بدت انتفاضات العام 2011 في البداية وأنها ستعيد جلب العلمانية إلى الواجهة كقوة سياسية صاخبة. ومع تغذيها بجيل جديد من الناشطين -الشباب، المرتبطين بالشبكة العالمية، والذين لا يتقيدون بمحددات الدين أو الطبقة أو الجنس- طرحت الانتفاضات العربية المبادئ نفسها التي سبق وأن دعا إليها العلمانيون العرب السابقون. لكن الشباب العرب، مثلهم مثل أولئك العلمانيين العرب السابقين، لم يترجموا شعارات حشدهم العلماني إلى أطر لأحزاب سياسية يمكنها أن تنافس على حكومات ما بعد الثورة. وهناك بعض الحركات، وأكثرها جدارة بالملاحظة حركة 6 أبريل في مصر، التي أعلنت ببساطة بعد سقوط نظام مبارك أنه ليست لديها خطة لتصبح حزباً سياسياً، ثم آلت إلى الأسف فيما بعد على ذلك القرار المتهور. وقد انسحب المرشح البارز الذي يتمتع بشعبية معقولة لرئاسة الجمهورية في مصر، محمد البرادعي، من السباق قبل بدايته، مشيراً كسبب إلى الطريقة المستهجنة التي أدار بها منتقدوه السياسة. وقد تم تحييد المحاولات القليلة لتسجيل وجود علماني سياسي في الانتخابات التي جرت في تونس ومصر على يد الأحزاب الإسلامية الأكثر تنظيماً وبروزاً، مستخدمة جاذبيتها الذكية للتدين الأساسي للشعب، ولا سيما الفقراء والأميين.
ومع ذلك، ما تزال العلمانية العربية موجودة، في الشارع وعلى الإنترنت. ورغم أن الإسلاميين تغلبوا عليها في السباق الحالي على السلطة، فإنها ما تزال لديها القدرة على تأكيد وجودها في الساحة السياسية، إن لم يكن باعتبارها الحزب الحاكم، فعلى الأقل كمعارضة مشروعة وحارسة لمبادئ الحريات المدنية. وتحتاج ثقافة المعارضة المشروعة؛ الغائبة منذ فترة طويلة في ظل الأنظمة الشمولية، إلى إعادة إدراجها في الخطاب السياسي. ولا تقل هذه المهمة في أهيمتها عن الحكم الرشيد نفسه من أجل رعاية الديمقراطيات العربية الناشئة. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي أن يتم توحيد جهود الشباب الثوري الساخط والمثقفين العلمانيين المخضرمين تحت مظلة أحزاب سياسية. وعلى الغرب أن يساعدهم عن طريق الاعتراف بدورهم السياسي الحاسم، والتعامل معهم على المدى الطويل كشركاء حقيقيين، وليس فقط كمتلقين للتدريب والمساعدات.
في شباط (فبراير) 2011، بعد انتصار الثورة المصرية التي لعب العلمانيون فيها دوراً مهماً، عبر بعض أكثر الخطباء الإسلاميين شهرة عن مشاعر الشماتة بهم؛ لأن الحكومة المقبلة ستكون إسلامية. ويعتقد هؤلاء بأن على العلمانية أن تذهب أخيراً للاستراحة، لأنها حكمت لمدة 50 عاماً وفشلت. لكن العلمانية الحقيقية لم تتح لها أبداً فرصة الحكم في العالم العربي الحديث، ربما فيما عدا تونس في ظل الحبيب بورقيبة (1957-1987). وبخلاف ذلك، كان الدين حاضراً دائماً ومنصوصاً عليه في الدساتير الورقية لجميع الممالك والجمهوريات العربية، حتى تلك الأنظمة التي كانت تطارد الإسلاميين بشراسة. وعلاوة على ذلك، لم يعمد أيّ من الحكام العرب الذين اختبؤوا وراء أقنعة العلمانية -سواء كانوا مدنيين أو عسكريين- إلى فصل الدين عن سياساتهم أبداً. وقد جنّد العديدون منهم أشكالاً طيّعة ومنصاعة من الدين، ومشايخ مُسايرين ليكونوا أجزاء من ترسانتهم للسيطرة. وكانوا يقتفون بذلك خطى تقليد طويل من الحكم القائم على أساس الدين في العالم العربي، والذي لم ينته فعلياً حتى سقوط الخلافة العثمانية في العام 1923. وهكذا، سيكون من الأكثر دقة أن يُثار التساؤل عن أيّ نوع من الحكم الإسلامي الذي تتصوره المنظمات الإسلامية البارزة هو الذي سيجلب شيئاً لم تتم تجربته من قبل خلال القرون الطويلة مما تعتقد هذه المنظمات نفسها بأنه كان حقبة انحدار عربي.

* مؤرخ معماري من مواليد دمشق، يشغل وظيفة أستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبردج، بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأميركية.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Arab secularism and its discontents

التعليق