جنوب السودان.. عيد ميلاد غير سعيد

تم نشره في الأربعاء 18 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 14/7/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان الأسقف دزموند تيتو، الفائز بجائزة نوبل للسلام، هو ضيف الشرف في الحفل السنوي الأول لميلاد دولة جنوب السودان يوم التاسع من تموز (يوليو) الحالي؛ حيث قدم موعظة تدعو إلى السلام. وقال لقادة الأمة الشابة: "أوقفوا القتال وستأتي الثروة"، ودعاهم إلى التصالح مع مواطنيهم السابقين في الشمال. وكان ثمة إطراء مؤدب، لكن متطوعين اعترضوا الأسقف الجنوب أفريقي السابق في طريق خروجه، وكانوا يؤرجحون أواني لجمع المال من أجل الجيش.
في أعقاب عام من الطلاق مع الشمال، تملأ الخيبة نظرة جنوب السودان. وقد أغلق الجنوبيون في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي صنابير النفط، الذي كان من المفترض أن يجلب النقود لكلا البلدين، وذلك خلال احتدام خلاف حول رسوم الترانزيت التي طالب بها الشمال، نظير استخدام خطوط الأنابيب والموانئ التي تأخذ النفط إلى السوق. وألحق الإقفال الشلل بكلا الاقتصادين. ففي الجنوب تسلق معدل البطالة إلى 80 % من 20 %. ولأنه لا يتوافر على صناعة، ويعول كلية على الواردات، يحس البلد بأثر الانزلاق في قيمة عملته. وستشرع الأمم المتحدة، وهي جهة توظيف كبيرة، في دفع رواتب موظفيها المحليين مقومة بالدولار على ضوء الأزمة. وقد تجاهلت الحكومة حتى الآن الدعوات لتبني الدولار. وما جعل الأمور أسوأ هو أن صراع حدود مع جزء من السودان دفع بنحو 170000 لاجئ للهروب إلى الجنوب حيث يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة.
ويحتل جنوب السودان مركزاً في أسفل مؤشرات التنمية الكونية. وهو ما يزال يتراجع إلى الوراء، وفق معظم المعايير. وتظهر نظرة إلى خريطة الأمم المتحدة عن البلد أن هناك 30 حالة طوارئ متزامنة -غالباً حيث تمس الحاجة إلى المساعدات الدولية لإبقاء الناس على قيد الحياة. ويحتاج أكثر من نصف عدد سكان البلد المقدرين بحوالي 9 ملايين نسمة إلى مساعدات غذائية.
وفي الأثناء، ثمة خشية من بدء انهيار الدولة الجديدة في حال عدم التوصل إلى صفقة لاستئناف إنتاج النفط. ووفق بعض التقديرات، فإنه قد لا يكون بإمكان حكومة الجنوب أن تدفع رواتب الموظفين مع حلول شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. وتعد الحوافز أمام كلا الجانبين للتوصل إلى تسوية، ربما خلال المباحثات المباشرة في وقت مبكر من الشهر المقبل، حوافز قوية. لكن الفجوة بينهما كبيرة. ويطلب الشمال مبلغ 10 بلايين دولار على مدار أربعة أعوام كتعويض لخسارة حقول النفط الجنوبية، في حين تبدي الحكومة في الجنوب استعداداً لتقديم 3 بلايين دولار. وذلك يترك الوسطاء، بقيادة ثابو مبيكي، رئيس جنوب أفريقيا السابق، يحكون رؤوسهم. وكانت الصين التي تتاجر مع البلدين والتي ستخسر الكثير من أي صراع جديد قد عرضت تجسير بعض الانقسام في شهر شباط (فبراير) الماضي عبر شراء النفط بأسعار فوق أسعار السوق.
ربما يعمل التغضن الاقتصادي الوشيك على تركيز الأدمغة. ولا شيء غير ذلك سيكون قادراً على فعل الشيء نفسه. وكانت نذر الحرب قد لاحت في النصف الأول من العام بعد غارات جوية شمالية وهجوم مضاد بري من الجنوب. ويفضل كلا الجانبين هذا "التفاوض من خلال التطرف" -كما يوصف- على أنه هدم للذات. وفي الأثناء، تعيد عقلية زمن الحرب تأكيد نفسها في جنوب السودان. وقد ظهرت لجان جمع الأموال من حول البلد، جامعة أموالاً لصالح حرب العصابات من حقبة الحرب الأهلية التي تعد راهناً الجيش الدائم للبلد. وتطلب غرفة التجارة راهناً من رجال الأعمال مثل تونغ البينو، الذي ما يزال ينتظر لعامين أن يتم تسديد ثمن الغذاء الذي استورده للجيش، تقديم أموال للقوات على خط الجبهة.
وحيث كرس العسر المالي الأخير في الشمال قيام الاحتجاجات، يظل الجنوبيون في جزئهم الغالب رواقيين (لا يتأثرون بالتطورات) -كما كانوا قد فعلوا خلال عقود الحرب. وتعد الحكومة محظوظة لكون الشعب متفهماً جداً، كما يقول السيد البينو، إذ لم يحصلوا على الكثير أبداً في المقام الأول. وعندما شرع النفط في التدفق بعد صفقة السلام في العام 2005 مع الشمال، والتي أنهت الحرب الطويلة، ذهبت حصة الأسد للجيش. وسرق مسؤولون الكثير مما تبقى. وقد جعل ذلك المانحين الدوليين مترددين في تقديم المزيد من أموال المساعدات.
وتحت ضغط شديد من أميركا لإرسال إشارة ضد الابتزاز، كتب رئيس الجنوب، سيلفا كير، رسالة إلى 75 مسؤولا كبيرا في أيار (مايو) الماضي، متهماً إياهم بسلب أكثر من 4 بلايين دولار. وعرض العفو عن أي شخص يعيد أموالاً إلى حساب بنكي في كينيا المجاورة. وقد غمغم بعض الوزراء المغضبون بأن الرئيس، بطل الحرب، يجب أن يستقيل. واتهموا أحد مستشاريه، وهو أميركي، بكتابة الرسالة، فغادر جوبا منذئذٍ ناجياً بنفسه.
وفي الأثناء، تعج العاصمة بالمعالم التي تكشف عن الابتزاز. وعلى الأطراف، ثمة شاخصة إعلانية تشير إلى اللجنة الخاصة بمكافحة الفساد، والتي تقف أمام قطعة أرض فارغة. وكانت الأموال التي خصصت لبناء مكتبها قد فقدت بطريقة ما، وهو ما رتب على اللجنة عديمة الأسنان أن تستأجر مكتباً لها في مكان آخر. ويقول جوك مادوت جوك، وزير الدولة لشؤون الثقافة، إن بعض زملائه أصبحوا أغنياء من تقاضي الرشى. وما يزال ثمة حنين للماضي. وكان من غير المرجح أن يمحو عام واحد من الاستقلال 50 عاماً من الدمار.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 South Sudan Unhappy birthday

[email protected]

التعليق