التدخل العسكري في سورية ليس مستحيلا

تم نشره في السبت 7 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً
  • متظاهرون يطالبون بوقف المذابح في سورية - (أرشيفية)

جون باتريك غافيار* - (لوموند) 2/7/2012

ترجمة: مدني قصري

 

لم يستبعد رئيس الجمهورية الفرنسية فرنسوا هولاند، في بداية شهر حزيران (يونيو)، أمام مشهد الضحايا المدنيين الذين يزداد عددهم يوما بعد يوم في سورية، تدخلاً عسكرياً في هذا البلد. وتجدر الإشارة إلى أن الرأي العام الفرنسي يؤيد الحل العسكري في سورية إلى حد كبير، كما تبيّن من استطلاع للرأي أُجري مؤخراً. لكن التدخل العسكري في هذا البلد يجب أن يخضع لقرار مسبق من الأمم المتحدة التي ما تزال مكبلة من قبل الصين وروسيا. ولكن، وعلى الرغم من معارضة هذين البلدين، فإنه قد يكون من المهم تحليل الوسائل العسكرية التي يمكن اللجوء إليها في حال صدور قرار في صالح مثل هذا التدخل.
في مقدمة هذا التحليل، يبدو من الضروري النظر في بعض الفرضيات القابلة للتطبيق، من أجل التقرب أكثر من هذه الدراسة المعقدة. ومن بين هذه الافتراضات نرى أنه من الواضح أن أي تدخل من المرجح أن يحدث في داخل ائتلاف عسكري يضم بعض الدول الأوروبية المدعومة لوجستيا فقط من الأميركيين، الأكثر انشغالا في الوقت الحالي بموضوع انسحابهم من أفغانستان، والانتخابات الرئاسية المقبلة. غير أنه على العكس من ذلك، فإن قوات العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا بإمكانها أن تنضم لهذا الائتلاف. ولن يكون الثقل السياسي والعسكري الذي يميز الجيش التركي محايداً في نجاح هذه العملية التي سوف تكون في هذه الحالة موجهة من دون أدنى شك من قبل حلف شمال الأطلسي، علما بأن هذا البلد مرتبط بالحلف ارتباطا كبيرا.
وثمة افتراض آخر مهم يستحق منّا الاهتمام أيضاً، وهو أنه لا توجد قوة برية أوروبية واحدة، باستثناء بعض عناصر من القوات الخاصة التي يمكن التفكير في مشاركتها في التدخل، أيا كانت القدرات الفعلية التي تمتلكها حركة التمرد السوري المسلح. والدروس المستفادة من العمليات العسكرية في أفغانستان تحظر في الواقع، أي تدخل للقوات البرية بقيادة الغربيين في بلد مسلم.
ولكن، بعد طرح هذه الفرضيات، ما الوسائل المضمونة التي يمكن استعمالها؟ على غرار العمليات العسكرية التي طبقت في ليبيا، فإن القوات البحرية والقوات الجوية المدعومة على الأرض من قبل عدد محدود من القوات الخاصة، ينبغي أن تشكل العمود الفقري لقدرات الحلف العسكرية.
وسوف تناط للوسائل البحرية للقوات المتعددة الجنسيات مهمة تأمين الحصار، وبسد الواجهة البحرية المتوسطية لسورية. ومع أن البحرية السورية تمتلك غواصات حربية، وبعض البوارج البحرية، لكنها ليست بالحجم القادر على مواجهة قوات الحلف في هذا المجال. لكن هناك في المقابل صواريخ سورية مضادة للسفن، وبعضها ما زودتها به روسيا مؤخرا، والتي تشكل تهديدا خطيرا للغاية، ولذلك لا بد من التشويش على هذه الصواريخ أو تدميرها على وجه السرعة.
وينبغي أن تكون الوسائل الجوية، بحكم مرونتها الفائقة وقدرتها على الحركة في كل الاتجاهات جزءا من الوسائل المفضلة. وتتمثل مهمتها الأولى في ضمان التفوق الجوي من أجل الحصول على حرية التحرك في الجو، ومنع جميع الهجمات على السكان المدنيين التي تقوم بها الطائرات والمروحيات الحربية السورية. لكن القوات الجوية السورية المضادة للطائرات تظل كثيرة وفعالة، لسوء الحظ. ويشكل تدمير طائرة الاستطلاع التركية من قبل المدفعية السورية مثالاً واضحاً في هذا الشأن. وفي ظل هذه الظروف، يجب على قوات التحالف الجوية، على الأقل في المرحلة الأولى، أن تكتفي بتفوق جوي زمني. ومن المؤكد أن إيطاليا وتركيا مزودتان بأسلحة مضادة للرادارات. ولكن، هل تكون هذه الوسائل كافية أمام عدو يتمتع بحرية التحرك جوا؟ بوضوح نقول إن التحالف قد يجد نفسه في نفس الحالات الصعبة من العمليات التي واجهها في كوسوفو في العام 1999. ويتمثل الحل البديل في مطالبة الأميركيين بإرسال صواريخ توماهوك، وأيضا طائراتهم المقاتلة "الخفية"، مثل طائرة أف 22.
وتستطيع هذه الطائرات التي لا يمكن الكشف عنها بواسطة الرادارات أن تخترق الدفاعات المضادة للطائرات التابعة للعدو، وأن تدمر هذه المواقع، مع توفير المعلومات اللازمة في الوقت الحقيقي للطائرات المقاتلة "الأكثر كلاسيكية" التابعة للتحالف عن مواقع هذه الدفاعات الجوية المتبقية المضادة للطائرات، للمساعدة على تدميرها. ويستطيع الأميركيون من دون انخراط حقيقي في العمليات الهجومية القيام على الرغم من ذلك ببضع المهام من هذا النوع خلال المرحلة الأخيرة من الصراع، علما بأن الالتزامات الأولية يُرافقها دائما حضور مكثف على المستويين الإعلامي والسياسي. وتجدر الإشارة إلى أن شروط هذا التدخل لا يمكن أن تتم إلا تحت قيادة أميركية، ومن ثم على الأرجح، في إطار منظمة حلف شمال الأطلسي.
وأما المهمة الثانية لقوات التحالف الجوية، فهي تتمثل في تأمين الدعم لفائدة قوات التمرد السورية. لكن قوات بشار الأسد البرية متمركزة بقوة في المدن. ولذلك، فإن الدعم الجوي في المراكز الحضرية سيكون حساسا للغاية بالنسبة للقوات الجوية، بالنظر إلى الأضرار الجانبية المحتملة، علما بأن القوات السورية تستعمل الدروع البشرية أيضاً. وتتطلب هذه المهمات الحساسة أسلحة ملائمة، وهي الأسلحة التي تمتلكها القوات البريطانية. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، سوف ترتكز تدخلات الدعم من قبل التحالف في المقام الأول على الضواحي، وهي تحتاج إلى دعم من القوات الخاصة على الأرض. وتستند هذه المهمة الثالثة إلى تدمير مراكز السلطة، والقيادة والمراكز اللوجستية السورية. وسوف تكون مهمة الاستنزاف هذه التي تستغرق بعض الوقت مهمة جد فعالة. وعلى هذا النحو، يتعرض صرح العدو السياسي-العسكري إلى الزعزعة بواسطة ضربات تستهدف عمق جهازه، وتؤدي إلى انهياره المفاجئ ومن دون سابق إنذار.
كل هذه المهام تتطلب وسائل استخباراتية دقيقة في الوقت المناسب بواسطة وسائل استشعار متنوعة عن بعد، وتحاليل عميقة للكشف عن الأهداف المُموّهة والمحمية حماية جيدة.  لكن القوات الأوروبية ضعيفة جدا في هذا المجال، كما أثبتت ذلك العمليات في ليبيا. وقد لوحظ النقص الحاد في الطائرات عالية الكفاءة بدون طيار، على سبيل المثال، بوضوح وعلى نطاق واسع بعد هذا التدخل.
وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن قوات التحالف وأجهزته ينبغي أن ترابط في قبرص وجزيرة كريت وتركيا، وأن تقدم طائرات التزويد بالوقود في الجو الدعم اللازم من أجل القيام بكل هذه المهمات الطويلة. وفي هذا المجال، سوف تكون القوات الأوروبية، بلا شك، مرتبطة بشكل كبير بالوسائل الأميركية، كما كان الحال في جميع العمليات الجوية الواسعة الأخيرة.
ولكن، ماذا عن وسائل الهجمات الإلكترونية المعلوماتية القادرة على تدمير شبكات المعلومات والقيادة السورية، وهي الوسائل التي لا وجود لها في أوروبا، ولا تملك قدرات حقيقية فيها سوى الولايات المتحدة؟
في الختام، نقول إن تدخلا فعالا في سورية، مقتصرا على قوات بحرية وجوية، للأسباب التي ذكرناها آنفا، هو أمر مستحيل عسكريا من دون الولايات المتحدة، بل ومن دون مشاركة تركيا أيضا. وتُظهر هذه الحقيقة أيضا، وبصورة غير مباشرة، حدود قدرات تدخل القوات المسلحة الأوروبية، وبخاصة الفرنسية التي تعاني من نقص في القدرات في جميع المجالات، بما في ذلك مواجهة الدفاعات المضادة للطائرات، وكذلك وسائل الاستشعار والطائرات بدون طيار، والأسلحة الدقيقة الخاصة بالمناطق الحضرية، وطائرات التزود بالوقود وطائرات النقل التكتيكي الحديثة، وكذلك القدرات الهجومية الحديثة. وعمليا نقول إن تدخلا "أوليا" كالتدخل الذي قامت به في يوم 19 آذار (مارس) 2011 طائرات "رافال" لإنقاذ السكان المدنيين في بنغازي الذين كانوا يتعرضون لمذابح وشيكة، هو تدخلٌ مستحيل في الوقت الحالي في سورية. ويبقى الأمل معقوداً على أصحاب القرار في أن يأخذوا ذلك بالاعتبار عند ترتيب أي هجوم قادم على سورية!


*قائد سابق للعمليات العسكرية.
*نشر هذا التحليل العسكري تحت عنوان:
Une intervention militaire en Syrie est possible

 

[email protected]

التعليق