الواشنطن بوست تحاور رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض

تم نشره في الثلاثاء 3 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

لالي ويماوث *
 (الواشنطن بوست) 22/6/2012

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

"لو أننا نستطيع استنساخه فحسب!"، هكذا قال لي مسؤول أميركي كبير في الآونة الأخيرة، متحدثاً عن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض. ولكن، ومع أنّه يحظى باحترام كبير من الأجانب، ربما يجد فياض نفسه خارج المنصب في حال شكل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) حكومة وحدة وطنية مع حماس. وفي الأسبوع الذي سبق تاريخ إجراء هذا الحوار، جلس فياض في مدينة رام الله في الضفة الغربية مع لالي ويماوث من صحيفة الواشنطن بوست، وخاض معه حواراً ننشر منه هذه المقتطفات:
البوست: ما الذي يحدث الآن في عملية تشكيل حكومة الوحدة بين فتح وحماس؟ هل يفضل أبو مازن إنشاءها؟ هل ترغب حركة حماس في ذلك من جهتها؟
فياض: لقد اتخذت هذه العملية شكل ما أسميه جولات من الحوار. وفي الآونة الأخيرة، ظهر شيء تحت عنوان "إعلان الدوحة"، الذي قال إنها ستكون هناك حكومة من التكنوقراط، برئاسة الرئيس محمود عباس نفسه، والتي تدير فترة انتقالية يجري خلالها الإعداد لإجراء الانتخابات.
وقبل نحو ثلاثة أسابيع، تم تعديل هذا الفهم في سياق جولة جديدة من الحوار في القاهرة، حيث جرى فصل بند تنظيم الانتخابات عن بند تشكيل الحكومة الائتلافية. وكان قد وقع اتفاق الدوحة كل من خالد مشعل (زعيم حماس) وأبو مازن. لكن ذلك الاتفاق لم يلقَ الدعم داخل حركة حماس في غزة.
البوست: وهكذا، قال المفاوضون في القاهرة إنه ليست هناك حاجة لإجراء انتخابات بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية؟
فياض: أصبحت الصلة أضعف كثيراً في إطار صيغة القاهرة بين بند إجراء الانتخابات وتجميع هذه الحكومة الانتقالية التي يترأسها أبو مازن...
بعد إعلان الدوحة، لم تكن حماس ستسمح للجنة الانتخابات المستقلة بالذهاب إلى غزة من أجل تحديث سجل الناخبين. ولم يتم القيام بهذا التحدث منذ سنوات الآن. لكنهم سمحوا للجنة، بعد اتفاق القاهرة الذي وقع قبل نحو ثلاثة أسابيع، بأن تذهب وتحضّر لتحديث السجلات. وإذا سألتني، فإنني لست مقتنعاً بأن هناك جدية إزاء إجراء الانتخابات من الأساس.
البوست: من جانب حماس؟ أم من جانب أبو مازن أيضاً؟
فياض: من جانب حركة حماس على وجه اليقين. وسأترك الحديث عن هذا الأمر هنا.
البوست: ألم يكن أبو مازن قد انتُخب منذ زمن طويل؟
فياض: لقد انتُخب في كانون الثاني (يناير) من العام 2005.
البوست: لفترة رئاسية واحدة مدتها أربع سنوات؟
فياض: صحيح.
البوست: ومتى انتُخب البرلمان؟
فياض: في كانون الثاني (يناير) 2006.
البوست: وكان ذلك أيضاً لفترة واحدة من أربع سنوات؟
فياض: نعم، وكلاهما تجاوزا فترتهما.
البوست: ماذا يفكر الناس إزاء ذلك؟
فياض: المشكلة الرئيسية في محاولة تحقيق المصالحة هي غياب الجديّة إزاء إجراء الانتخابات -ومن جانب حركة حماس بكل تأكيد. وهذه حقيقة معروفة جيداً، والتي أثبتت صحتها استطلاعات الرأي المختلفة التي شهدت تراجعاً مطرداً في شعبية حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. وأعتقد أن هذا هو السبب في أنهم ظلوا يتهربون من الانتخابات.
البوست: لأن حماس سوف تخسر؟
فياض: هذا سبب وجيه.
البوست: يُقال إن حماس تريد أن تشق لنفسها طريقاً في الضفة الغربية.
فياض: هذا صحيح. لقد أدارت حماس البلدجميعاً -كل من غزة والضفة الغربية- خلال الفترة من آذار (مارس) 2006 إلى آذار (مارس) 2007. وكانت الحكومة الفلسطينية مكونة من حماس فقط. لكن تجربتهم في الحكومة لم تكن في الحقيقة ناجحة جداً، والجميع يعلم ذلك. كان هناك تجميد مالي فُرض على السلطة الفلسطينية. وشرع النظام المصرفي بالتحلُّل. لم تكن تلك تجربة جيدة. ثم كانت هناك حكومة وحدة وطنية لمدة ثلاثة أشهر. وكنت في تلك الحكومة وزيراً للمالية. لكن تلك الحكومة انهارت بعد ذلك بفعل الضربة القاسية التي تمثلت في استيلاء حماس العنيف على السلطة في غزة. ومنذ ذلك الحين، ظلت حماس هي السلطة الفعلية في قطاع غزة... وقد عاش الناس في ظل ذلك النظام لمدة خمس سنوات كاملة الآن...
و(لكن)، في وضع مثل هذا الذي نعيشه في فلسطين في الوقت الراهن، لا يعني ذلك أنهم يملكون أيّ فرصة في الفوز في الانتخابات.
البوست: كيف تفعل فتح (في هذا الجانب)؟
فياض: في استطلاعات الرأي، استعادت حركة فتح منذ العام 2006 بعض ما فقدته. وما لا يعرفه الناس أنه كانت لفتح وحماس في العام 2006، من حيث النسبة المئوية من مجموع الأصوات في الانتخابات، النسبة نفسها تقريبا -حوالي 44 % لكل منهما.
البوست: إذا شكل أبو مازن وخالد مشعل حكومة وحدة وطنية، هل تكون رأسك هي ثمن هذا الاتحاد؟
فياض: منذ البداية، نظرتُ إلى دوري على أنه تصريف أعمال إلى حين تكون هناك طريقة يمكن من خلالها جمع أجزاء البلد مرة أخرى معاً. ولن أستبعد نفسي من الوجود في الحكومة في حال قيام وحدة وطنية.
البوست: وإذن، لَن تستبعد نفسك؟
فياض: الواقع هو أنه لا يوجد اتفاق على إبقائي في الحكومة إذا كانت هناك مصالحة. وهذا يضعني في موقف حرج جداً. سيبدو الأمر كما لو أنني رئيس للوزراء لفترة الانفصال فقط. إنني وحدوي. ونحن لن نكون قادرين على إقامة دولة فلسطينية طالما بقي هناك فصل بين غزة والضفة الغربية. يجب علينا توحيد بلدنا.
البوست: سمعت أنك كنت تفكر في تشكيل حزبك الخاص. هل ستذهب إلى دخول الحكومة في المستقبل؟
فياض: هذا أمر لن أستبعده بالتأكيد. إنني سأفضل كثيراً أن يجيء ذلك نتيجة لانتخابات. لا أعتقد -كما يفعل الكثيرون خطأ- أن من الأسهل ممارسة الحكم من دون سلطة تشريعية. أعتقد أن ذلك الفهم خاطئ تماماً. إن رسالتي بسيطة: إننا نريد أن تُعطى للناس الفرصة لممارسة حقهم الكامل في اختيار قيادتهم. وقد استحقّ ذلك منذ زمن. هذا هو ما يهمني حقاً.
البوست: هل يقاسمك أي شخص آخر في داخل حركة حماس أو في حركة فتح هذا الحماس للانتخابات؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن أن تأتي الانتخابات المقبلة؟
فياض: هذا شيء أعتقد بأنه سوف يحدث، وآمل أن يحدث عاجلاً وليس آجلاً. كلما أُعطِيَ الناس فرصة أكبر للتعبير عن أنفسهم بشأن هذه القضية، زاد احتمال أن تجُرى تلك الانتخابات.
البوست: هل تعتقد أن الناس سوف ينزلون إلى الشوارع هنا مثلما فعلوا في القاهرة؟ وإذا كان أبو مازن وخالد مشعل يستطيعان الحصول على حكومة جديدة وإعادة خلط الأوراق، فلماذا يقومان بإجراء انتخابات من الأساس؟
فياض: أعتقد أنه ربما يكون للناس شيء أو اثنان ليقولوه عن ذلك. أعتقد أن الناس سوف يتوسلون الاختلاف. إن الناس هنا يتوقون إلى إمكانية اختيار قيادتهم. وقد كنا نحن الفلسطينيين من بين أول من يقيمون انتخابات مفتوحة ونزيهة وشاملة في العالم العربي. وأعتقد أن الناس يجب أن ينالوا هذه الفرصة مرة أخرى، وأتوقع أن يقوموا بالمطالبة بها.
البوست: وأنت تعتقد بأنهم سيفعلون؟
فيّاض: أعتقد أن ذلك هو حقهم المطلق. كيف نصل إلى النقطة التي تكون لدينا فيها انتخابات؟ إذا كان سيتم ترك تلك النقطة للحوار حتى ينتهجها، فإن الحوار لَن يفعل في الحقيقة. إنه أمر سيتوجب فرضه فعلياً على النظام. إن الناس لَن يتحلوا بالصبر إلى الأبد، ويظلوا قابعين في انتظار جولات الحوار، واحدة بعد الأخرى.
البوست: أنا أعرف أن الرئيس عباس ورئيس الوزراء (بنيامين) نتنياهو قد تبادلا الرسائل، وأن كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، والمفاوض الإسرائيلي إسحق مولخو يقومان بعقد (اجتماعات) في واشنطن العاصمة.
فياض: بالتعاقب، وليس في وقت واحد. كان مولخو هناك الأسبوع الماضي، وعريقات هذا الأسبوع.
البوست: هل يكون الأمر أنهم يحاولون إعادة فتح الحوار بشأن عملية السلام؟
فياض: بشكل ما، ربما. أما إذا كان من شأن ذلك أن يكون منتجاً بما يكفي، فيبقى أن ننتظر ونرى. أعتقد أن ذلك لا ينبغي أن يكون موضع التركيز الآن. أعتقد أن الاستثمار يجب أن يكون في القضايا التي تتعلق بقدرتنا على تقديم الخدمات لشعبنا، على تحسين الحكم (من أجل) تعزيز جهودنا لتحقيق إقامة دولة فلسطينية.
البوست: كنتَ ضد الذهاب إلى الأمم المتحدة في الخريف الماضي للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية، أليس كذلك؟
فياض: إنني أقف مع أي مبادرة يمكن أن تقربنا من اليوم الذي نكون قادرين فيه على العيش كشعب حر في دولة خاصة بنا. وكنتُ مشتبكاً ومنشغلاً دائماً بما سيكون عليه الواقع على الأرض في فلسطين بعد يوم من تصويت الأمم المتحدة. بكل وضوح، إذا لم تكن هناك محاولات وجهود يجري بذلها لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فإن الواقع على الأرض سيكون في الحقيقة هو نفسه في اليوم التالي. إنني لست في حاجة إلى إعلان آخر للدولة -إن لدينا إعلاناً عنها بالفعل.
البوست: هل تعتقد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جاد إزاء إنهاء الاحتلال؟
فياض: لم نر ذلك النوع من الحركة وهو يتحقق على أرض الواقع، وبحيث يتوافق مع استشراف هذا الاعتقاد. إذا عدنا إلى حزيران (يونيو) 2009، فقد عبر نتنياهو حينذاك وللمرة الأولى عن استعداده للقبول بفكرة حل الدولتين. ولكن، وفيما يتعلق بتحويل ذلك الكلام إلى دعم فعال لواقع حقيقي يمكن أن ينتج الدولتين، فإن هناك مسافة كبيرة ما يزال ينبغي قطعها بعد. ما البديل للدولة الفلسطينية كحل لهذا الصراع؟ ليس هناك أيّ بديل ذي معنى.
البوست: وإذن، أنت لا ترى تحركاً باتجاه الحل القائم على فكرة الدولتين؟
فياض: كان الأمر صعباً جداً على مدى العامين الماضيين. وقد علقنا حول قضية التوسع الاستيطاني المستمر، باعتبار أن ذلك يشكل عرقلة كبيرة لاستئناف المحادثات. وفي هذه الجولة الأخيرة من النشاط، جرى بذل الجهود من أجل معرفة ما إذا كانت هناك بعض الإمكانات والاحتمالات. وأعتقد أن المحاولة تظل أفضل من عدمها.
البوست: هل تشعر بالقلق على سورية؟
فياض: بالطبع. إن المأساة في سورية هي ذبح الناس وسفك الدماء. لكن هناك تداعيات تتجاوز سورية إلى محيطها.
البوست: ماذا تريد أن ترى الولايات المتحدة وهي تفعله إزاء هذه المسألة؟
فياض: يعتقد الكثير من الناس أنها مجرد مسألة أيام أو أسابيع قبل أن يغادر (الرئيس بشار) الأسد. أما ما لا يفكرون فيه، فهو العالم كما يراه الأسد نفسه. إنك لا تنظر إلى شخص يفكر بأن أيامه في الحكم باتت معدودة، وإلا لما كان يفعل ما يفعله. إنك تنظر إلى شخص يعتقد أنّ لديه فرصة في النجاة. وفي الأيام الجيدة، يعتقد أنه سوف ينجو فعلاً. وتسأل نفسك، لماذا، في نظام وبلد يجري فيهما كل هذا السفك للدماء، يكون هناك شخص ما يزال يعتقد أن بوسعه النجاة. يقع الجواب في عواصم مثل موسكو. وقد منعت روسيا والصين تحقيق إجماع (حول سورية) في مجلس الأمن. وفي هذه الحالة، كما في حالة إيران، ينبغي أن تصرف الولايات المتحدة المزيد من الوقت في التفكير بما ينبغي عليها عمله لكي تؤثر في رغبة روسيا بأن تُعامل مثلما كان يُعامل الاتحاد السوفياتي ذات يوم. إن الولايات المتحدة في حاجة إلى جعل روسيا تنخرط.
البوست: إن لدى السلطة الفلسطينية مشاكل مالية هذا العام.
فياض: هناك نقص في المساعدات الخارجية التي يجب أن تأتي من المنطقة -ليس من الولايات المتحدة أو أوروبا. وليس الأمر أننا لا نملك شيئاً- إن لدينا بعض النقص فحسب.
البوست: سمعت أنك توصلت إلى اتفاق الحصول على قرض تجسير مؤقت قصير المدى مع "ستان فيسشر"، محافظ بنك إسرائيل؟
فياض: هناك اجتماع لمجتمع المانحين ينعقد مرتين في السنة، وقد انعقد هذه المرة في أوروبا. وعندمي أعطيَت لي الكلمة، قلت: "لقد جئنا إلى هنا ونحن نعاني أزمة مالية عميقة جداً، وهي تشلنا". وقلت إنه إما أن تقوم الدول التي التزمت بتعهداتها؛ مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بزيادة مساهماتها، وهو ما أعلم أنه ليس أمراً سهلاً، أو أنه سيترتب على المنطقة أن تدفع المزيد من المال. أو أنه يمكن للمجتمع الدولي أن يتيح لنا إمكانية اقتراض المال من (صندوق النقد الدولي) بما أننا نقوم بتنفيذ برنامج تكيف اقتصادي، والذي كان سيؤهلنا، لو أننا كنا دولة، للحصول على ذلك النوع من القروض بكل تأكيد. ولكن، ولأننا لسنا دولة عضواً في صندوق النقد الدولي، فإنها ليست لدينا إمكانية الحصول على مثل هذه الأموال. ينبغي أن يكون هناك شيء تستطيعون القيام به. ونحن ما نزال نسعى إلى ذلك.
البوست: هل ستغادر الحكومة حقاً وهي في مثل هذا الوضع القاتم؟
فياض: أنا لن أذهب. هذا الأمر حلم بالنسبة لي. وليس عليّ أن أكون في حكومة من أجل متابعته وتقديم الدعم له. إنه أمر يذهب أبعد كثيراً من مجرد الوجود في أي منصب.
البوست: إذن، سوف تعود؟
فياض: إنني لن أذهب أصلاً.
البوست: ربما لن يتم عقد الاتفاق بين حماس وفتح أبداً.
فياض: ما تزال التكهنات الآن هي أنه ستكون هناك صعوبات. والمشكلة التي غالباً ما يتم تجاهلها هي أن هذه المصالحة التي تستمر مرة أخرى لبعض الوقت، ثم تنفصم مرة أخرى، إنما تنتج شعوراً بالطبيعة المؤقتة فيما يخص (السلطة الفلسطينية). ها هي ذا حكومة على وشك الذهاب. كيف إذن ستقوم البنوك بمنح قروض لنا إذا كانوا يعتقدون أننا لن نكون في مناصبنا في الأسبوع المقبل؟ إن ذلك ينتج حالة من عدم اليقين. إنني كلياً مع حسم هذا الأمر واتخاذ قرار حياله وبسرعة. ويمكن أن تنتهي هذه الحالة من الانفصال بطريقة واحدة فقط: الانتخابات. هذه هي الطريقة التي ينبغي أن يتقرر بها هذا الأمر. ومهما كانت نتيجة الانتخابات، فإنه ينبغي احترامها.
*هل يمكن أن تترشح للانتخابات؟
فياض: أنا لا أستبعد هذا الاحتمال. إذا صنفت آفاقي ورأيت أنها معقولة، فإنني سأجرب حظي. أعتقد أن ذلك أمر قابل للتحقيق ويمكن عمله.
*نشرت هذه المقابلة تحت عنوان:Lally Weymouth interviews Palestinian Prime Minister Salam Fayyad

[email protected]

التعليق