"الهادئ" دل بوسكي يدخل التاريخ من أوسع أبوابه

تم نشره في الثلاثاء 3 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً
  • مدرب منتخب اسبانيا فيسنتي دل بوسكي يداعب الكرة خلال المباراة النهائية أمام إيطاليا أول من أمس - (أ ف ب)

كييف - دخل مدرب المنتخب الاسباني لكرة القدم فيسنتي دل بوسكي التاريخ أول من أمس الأحد على الملعب الأولمبي في العاصمة الاوكرانية كييف بقيادته "لا فوريا روخا" إلى لقب كأس اوروبا 2012 بالفوز على ايطاليا برباعية نظيفة في المباراة النهائية.
وكان "الهادئ" على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه كونه يشرف على افضل منتخب في العالم وقاده الى انجاز تاريخي لم يسبق لاي منتخب ان حققه في السابق وهو الثلاثية (كأس اوروبا 2008-كأس العالم 2010-كأس اوروبا 2012).
وكرر دل بوسكي (61 عاما) سيناريو 2008 عندما اطاح بالايطاليين من الدور ربع النهائي، وحصد لقبا كبيرا ثانيا بعد ذلك الذي سطره في تموز (يوليو) 2010 عندما قاد لا فوريا روخا إلى لقب بطل كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، وبات ثاني مدرب فقط يتوج بلقب المونديال وكأس اوروبا بعد الالماني هلموت شوين الذي حقق هذا الأمر مع المانيا الغربية في كأس اوروبا 1972 ثم كأس العالم 1974.
كما منح دل بوسكي بلده انجازا لم يحققه أي منتخب في السابق وهو الاحتفاظ باللقب القاري، واصبح المدرب الوحيد في التاريخ الذي يتوج بالقاب مسابقة دوري ابطال اوروبا للاندية (مرتان عامي 2000 و2002 مع ريال مدريد) وكأس العالم وكأس أوروبا.
وقد أصبحت الانجازات متلازمة المسار مع "لا فوريا روخا" الذي تصدر تصنيف الفيفا لأول مرة في تاريخه عام 2008 ثم عادل الرقم القياسي من حيث عدد المباريات المتتالية دون هزيمة (35)، بينها 15 انتصارا على التوالي (رقم قياسي).
كما أصبحت اسبانيا بقيادة دل بوسكي الذي بات صاحب الرقم القياسي من حيث عدد الانتصارات مع المنتخب (51 انتصارا في 61 مباراة مقابل 38 فوزا لسلفه لويس أراغونيس)، أول منتخب يتوج بلقب كأس العالم بعد خسارته المباراة الأولى في النهائيات.
ونجح الرجل الهادئ الذي يعمل تحت الرادار ودون الضجة الاعلامية التي تحيط بالمدربين الآخرين، في ان يجعل منتخب بلاده ثاني بلد فقط يتوج باللقب الاوروبي ثم يضيفه غليه اللقب العالمي بعد عامين، وكان سبقه إلى ذلك منتخب ألمانيا الغربية (كأس اوروبا 1972 وكأس العالم 1974).
من المؤكد ان دل بوسكي دخل تاريخ بلاده من الباب العريض بعدما قاد المنتخب الوطني إلى لقب بطل كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه وذلك اثر فوزه على نظيره الهولندي 1-0 بعد التمديد في المباراة النهائية لمونديال جنوب افريقيا 2010.
وارتقى دل بوسكي بامتياز إلى مستوى المسؤولية التي القيت على عاتقه بعد خلافة اراغونيس الذي قاد المنتخب إلى لقبه الأول منذ 1964 بعدما توج بطلا لكأس أوروبا 2008 على حساب نظيره الالماني (1-0)، واصبح الرجل "الخالد" في اذهان شعب باكمله.
نجح رهان الاتحاد الاسباني على مدرب ريال مدريد السابق وتربع "لا فوريا روخا" على العرش العالمي وانضم إلى النادي الحصري للابطال، رافعا عدد المنتخبات التي حملت الكأس المرموقة إلى ثمانية.
وكسب دل بوسكي الرهان بفضل الأسلحة التي يملكها المنتخب المتميز بلعبه الجماعي الرائع والقدرات الفنية المذهلة للاعبيه، وهو تحدث عن فلسفته قائلا: "ان كرة القدم رياضة جماعية بامتياز، لكنك تحتاج للفرديات أحيانا من اجل صنع الفارق واختراق الدفاعات. نحن نملك مهارات فردية متميزة في كل خطوطنا، بدءا بالحارس ومرورا بالوسط وانتهاء بالهجوم، اذ تضم صفوفنا لاعبين مهاريين بارزين".
سيبقى دل بوسكي دائما في الاذهان بانه المدرب الذي نجح في فك عقدة بلد بأكمله في العرس الكروي العالمي ونجح في قيادة "لا فوريا روخا" إلى أبعد ما نجح فيه أي من المدربين الـ49 الذين تناوبوا على رأس الهرم الفني للمنتخب الوطني.
منذ أن تسلم مهامه مع المنتخب بعد كأس أوروبا مباشرة، نجح دل بوسكي في قيادة منتخب بلاده لمواصلة عروضه الرائعة ومسلسل نتائجه المميزة، ولم يلق ابطال أـوروبا طعم الهزيمة بقيادته سوى 6 مرات في 61 مباراة، الأولى على يد الولايات المتحدة في نصف نهائي كأس القارات العام 2009 عندما وضع منتخب "بلاد العم السام" حينها حدا لمسلسل انتصارات بطل أوروبا عند 15 على التوالي وألحق به هزيمته الاولى منذ سقوطه امام رومانيا 0-1 في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2006، فحرمه من تحطيم الرقم القياسي من حيث عدد المباريات المتتالية دون هزيمة، ليبقى شريكا للمنتخب البرازيلي في هذا الرقم (35 مباراة دون هزيمة)، علما بأن الأخير سجله بين عامي 1993 و1996.
أما الأخيرة فكانت ودية أمام إيطاليا (1-2) التي كانت الاختبار الأول لمنتخب دل بوسكي في نهائيات كأس اوروبا (1-1) وكانت أيضا الاختبار الأخير.
يعتبر دل بوسكي نموذجا للمدربين الهادئين الذين بامكانهم المحافظة على رباطة جأشهم في الاوقات الحرجة ويتمتع أيضا بطبيعته المسالمة وبمقارباته المدروسة بالاضافة إلى قدرته على التعامل مع فرق تعج بالنجوم الكبار وهو ما سهل استلامه السلس لرئاسة الادارة الفنية المنتخب دون إهمال واقع انه يعمل دائما للمحافظة على وحدة واداء لاعبيه الموهوبين، وخلافا لاراغونيس الذي عرف عنه طابعه الحاد ومواقفه المثيرة للجدل في بعض الأحيان، أدخل مدرب ريال السابق الهدوء والتحفظ والصبر إلى منصب المدرب، اضافة إلى التواضع.
ويلتزم دل بوسكي بالحكمة التي تقول بانه "لا يجب العبث بتركيبة رابحة" واتخذها كمبدأ له منذ ان استلم مهامه مع المنتخب وكان التغيير الوحيد الذي اجراه خلال مشواره مع المنتخب حتى الآن هو تطعيمه ببعض المواهب الشابة من أجل المحافظة على الاستمرارية في النتائج والتنافس والنشاط على الأمد الطويل.
لكن مدرب ريال مدريد لم يلتزم في نهائيات كأس اوروبا 2012 بمبدأه تماما اذ فاجأ الجميع بالمقاربة الهجومية التي اعتمدها في المباريات الخمس التي خاضها فريقه حتى الآن، حيث أشرك شيسك فابريغاس كرأس حربة أمام ايطاليا في المباراة الاولى، ثم احتكم الى توريس امام ايرلندا (4-0) وكرواتيا (1-0) قبل أن يعود إلى فابريغاس أمام فرنسا في ربع النهائي (2-0) ثم يحتكم إلى الفارو نيغريدو امام البرتغال (4-2 بركلات الترجيح)، قبل العودة إلى فابريغاس في المباراة النهائية.
ما هو مؤكد ان دل بوسكي شخصية فريدة من نوعها، وبينما اشتهر معظم أفراد أسرته في العمل في مجال السكك الحديدية، اختار شخصيا ان يخوض مغامرة مهنية مختلفة عن باقي أقربائه، مفضلا الاستجابة لرغباته الكروية ومواصلة مسيرته في عالم الساحرة المستديرة.
اثبت دل بوسكي انه يجيد التعامل مع الضغوط خصوصا انه اشرف على أشهر وأنجح فريق في العالم وهو ريال مدريد من 1999 حتى 2003، فائزا معه بلقب الدوري عامي 2001 و2003 ودوري ابطال اوروبا عامي 2000 و2002 قبل ان يقال من منصبه العام 2003 من قبل رئيس النادي فلورنتينو بيريز.
طرق الاتحاد الاسباني باب دل بوسكي بعد كأس اوروبا 2008 ليخلف أراغونيس، فلبى ابن سلمنقة النداء الوطني ونجح في قيادة بلاده إلى نهائيات جنوب افريقيا بطريقة رائعة.
من المؤكد ان دل بوسكي لم يخيب ظن الشعب الاسباني بأكمله بل انه خلق جوا توحيديا في البلاد لدرجة ان مقاطعة كاتالونيا التي تطالب باستقلالها رفعت خلال مونديال جنوب افريقيا العلم الاسباني إلى جانب الكاتالوني في خطوة نادرة، وهو دخل اليوم التاريخ من اوسع ابوابه. -(أ ف ب)

التعليق